ارتجف المشهد السوداني حين خرج دونالد ترامب بكلمة مقتضبة يقترح فيها بدء مساعٍ لوقف النزيف. الجملة كانت قصيرة، لكنها مرّت كالنسمة في بلد اختنق بغبار المدافع.
خلال ساعات امتلأت صفحات السودانيين بلون السلام على منصات التواصل الاجتماعي، كأنّ شعباً أنهكته ثلاثون شهقة من الرعب وجد فجأة نافذة تفتح على ضوء بعيد، فيما تراجعت أصوات طبّالي الحرب إلى الظلال، وارتبكت حساباتهم التي اعتادت اقتناص الفرص في القتل والتدمير.
تبدّت الحركة الإسلامية، بكل فروعها السرية والعلنية، كأنها آخر جيوش الليل. نتذكّر كيف أنها اندفعت إلى الساحة بخطابات كراهية وخطط مظلمة، وكيف أعادت فتح غرفها الإعلامية في العواصم التي تأويها، وأنفقت الأموال المنهوبة لترميم سردية مكسورة لا تعيش إلا على الجثث. ولحظة شاعت أخبار المساعي الأميركية، بدت تلك الجهود مثل نار تشتعل في مياه. توارى الصخب، وضاعت الحملات، وتكشّفت هشاشة مشروعٍ لا يستطيع الحياة إلا داخل العاصفة.
أعاد ترامب الكرة إلى ملعب الرباعية التي أعاقت الحركة الإسلامية مسارها مراراً. سحبت مفاوضين، لوّحت بالتخوين، واحتفلت بتعثّر الهدنة الإنسانية كما لو أن السلام هزيمة شخصية. في الخلفية ظلّت آلة التحريض تعمل بهوس، تُطلق الهتاف نفسه الذي رافق البلاد منذ ثلاثة عقود: رفض لكل محاولة تُنقذ ما تبقّى من الوطن.
وحين سارعت الأحزاب والكيانات الوطنية إلى الترحيب بالمساعي الدولية، اختار قادة الحركة الإسلامية الصمت. صمتٌ لا يشبه الحكمة، بل يشبه خوفاً ينمو داخل غرفة مغلقة. كان واضحاً أن رموزهم الكبار يتحسّسون رقابهم من دائرة تضيق كل يوم. فالقبول بوقف الحرب يعني الوقوف أمام المرايا التي تُظهرهم كما هم: جماعة مطاردة بتهم الإرهاب.
في المقابل، قدّم مجلس السيادة، بتركيبته المرتبكة وشرعيته المتآكلة، موقفاً لافتاً حين رحّب البرهان بكلمة ترامب رغم أن نائبه مالك عقار لوّح سابقاً بعبارته الشهيرة: «لا ماشين جدة ولا جدادة». تناقضٌ يوحي بأن الريح تغيّرت، وأن حسابات القوى الحاكمة لم تعد كما كانت. بدا السؤال مشروعاً: ما الذي دفع البرهان إلى هذا التحوّل المفاجئ؟
ربما أدرك الرجل اتساع الرفض الشعبي لاستمرار الحرب. أدرك أن الشعب الذي أحرقته النيران في دارفور وكردفان والخرطوم لا يرى الحرب إلا عبثاً لا نهاية له. كل بيت فقد شيئاً، وكل مدينة دفعت جزءاً من قلبها، فيما تحسّنت أحوال من أشعلوا الجمر ووقفوا على التل يراقبون الاحتراق.
ثم جاءت دعوة التعبئة العامة لتكشف الفجوة المريعة بين السلطة والناس، ولتمنح كلمات ترامب وزناً مضاعفاً أمام ذئاب تخشى العصا الأميركية الثقيلة.
كان واضحاً لمن يقرأ التاريخ السوداني أن الحرب لن تصنع حلاً، وأن الرصاص لن يعالج جذور المأساة التي اختبرناها من قبل في حرب الجنوب. الأزمة أعمق من الميدان: تهميش، إفلات من العقاب، عجز عن إدارة التنوع، غياب مشروع وطني جامع. سلامٌ بلا معالجة هذه القضايا يشبه هدنة فوق فوهة بركان.
يبقى أن التعويل على تصريح واحد ضربٌ من الوهم. فالمسؤولية الأولى تقع على القوى المدنية التي لا تزال مطالَبة ببناء رؤية وطنية تنقذ المستقبل من أنياب الماضي. وحدها إرادة السودانيين قادرة على تحويل المبادرات الدولية إلى معبر نحو استقرار حقيقي. أما الذين جرّوا البلاد إلى حافة الهاوية، فسيحاولون جرّها مجدداً إلى الجحر نفسه إذا أُتيح لهم الظلام الكافي.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم