كل صباح أنا جرحي بيزيد يا زولة … ترنيمة الفقد والنزيف المستمر

محمد صالح محمد
تشرق الشمس في كل مكان لتعلن بداية حياة جديدة إلا في سمائي؛ فالفجر لا يحمل لي سوى خيوط من الوجع المتجدد و ينسج منها كفناً لآمالي التي تموت كل يوم. مع كل إطلالة ضوء ومع كل نسمة تداعب شرفات الصمت أدرك أنني ما زلت حياً لأتألم وأن الساعات التي مضت لم تكن إلا فاصلاً قصيراً من “موت مؤقت” أعود بعده إلى ساحة المعركة الكبرى مع الذاكرة.

يا زولة …
أصبح الصباح غريباً و باهتاً وثقيلاً كجبل من الرصاص الجاثم على صدري. هل تشعرين كيف يمكن للضوء أن يكون مؤذياً؟ كيف يمكن للعصافير أن تغرد بنبرة تشبه النحيب؟ في كل صباح أفتح عينيّ لأبحث عن أثرٍ منكِ و عن رائحة القهوة التي كانت تجمعنا وعن ضحكة كانت تملأ الزوايا وتطرد أشباح الخوف لكنني لا أجد سوى الفراغ ذلك الفراغ الذي يمتد ليلتهم كل ما تبقى من روحي.

صباحات النزيف …
يقولون إن الوقت كفيل بمداواة الجروح و لكنهم يا زولة لم يخبروني عن الجراح التي تتغذى على الوقت. أنا جرحي ليس مجرد خدش عابر إنه هويةو إنه قدر ينمو مع كل دقة من دقات الساعة كلما غسلت وجهي بماء الصباح شعرت أنني أغسل ملامحي التي كنتِ تعرفينها لأستبدلها بملامح غريب لا أكاد أعرفه في المرآة؛ ملامح رجل هدمه الشوق وكسره الحنين وأذله الانتظار.

لماذا يزداد الجرح في الصباح تحديداً؟ ربما لأن الليل يمنحنا رفاهية الهروب في الأحلام لكن الصباح يواجهنا بالحقيقة العارية كالشفرة “أنت وحيد وهي ليست هنا” الحقيقة التي تصرخ في وجهي مع كل فنجان قهوة مر ومع كل كرسي فارغ في ركننا المعتاد.

يا زولة… الخيبة أعمق من الكلمات
كنتِ لي الوطن حين تضيق بي الأرض وكنتِ لي السكينة حين يثور العالم في وجهي. والآن أنا في غربة لا ترحم ليس لأنني غادرت مكاني بل لأنكِ غادرتِ أيامي. أكتب إليكِ والدموع ليست في عيني بل في أنفاسي وفي نبضي الذي بات يئن تحت وطأة الخيبة.

الجرح يا زولة لا يلتئم بل يتسع ليصبح هو المكان الذي أعيش فيه. أصبح لي “صباح” خاص لا يشبه صباحات البشر؛ صباح يبدأ بتنهيدة تنزع الروح وينتهي بغصة ترفض الانكسار.

أتساءل أحياناً كيف يمكن لقلب واحد أن يحمل كل هذا الوجع ولا يتوقف؟ كيف يمكن لإنسان أن يستيقظ كل يوم ليموت من جديد؟

وجع لا يهدأ …
يا زولة لقد تعبت من التظاهر بالقوة تعبت من ارتداء قناع الصمود أمام العالم بينما أنا في الداخل مجرد حطام فكل صباح يمر يضيف مسماراً جديداً في نعش قلبي .

جرحي يزيد لأنني ما زلت أحبك بنفس القوة ولأن غيابك يزداد عمقاً بنفس القدر.
سأبقى هنا في زاوية هذا الصباح الحزين أنتظر شمساً لا تحرق وقدراً لا يوجع ولقاءً يرمم ما أفسده الفراق وحتى ذلك الحين سيظل نشيدي الوحيد في كل فجر

“كل صباح أنا جرحي بيزيد يا زولة… وكل يوم أنا بموت فيكِ ومعاكِ ألف مرة”.

وهكذا يا هنو يمرّ العمرُ بي وأنا أقف على أطلالِ ذلك الحلم الذي انكسر لا الأيام داوت ما جُرح ولا النسيان فتح لي أبواب. سأظل في كل فجرٍ ألملم شتات روحي وأحكي لظلي عنكِ وعن وجعٍ سكن الضلوع فصار جزءاً من النفس.

خاتمتي معكِ ليست كلماتٍ تُكتب بل هي دمعةٌ حبستها في عيني خشية أن يراها العابرون وغصةٌ أبت أن تغادر حنجرتي كلما ناديتُ باسمكِ في صمتي.

اذهبي حيث شئتِ أو ابقي حيث أنتِ لكن اعلمي أنني هنا بين كل صباحٍ وآخر أموتُ بالبطء الذي يشتهيه الحنين وأحيا بالوجع الذي خلفته وراءكِ.

يا زولة… لو كان الوجعُ رجلاً لقتلته لكن الوجع أنتِ وكيف لي أن أقتل من سكنت الروح؟ طبتِ في غيابكِ وطاب لي النحيب في محراب ذكراكِ إلى أن يجمعنا قدرٌ أو يواريني ثرى.

binsalihandpartners@gmail.com

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

نبضٌ لا يعرفُ البُعد ترانيمُ الروحِ في محرابِ الغياب

محمد صالح محمدثمة غيابٌ لا يملأه حضورُ العالمِ أجمع وثمة رحيلٌ لا يتركُ وراءه سوى …