mustafabatal@msn.com
لا أميل الى تخصيص زاويتي في الصحيفة لنشر رسائل الآخرين، كما يفعل غيري من الكتاب الصحافيين، بين الفينة والاخرى، نشداناً للخلاص من مضض الكتابة الراتبة. أنا أحشد زاويتي وأكبسها كبساً بكلماتي أنا فقط على أساس أن من أخذ الأجر حاسبه الله بالعمل. غير أن رسالة الكترونية وصلتني من أحد منسوبي الجبهة الثورية أقلقتني وأطارت من عيني بعض النوم فعزمت أن أنشرها، ثم أقول في شأنها قولي. كاتب الرسالة استاذ جامعي يباشر تدريس القانون في جامعة سودانية. ولست في حل من نشر اسمه، اذ أنه واحد من رجال ونساء كثر تعرفت عليهم الكترونياً، يتفقون معي ويختلفون، دأبوا على مناصحتي وتبادل الأفكار معي حول القضايا العامة. وهذا النوع من المراسلات تحكمه قواعد وتقاليد تمنع نشر الأسماء. جاء في الرسالة:
**********
(( سلام أيها الكاتب الذي يشار إليه بالبنان … بما أنك قلدتني بكامل قواك العقلية منصب مستشارك القانوني في يوم ما، وبما أن موضوع مقالك (البشير والقهوة وجورج كلوني) موضوع قانوني ذو طابع سياسي (التضييق عليه بسبب رفضه الامتثال لأوامر أوكامبو ومن بعد بن سودة)، كان لازماً عليّ أن أدلي بدلوي. لا لشئ إلا لايماني بأنك في الفترة الأخيرة قد انقلبت على عقبيك، وظللت تغرد خارج سرب الراهن السياسي، مثل هجومك على (فظائع) الجبهة الثورية في أبوكرشولا. مثل هذه الأشياء قد تقود لاغتيالك بواسطة نشطاء الجبهة الثورية المنتشرين على ظهر البسيطة. ولا يغرنك استظلالك بسموات اليانكي في بحيرة منيسوتا (السارح بيك ما بودرك). أنا شخصياً قنعت منك في الفترة الأخيرة، لكنني أنصحك لعل الله يهديك، أو يخرج من صلبك من يؤمن بالتغيير في السودان، ويدين بملة الجبهة الثورية، الجناح العسكري لحملة لواء التغيير، وأملنا الأخير في سودان جديد معافى. في مقال لك سابق كتبت تقول انك تؤمن بعلمانية الدولة وليس هناك ما يجمع بينك وبين الانقاذ وأهلها، فما الذي دعاك لمناصرة البشير ضد جورج كلوني؟ أوعى تكون قلبت يا بطل. شخصياً لا أستبعد ذلك، فقلوب العباد بين يدي الرحمن يقلبها كيف يشاء)). انتهت الرسالة.
**************
أعرف الآن أنها كانت أيام غبراء، تلك الاجازة الملعونة التي قضيتها في بريطانيا عام 2007 بصحبة عادل الباز. استأجرنا منزلاً في مدينة اوكسفورد. نذهب الى لندن صبحاً فنقضي سحابة يومنا، ثم نعود الى اوكسفورد مساءً، فينفرد بي ابن الباز، ويصب في اذني معسول الكلام، ويزين لي أن اكتب له زاوية راتبة في صحيفته الجديدة (الأحداث) التي كان يعد لإصدارها. وقد وعدني بأنني سآكل الشهد وأشرب شراب أهل الجنة ان أنا أطعته وقبلت دعوته، ففعلت. ومنذ ذلك العهد وانا اكتب في صحف الباز، فلا رأيت شهداً ولا وجدت كؤوساً دهاقا.
كل الذي نابني هو اللعنات والشتائم والنبابيت تنهال على رأسي كالمطارق من فوق منابر الشبكة الدولية، حتي لأكاد أزعم أن جميع مناضلي الأسافير، الذين دخلوا الحلبة بين العام 2007 ويومنا هذا، تعلموا حلاقة النضال فوق رأسي. ثم ها أنا ذا، في خاتمة المطاف، وحيداً تائهاً اواجه التهديد بالاغتيال من فتيان الجبهة الثورية الأشاوس المنتشرين في أصقاع الأرض. بينما يتنقل الباز مثل الفراش (مين علمك يا فراش تعبد عيون “الكاش”) من صحيفة الى صحيفة. لذلك وعندما سألني البعض: هل ستترك (الخرطوم) وتلحق بصاحبك في (الرأى العام)؟ وجدت نفسي أردد مع زيدان: “ما أظن أعود يا فراش / لي زول نساني وخان”!
ربما أغرت تلك الرسالة غيري، من الذين يحبون تسجيل المواقف، بأن يكتب كلاماً فوّاراً من شاكلة (أنا لا أخشى التهديد، ولا أخاف الا الله)، ثم الاستشهاد بالآية الكريمة من سورة التوبة (قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ..). ونعم بالله. ولكن الكذب لا يليق. والحقيقة أنني أخشى التهديد، وأنني خائف فعلاً ومرعوب. ولا تغرنك، يا هداك الله، صفة (البطل) التي تراها معلقة باسمي، فقد سألت كبارنا وعلمت الا علاقة لذلك اللقب بالشجاعة والبطولة والاقدام. وإنما كان جدي الأكبر كريماً مبسوط اليد، وقد اطلق عليه لقب البطل من تلقاء ذلك المنحى. ومن آيات بطولته انه أنفق كل ما يملك وترك اولاده واحفاده على باب الكريم.
وقد قمت، من باب الاحتراس بمراجعة مقالاتي السابقة للوقوف على ما عسى ان اكون قد (هبّبته) حول الجبهة الثورية، فلم أجد أنني تطرفت أو أوغلت في عداوة هذا التنظيم الوطني الكبير. ولكنني كتبت ذات مرة منتقداً أحد زعمائها البارزين، وهو السيد نصر الدين الهادي المهدي، حفظه الله وأبقاه ذخراً للسودان، وربما حملت بعض السطور عبارات جانبها التوفيق. وذلك المقال هو الذي أغضب بعض مناصري الجبهة فبعثوا بالمكاتيب المُعطنة والتحذيرات المبطنة.
غير أنني أمسيت مطمئناً تماماً من جهة سيدي نصر الدين، بعد أن طلب مني صديقي الصدوق، القيادي الاسلاموي، المحبوب عبد السلام ألا أقلق وأن أضع في بطني بطيخة صيفي. وتعهد بأن يتولى أمر مصالحتي مع القائد الانصاري المجاهد. لا سيما وانهما جيران تجمعهما روابط واشجة؛ المحبوب من حي العمدة ونصرالدين من ودنوباوي، لا يفصلهما الا طريق الاسفلت.
كما أنني أحمد الله وأشكر فضله أن صلتي بسيدي مبارك المهدي، عراب الجبهة الثورية ومثبّت أوتادها وأبيها الروحي، وطيدة توثقت عراها في زمن قديم. وأفضال الرجل علىّ سابغة. واحسبك، أعزك الله، لا تعرف مبارك كما أعرفه. كأنه عندي الأمين الذي قال في شأنه أبونواس: ” رُفع الحجابُ لنا فلاح لناظرٍ قمرٌ تقطع دونه الأوهامُ / ملكٌ اذا علقت يداك بحبله لا يعتريك البؤس والاعدامُ”.
فكيف يفكر مغاوير الجبهة الثورية في اعدامي والغبراء تقل سيدي مبارك؟
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم