قرابة الأسبوعين عشتهما هذا الشهر في الشقيقة يوغندا ، أو “جوهرة أفريقيا Pearl of Africa” كما أطلق عليها المستعمر البريطاني في القرن الماضي. وصلتني الدعوة من الأستاذين شمس الدين ضو البيت والمحبوب عبد السلام ، ممثلين لمنبريهما: (مشروع الفكر الديموقراطي وحركة تضامن من أجل الديموقراطية). جاء المؤتمر التفاكري تحت شعار: (بالمعرفة والحوار ، نوقف الحرب ونبني السلام).
لقد زرت يوغندا سابقاً، في مؤتمرات تبدأ بالوصول إلى الفندق ، فالإجتماعات المستمرة طوال اليوم ، فالبيان الختامي في اليوم الرابع أو الخامس ثم العودة إلى المطار. آخر مرة زرت فيها يوغندا – إن لم تخني الذاكرة – في العام 2002، أي قبل 23 عاماً. قررت هذه المرة أن أبقى بضعة أيام بالعاصمة اليوغندية زاهية الخضرة -كمبالا، فقد طالما قرأت وسمعت عن النمو السريع والتقدم في البنية التحتية والتعليم والصحة التي حققها هذا البلد الشقيق. صحيح أنني أقرأ أخبارهم والشقيقة كينيا عبر صحفهم الإليكترونية الأنيقة. لكني قررت هذه المرة – عن سابق إصرار وترصد – أن أبقى لأسبوع بعد ختام المؤتمر.
عصف فكري خلّاق:
ولأن شعار الملتقى الفكري (بالمعرفة والحوار ، نوقف الحرب ونبني السلام)، فقد استلم منظمو الملتقى فوق العشرين ورقة من الواحد وأربعين مشاركاً، متناولين لثلاثة محاور، تصب جميعها في البحث عن منفذ للخروج من الحرب البشعة ، الدائرة حالياً في بلادنا. إستمر الملتقى من 15 إلى 17 يونيو 2025م ، في جلسات اتصفت بالجدية في تقديم المادة. والدقة في إدارة الجلسات. كان عصفاً فكرياً حضارياً بامتياز.
يجدر بالذكر أنّ المشاركين في المنتدى من الكتاب والمثقفين والسياسيين رجالاً ونساءً ، يمثلون تيارات سياسية وفكرية مختلفة، ومراحل متفاوتة من سنوات العمر. لكن حثّهم للتداعي إلى هذا الملتقى الفكري حب الوطن والتفاكر في إنقاذه من شفير الهاوية. أو كما جاء في مقدمة البيان الختامي للملتقى (همهم الأكبر أن يكون السودان وطناً يسع الجميع بالتعارف والإعتراف؛ معافىً من الحرب والموت ، مبرأً من الجهل والمرض والنزوح واللجوء، مؤسساً على الديموقراطية والحرية والعدالة ، مستنداً إلى هوية سودانوية جديدة ومتجددة، أسهمت وتساهم فيها كل عناصر السودان، منفتحة على العالم وموصولة بالإقليم ، ومتكاملة ثقافياً واقتصادياً وسياسياً مع الجوار الأفريقي و العربي).
لعلّ من أميز ما في هذه الملتقيات أنّ الحوار الذي يولده العصف الفكري قد يبدأ حاراً أحياناً ، لكن فكرة أن (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) – كما جاء على لسان أحد الإئمة القدماء – يعطي مساحة لحدة الإختلاف أن تخبو. فتكون المبارزة بالحجة والإقناع هي الطريق الوحيد لكل متحاور أو معقب في النقاش. لذا كانت جلسات الملتقى التي فاقت العشرين ساعة ، عصفاً فكرياً بامتياز. ورغم ما تخلل الجلسات أحياناً من لهيب الجدل وحرارة النقاش إلا إنّ ردهات الفندق وفرنداته وقاعات الطعام قد شهدت خلال أيام المؤتمر جلسات أنس وضحكات لمجموع السودانيين ممن يلتقي بعضهم لأول مرة. بل إن خيوط تعارف قد بدأت بين الكثيرين، تشهد بذلك ساعات اليوم الأخير حيث الكل يتبادلون العناوين وأرقام الهواتف. وعناق حار لوداع أناس إلتقيناهم وعرفناهم لأول مرة. وهذا إن دلّ على شيء إنما يدل على أن مسافة الإختلاف بين معظم السودانيين في أمور كثيرة – ومنها صناعة مستقبل مشرق لهذا الوطن وأجياله القادمة – ليست شاسعة كما يتخيل البعض.. خاصة لمن يأتيك بقلب مفتوح ، لا المتمترس خلف الأيديولوجيا والدوغما.
كمبالا – مدينةٌ تغسلُ أديمَها بالمطرِ والهواءِ الطلق:
بعض الأماكن لها سحر الغواني. تجعل قلبك يخفق وركبتاك تصطكان. ويتفصد جبينك عرقاً وهي تتجلّى أمامك في طلعة الفجر أو احمرار الشفق عند الغروب. جئت شوارعها وأزقّتها هذه المرّة من آنتيبي الواقعة في حضن بحيرة فيكتوريا ، حيث انتهت رحلة الطيران الطويلة من لندن مروراً بأديس أبابا وأنتهاءً بأنتيبي. تلقاني عند الخروج من بوابة المطار شاب أوغندي مبتسماً ومرحباً. تلقّاني بصوت منخفض كما جرت عادتهم في التحدث إلى بعضهم أو إلى أي زائر، حتى لتظن أن الشاب أو الفتاة الذي يتحدث إليك يبثك سراً. لاحظت أنّ المساحة الخالية من المباني إلا ما ندر بين آنتيبي وكمبالا حين جئتها قبل إثنين وعشرين عاماً قد اكتظت بالعمران والأسواق والأكشاك ومحطات الوقود طوال الطريق بين المدينتين، حتى لتبدو للزائر أنه في مدينة واحدة. كنت في غاية الدهشة وأنا أطالع العمران والأسواق وحركة السيارات والمارة في الطرقات والأزقة عبر المدينتين. أذكر أن المسافة بين آنتيبي – حيث المطار وكمبالا العاصمة – لا تعدو الأربعين دقيقة. لكن رحلتنا استغرقت هذه المرة حوالي الساعتين ونصف الساعة لنصل فندق (منتجع النيل بكمبالا Kampala Nile Resort). زحمة السيارات والموتوسايكلات والمارة في شوارع كمبالا أعدُّها إحدى نقاط ضعف هذه المدينة السياحية الجميلة. أعتقد أن كثيراً من شوارعها أقل مستوى من أناقة المدينة ونظافتها وسرعة حركة نموها !
ندوتان للجالية وتكريم أكبر من حجمي:
بقيت ستة أيام في كمبالا بعد انتهاء المؤتمر. حسبت أنني سأنام وأصحو ، وأسعى بين أحياء وأسواق هذه المدينة الساحرة. ظننت – وليس كل الظن إثم – بأني سأمشي على مهل من حارة لأخري – أتوكّأ على عكازتي التي صارت قدمي الثالثة بعد أن أجريت لي جراحة لإستبدال مفصل الركبة اليمنى قبل بضعة أشهر. لكن الذي حدث كان مختلفاً. دعيت في اليوم الثالث لوصولي إلى عشاء مشويات وأطعمة سودانية في ساحة خضراء تسمّى الجدائل. أصحاب الدعوة من الأقارب: الدكتور بقادي والدكتور صلاح الأمين والاقتصادي البارع جاد الله الرضي والعمدة يحي جماع. وإذ بدأنا عشاءنا طلب الدكتور صلاح الأمين بصوته الهاديء: معليش يا خال .. لكن مطلوب تأجيل عودتك إلى لندن أسبوعاً أقله عشان نستضيفك في مؤانسة ثقافية مفتوحة للجالية! ولأنه لم يكن من الكياسة رفض طلب كمٍّ كبيرٍ من السودانيين والسودانيات، فقد وافقت سائلاً الله أن أكون عند حسن ظنهم. وما إن سمعت منظمة أخرى لتدريب الشباب وترقية مقدراتهم بالخبر حتى طلبوا أن يقام لي شئ مماثل في دار منظمتهم..وفقت على طلب الدكتور هناء رئيس منظمة Sudan Development Hub .
كان قد بقي لي يومان لأشد الرحال عائداً إلى لندن – حيث أقيم. لكن جاء طلب أبناء وبنات غرب كردفان تكريم شخصي الضعيف في ذات القاعة على أن يسبق برنامج التكريم ندوة منظمة التنمية بزمن قصير تتم فيه إجراءات التكريم جاء هذا الطلب عبئاً يستحيل رفضه. حدث ذلك في ذات اليوم الذي قمت فيه بجولة نظمها لنا السوداني الهميم الدكتور تاج الدين نيام الذي يعمل هنا بجامعات يوغندية. زرت خلال الجولة جامعتي كمبالا العالمية – جامعة خاصة وجامعة ماكرري الشهيرة. عرفت وقتها أن العالم حولنا يطير، بينما يحفر البعض للسودان قبراً. زرت طرفاً من هاتين الجامعتين على جناح السرعة. أتاح لي الدكتور نيام الفرصة لألتقي شخصيتين من كبار الأكاديميين فيهما.
تتقدم يوغندا بخطىً حثيثة بلاداً كثيرة في أفريقيا في التعليم الأولي والجامعي. تلك واحدة من نعم الله على أمم تلعن الشيطان وتعطي قفاها للحرب لتنعم بالإستقرار والتنمية والرخاء. ويوغندا في موعد مع التنمية والرخاء إن لم تكن قد أنجزت بعضاً من ذلك. تقف في البلكونة عند الفجر الباكر فتبهرك ثريات ومصابيح الكهرباء في الشوارع والأزقة ونافذات البيوت. وتكتظ الشوارع في لحظات بالمارة والسيارات والموتو سايكلات وتلاميذ وتلميذات المدارس مسرعي الخطى صوب مدارسهم. التعليم سلاح يوغندا ودول القرن الأفريقي لبناء أفريقيا الجديدة. ما زالت جامعة ماكريري تحتفظ بترتيبها المتقدم بين جامعات قارتنا البكر وبين جامعات العالم.
عدت من جولتي في الجامعتين لأنعم بساعة ونصف الساعة فقط قبل أن نلحق بجلسة التكريم والندوة. ثلاثة لقاءات في 36 ساعة، كانت عملاً مرهقاً بمعنى الكلمة. لست أمتنّ على أحد ، بل تراني مديناً لجاليتنا في كمبالا لتقديرهم لدور الكلمة. خرجت الندوتان عن الشكل المعتاد للندوات. في الندوة الأولى – وأسموها مؤانسة – أدار الدكتور صلاح الأمين والأستاذ السر السيد تلك الندوة باقتدار، إذ توزع الحديث بين أسئلة يوجهها مديرا الندوة للضيف ثم إتاحة الفرصة للجمهور لطرح الإسئلة والإستفسارات للضيف. تفصل المؤانسة قراءة شعرية. حدث شيء أشبه بذلك في الندوة الثانية التي أدارها شاب في مقتبل العمر (عبد الرحمن) .. كان موفقاً في التقديم وتوزيع الفرص على الجمهور. ما لفت انتباهي في الفترة القصيرة التي قضيتها في كمبالا ، أن الجالية الكبيرة هنا تمتاز بسمعة طيبة. وقد قام
الكثيرون والكثيرات منهم بإنشاء عمل خاص (مقهى أو مطعم أو دكان صغير) رغم غلاء إيجار العقارات في عاصمة تكتظ بالسكان. البعض من المقتدرين والعارفين بالعمل التجاري إنخرطوا يتلمسون حظهم في العمل التجاري، فيوغندا إحدى البلاد الشهيرة بانتاج البن والشاي.
إلتقيت عدداً من الأدباء والمثقفين وقادة شباب في الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال (الحلو) وأساتذة جامعات ، نعموا بالهدوء وراحة البال – ولو مؤقتاً – في بلد تشعر في شوارعه بالأمان. يحكي الدكتور تاج الدين نيام أن الرئيس يويري موسيفيني في مناسبة حضرها ساسة أفارقة قال لوزرائه : إن لم تعاملوا السودانيين كمواطنين في يوغندا فعاملوهم كزوار لهذا البلد. وهذا ما أكده لي أكثر من سوداني وسودانية في زيارتي القصيرة هذه.
أود أن أتوجّه في الختام بالشكر لمنظمي الملتقي التفاكري ولكل الزملاء والزميلات الذين تعلمت من الكثيرين منهم حشداً من المعلومات الثرة أثناء تقديم الأوراق أو لحظات النقاش والمداخلات. والشكر للجالية السودانية ذات السمعة الطيبة في كل أنحاء يوغندا الشقيقة. أشكرهم وقد منحوني من الحب ما أحسبني دون استحقاقه بكثير. أقول لهم ما قاله الشاعر المقاتل محمود درويش حين خرج من الأرض المحتلة لتقام له احتفالات وجلسات نقاش ودعوات لا تحصي في منتديات ثقافية – قال درويش وقد فاق التقدير والإحتفاء به حد الوصف- قال في مقالة له: (إرحمونا من هذا الحب القاسي)! ويا جاليتنا في كمبالا.. ما زلت أعاني من فيوض محبتكم التي أراني دونها بكثير. أثقلت محبتكم كاهل. ومن الحب ما قتل!
فضيلي جمّاع – لندن
28 يونيو 2025م
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم