بيروت- لم تكن منطقة “برج البراجنة” سوى محطة عابرة في حياة ردينة مصطفى، الشابة السودانية التي أتت إلى لبنان بحثا عن عمل وحياة أكثر استقرارا. لكن ليلة واحدة قلبت حياتها رأسا على عقب، لتجد نفسها في قلب تجربة لم تكن تتوقعها.
تستعيد ردينة لحظات الرعب الأولى قائلة للجزيرة نت: “كنّا نائمين، وكان الليل هادئا، وفجأة سمعنا صوتا قويا أيقظنا مرعوبين”، لم يكن هناك وقت للتفكير؛ “خرجنا فورا من المنزل، لم نحمل معنا شيئا، فقط ركضنا”.
في الشارع، بدا الخوف مشتركا بين الجميع. تعالت الأصوات بأن المكان لم يعد آمنا، وأن العودة باتت مستحيلة. وسط هذا الارتباك، قادهم الخوف إلى المجهول، قبل أن تفتح لهم الصدفة بابا للنجاة، تتابع ردينة “كانت لديّ صديقة سودانية تعمل في الكنيسة، هي التي دلّتْنا على المكان، فكثير من الأماكن لا تستقبل الأجانب”.
في كنيسة مار يوسف بدا المشهد مختلفا؛ تحول المكان إلى ملاذ مؤقت لا يسأل عن الجنسية أو الخلفية، ردينة تروي: “استقبلونا من دون تمييز، لبنانيون وسودانيون وسوريون… كنّا جميعا معا”.
داخل الكنيسة، لا يختفي القلق تماما، لكنه يُخفَّف بشيء من الألفة، تقول “يحاول العاملون التخفيف عنا، يمازحوننا أحيانا”. وتضيف “تعرّفنا إلى أشخاص جدد، وصارت بيننا معرفة أقرب. هكذا يمضي النهار ببطء، بين الانتظار والأحاديث، وبين محاولات ترميم ما كسرته لحظة الخوف الأولى”.
لكن سؤال العودة يبقى معلقا، ليس فقط إلى منزلها في الضاحية الجنوبية، بل أيضا إلى وطنها الأم، السودان. تبتسم بحذر وتقول: “الأمر صعب.. هناك حرب أيضا، والوضع لا يطمئن”.
بين بلدين مثقلين بالأزمات، تقف ردينة في منطقة رمادية، لا تنتمي بالكامل إلى هنا، ولا تستطيع العودة إلى هناك، ومع ذلك تتمسّك بخيط رفيع من الأمل، وتقول: “نأمل أن تتحسّن الأوضاع في لبنان، وأن يعمّ الأمان في السودان أيضا”.
أسئلة ثقيلة
أما تجربة ثويبة، القادمة أيضا من السودان، فتعكس وجها آخر للمعاناة؛ بعد نزوحها من قضاء النبطية في الجنوب اللبناني، حاولت العودة إلى منزلها بعد أشهر، لكنها اضطرت للنزوح مجددا مع اندلاع القصف مرة أخرى.
تقول “كنّا نياما ليلا، وفجأة وقع القصف”، وبدأت العائلة رحلة شاقة استمرت نحو 16 ساعة على دراجة نارية، بحثا عن مأوى آمن.
وصلت ثويبة وعائلتها إلى بيروت، حيث اضطرت للانتظار على الأرض تحت أحد الجسور حتى دلّتها امرأة من جنوب السودان على كنيسة مار يوسف. وفيها وجدت العائلة مساحة محدودة من الأمان، رغم ضيق المكان وكثرة الأعداد، وتشير إلى جهود القائمين على الكنيسة: “تعبوا معنا، وأمّنوا لنا مكانا ولم يقصّروا”.
لم تترك ثويبة وطنها الأول طوعا، بل هربت من حربه، ثم وجدت نفسها أمام حرب جديدة في لبنان، تقول: “نحن أصلا نازحون من السودان، تركنا بيوتنا وسُلب كل شيء، ولم يبقَ لنا شيء”، مضيفة: “أليس لنا حق في الحياة؟ أليس لأطفالنا حق في أن يعيشوا؟”. بين تلك الأسئلة الثقيلة، تختصر مطلبها بجملة واحدة: “نريد فقط أن نعيش”.
الكنيسة مخصصة بالدرجة الأولى للنازحين الذين لا يملكون مأوى ومعظمهم من السودان وإثيوبيا وبنغلادش وسريلانكا
الكنيسة مخصصة بالدرجة الأولى للنازحين الذين لا يملكون مأوى (الجزيرة)
انتظار مفتوح على المجهول
وعلى نفس الخط الزمني، استيقظت سمية بابكر، القادمة من السودان أيضا، حيث دوي القصف الذي مزّق سكون الليل في بلدة كفرا جنوب لبنان، فغادرت المنزل على عجلة مع زوجها وأطفالها الثلاثة، هربا على دراجة نارية بلا وجهة واضحة، لتصل بعد رحلة شاقة إلى كنيسة مار يوسف، الملاذ نفسه الذي استقبل عشرات النازحين.
ورغم الأمان النسبي، فإن القلق يبقى قائما، وتروي سمية للجزيرة نت: “حاليا لا نستطيع العودة لا إلى جنوب لبنان ولا إلى السودان”، وتضيف أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سجّلت بياناتهم دون أي تطورات ملموسة، ليبقى انتظارهم مفتوحا على المجهول.
إسماعيل مأمون آدم مطر عاش تجربة مماثلة، فلم يحمل معه سوى اسمه وملابسه حين اضطر إلى الفرار من قضاء النبطية تحت القصف المفاجئ. بعد يومين من التنقّل بين الطرقات، وصل إلى بيروت، ووجد نفسه بلا مأوى، يفتّرش الأرض على شاطئ البحر.
لاحقا، دلّه أحدهم على كنيسة مار يوسف، التي تحوّلت إلى ملاذ مؤقت للفارّين من القصف. هناك وجد مساحة تحميه من الشارع، بعدما وصل “بالثياب التي كان يرتديها فقط”.
غير أن مستقبله يبقى غامضا رغم هذا الاستقرار النسبي، إذ يشير إسماعيل -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سجّلت بياناتهم وشرحت لهم الإجراءات، “لكن حتى الآن.. ما زلنا ننتظر”، في انتظار مفتوح على المجهول.
هكذا، تتشابك حكايات النازحين السودانيين في لبنان، وجوه مختلفة، لكنها تتقاطع عند مفترق الخوف والأمل، ملاذ مؤقت واحد، وتساؤل واحد يختصر كل شيء: كيف يمكن للإنسان أن يعيش؟
ملجأ إنساني
من جانبه، يقول المسؤول عن مركز الإيواء في الهيئة اليسوعية لخدمة الإنسان، مايكل بيترو، للجزيرة نت، إنهم فتحوا الكنيسة كمأوى منذ اليوم الأول للحرب، ويضيف: “عندما سمعت بالضربة، كنت متأكدا أنه إذا توجهت إلى الكنيسة سأجد أشخاصا ينتظرون أمامها، وفعلا فتحنا المكان مباشرة، وخلال 24 ساعة كانت الكنيسة جاهزة لاستقبال النازحين”.
ويشير إلى أن المأوى مخصص بالدرجة الأولى للأشخاص الذين لا يملكون أي مكان للإقامة، وأغلبية الواصلين كانوا من دول مثل السودان، وإثيوبيا، وبنغلادش، وسريلانكا، وهم الموجودون في لبنان إما بوصفهم لاجئين أو عمالا مهاجرين.
ويؤكد بيترو أن الوضع مع بداية الحرب الحالية كان أصعب من السابق، إذ لم تتوفر أماكن رسمية كافية لاستقبال هؤلاء الوافدين، مما منعهم من اللجوء إلى المدارس أو مراكز الإيواء الحكومية كما يفعل غيرهم، وخلال أسبوعين بلغ عدد المقيمين في الكنيسة حوالي 185 شخصا.
ويشير بيترو إلى أن المركز يستقبل أشخاصا من جمعيات مختلفة ومن أديان وثقافات متنوعة، ويضيف: “رغم أن المكان تابع لمؤسسة كاثوليكية ويقع داخل كنيسة، فإن غالبية المقيمين مسلمون أو من ديانات أخرى، ونتعايش معا بطريقة جميلة”.
ويصف المسؤول وضع المهاجرين في لبنان بأنه صعب جدا، حتى قبل الحرب، وقد أصبح اليوم أصعب بكثير، ويوضح: “في كل منطقة من لبنان، هناك أشخاص مضطرون للفرار، سواء اللبنانيون أو الأجانب”.
ويشير إلى أن التواصل مع وزارة الشؤون الاجتماعية والجهات المعنية يتم يوميا منذ اليوم الأول، خاصة بعد أن تبين أن المدارس لم تستقبل الأجانب كما كان مخططا.
ويختم بيترو بالقول إن المركز يختلف عن المدارس الرسمية، لأنه ليس تابعا للحكومة، لكنه يعمل بالتنسيق معها، ويسعى إلى تقديم الدعم للمهاجرين الذين غالبا ما يكونون آخر من يحصل على المساعدة، سواء من الدولة أو من الأمم المتحدة، حيث تذهب الأولوية عادة إلى مراكز الإيواء الرسمية.
المصدر: الجزيرة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم