زهير عثمان
zuhair.osman@aol.com
في ندوة خُصصت للحديث عن “الراهن السياسي”، اكتشفنا أن الراهن ليس زمناً مفتوحاً للنقاش، بل نصاً مغلقاً تحت وصاية المنصة
الأسئلة التي لا تمر عبر فلتر الرضا القيادي تُصنّف فوراً “خارج الموضوع”
لكن من يحدد الموضوع؟
ومن يملك حق رسم حدوده؟
عندما يُطرح سؤال عن الأدوات الفكرية التي يقرأ بها الحزب واقع “الدولة المنهارة”، ويُقابل بالرفض لأنه لا يتحدث مباشرة عن “الحرب”، فنحن لا نكون أمام انضباط منهجي، بل أمام حراسة فكرية و كأن الحرب حدث طبيعي منفصل
عن التحليل السياسي الذي سبقها، وكأن مساءلة الأدوات ليست جزءاً من فهم النتائج
الحرب ليست نشرة طقس هبطت علينا من السماء
هي نتاج تراكمات، قراءات، رهانات، وتحالفات خاطئة
فإذا مُنع السؤال عن القراءة، فبأي منطق نناقش النتيجة؟
الراهن- خط مستقيم لا يُمسّ
بدا واضحاً أن بعض القيادات تتعامل مع “الراهن” بوصفه خطاً تفسيرياً جاهزاً، لا يقبل التشكيك ولا إعادة الصياغة
السؤال الذي يحاول اختبار صلاحية الأدوات الكلاسيكية هل ما زالت صالحة لفهم ميليشيات عابرة للدولة، واقتصاد حرب، وتحالفات قبل-دولتية؟ يُعتبر تشويشاً
هنا لا ندخل في خلاف سياسي، بل في أزمة منهج
الحزب الذي نشأ على جدلية النقد والنقد الذاتي، كيف أصبح يخشى سؤالاً عن تطوير أدواته؟
المركزية… حين تبتلع الديمقراطية
اللافت في سلوك المنصة ليس فقط رفض السؤال، بل نبرة الوصاية التي رافقته
كأن السائل تلميذ أخطأ في صياغة الواجب، لا مواطن يسائل حزباً يطلب ثقته
“المركزية الديمقراطية” في أفضل تجلياتها تعني وحدة الفعل بعد حرية النقاش
لكن حين يُختزل النقاش نفسه، وتُختار الأسئلة وفق مزاج المنصة، تتحول الديمقراطية إلى ديكور تنظيمي، وتبقى المركزية وحدها في الواجهة
الأخطر أن هذا السلوك لا يُضعف الخصوم، بل يُضعف الحزب نفسه
فالحزب الذي يضيق بالسؤال اليوم، سيتحول غداً إلى أرشيف مغلق لا يزوره إلا المؤمنون به سلفاً
الجماهير: صخرة أم شاهد صامت؟
لطالما قيل إن “الجماهير هي صانعة التاريخ”
لكن في تلك الندوة، بدا أن الجماهير مرحب بها فقط إذا التزمت حدود السؤال المسموح
السياسة ليست درساً يُلقَّن، بل علاقة ثقة
والثقة تُبنى حين يشعر الناس أن أسئلتهم، حتى القاسية منها، تُحترم لا تُقمع بلطف بروتوكولي
أن تصنّف سؤالاً استراتيجياً بأنه “خارج الموضوع” يعني ضمناً أن الموضوع ملكٌ للحزب، لا ساحة مشتركة بينه وبين المجتمع
وهنا مكمن الأزمة -الحزب الذي يريد مناصرة سياسية، لا يستطيع أن يختار جمهوره وفق راحته
إما أن يقبل الأسئلة كما تأتي، أو يكتفي بالحديث إلى ذاته
بين الإرث والمستقبل
لا أحد يطلب من حزب بتاريخ طويل أن يتخلى عن إرثه
لكن الإرث الذي لا يُختبر يتحول إلى عقيدة، والعقيدة التي لا تُراجع تتحول إلى عزلة
إذا كانت أدوات التحليل التي صيغت في سياق صراع طبقي تقليدي لم تعد قادرة على تفسير واقع تتداخل فيه الميليشيا بالاقتصاد بالقبيلة بالدولة المنهارة، فمن حق الناس أن تسأل
هل نحن أمام تطوير فكري، أم إعادة تدوير للخطاب؟
السؤال ليس عداءً يا ر فاق
السؤال فعل إنقاذ منطقي لكم من واقع الحزب لتكونوا اكثر شجاعة في مواجهة اخطاءكم
الخوف من السؤال واقول ان الفجوة القاتلة ما بين الحزب الشيوعي الذي يدّعي الوصاية على الوعي.. ويخاف من مناقشته في الاعلام !
الحزب الذي يخاف من سؤال حول صلاحية أدواته، سيخاف لاحقاً من سؤال حول شرعيته
والقيادة التي ترى في كل مساءلة تشويشاً، ستكتشف متأخرة أن الشارع تجاوزها
الحرب أحرقت المسلمات القديمة، وأعادت تعريف السياسة نفسها
فإما أن تكون الندوات فضاءً مفتوحاً لاختبار الأفكار،أو تتحول إلى غرف مغلقة يتردد فيها صدى الصوت نفسه
لقد قدمت هذه الندوة الحزب الشيوغي في واضحة انه محاصر و تمثله منصة كاهلة مات الابداع فيهم وتتعامل بفلتر خارج الموضوع قمة الصلف القيادي اعلمو يارفاق أن الجماهير صانعة التاريخ.. أم شاهدة زور!
*الموضوع ليس الحرب فقط والموضوع هو القدرة على فهمها, ومن لا يحتمل سؤالاً، كيف سيحتمل مستقبلاً لا يعترف بالثوابت؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم