في الذكرى (70): توريت والجرح الذي لم يتحوّل إلى ندبة

في الذكرى (70): توريت والجرح الذي لم يتحوّل إلى ندبة

توريت والجرح الذي لم يتحوّل إلى ندبة
1955 – 2025

بقلم: إدوارد كورنيليو

توريت ليست مجرد مدينة شهدت تمردًا.
إنها مرآةٌ انكسرت على وجه الدولة، فكشفت ما حاولت أن تُخفيه.
إنها لحظةُ صدعٍ في سرديةٍ لم تعترف بالهامش إلا حين تمرّد.
إنها إعلانٌ بأن أي مشروع وطني لا يُصغي إلى الأطراف، لا يستحق أن يُسمى وطنًا.
التمرد لم يكن خيانة، بل كان أول محاولة لتحرير الوطن من مركزه، من نخبه، من لغته التي لا ترى إلا نفسها.
توريت كانت البداية، لا النهاية. وكانت الجرح، لا الندبة.
وكانت الصوت الذي سبق الاعتراف، والدم الذي سبق الدستور.

لكن هل اندمل الجرح؟
وهل تغيّرت بنية الهيمنة؟
في الذكرى، لا نُعيد سرد الماضي، بل نُسائل الحاضر الذي وُلد من رماده،
ونسأل: هل كان الاستقلال شفاءً، أم إعادة إنتاجٍ للندوب القديمة بلغةٍ جديدة؟

❖ في الذكرى: ماذا نتذكر؟

نتذكر أن التاريخ لا يُكتب من فوق، بل يُصاغ من لحظات الرفض في القاع.
نتذكر أن توريت كانت أول من قال “لا” في وجه دولةٍ لم تعترف بها.
نتذكر أن التمرد ليس دائمًا عنفًا، بل قد يكون أول صيغةٍ للعدالة.
نتذكر أن الوطن لا يُبنى بالإنكار، بل بالاعتراف.
وأن من يرفع صوته من الهامش، لا يُهدد الدولة، بل يُذكّرها بما نسيت.
نتذكر أن الدم المسكوب لا يُصبح مناسبة، بل ذاكرة،
وأن الجرح لا يُشفى بالصمت، بل بالاعتراف، ثم بالمؤسسة.

❖ من توريت إلى الاستقلال: هل تغيّر شيء؟

في 9 يوليو 2011، وُلدت دولة جنوب السودان، بعد مسارٍ طويل من النزاع، محمّلةً بآمال العدالة والسيادة الفعلية.
لكن المواطن، الذي حلم بوطنٍ يعترف به، وجد نفسه من جديد في دولةٍ لا تُشبهه إلا في الاسم.
السلطة تغيّرت، لكن المركز بقي مركزًا، والهامش بقي هامشًا.
التمثيل ظلّ نخبويًا، والتنمية بقيت وعدًا مؤجلًا، والهوية الوطنية تاهت بين الولاءات الضيقة والانقسامات المسلحة.

لقد تحوّل الاستقلال إلى شعار، لا إلى مشروع.
وصار الوطن الجديد يُعيد إنتاج أخطاء الوطن القديم، بل يُكرّرها بلغةٍ أكثر محلية، وأدواتٍ أكثر تعقيدًا.
وهكذا، لم يكن استقلال 2011 نهايةً للمعاناة، بل بداية فصلٍ جديد من الأسئلة:

  • هل يمكن لوطنٍ أن يولد من جرح، دون أن يُعالج أسبابه؟
  • هل يكفي أن نرفع علمًا جديدًا، دون أن نُعيد تعريف معنى الانتماء؟
  • وهل تُشفى الذاكرة إذا استُبدلت الهيمنة بشعارات، لا بمؤسسات؟
  • وهل يمكن للدم أن يتحوّل إلى دستور، لا إلى ذكرى موسمية؟

❖ في الذكرى، لا نُعيد سرد الأحداث، بل نُعيد مساءلة المعنى

نُفتّش في الرماد عن بذورٍ لم تُزرع بعد،
ونُصغي لصوتٍ لم يُعترف به بعد،
ونُعيد للدم المسكوب حقّه في أن يُصبح ذاكرةً حية، لا مناسبةً عابرة.
ونُطالب بأن تكون الذكرى بدايةً، لا نهايةً،
وأن يكون الوطن مشروعًا، لا شعارًا.

❖ في الذكرى، نُطالب بما بعد الذكرى

بمشروعٍ لا يُعيد إنتاج الألم،
وبوطنٍ لا يُعيد إنتاج النسيان،
وبمؤسسةٍ تعترف بالهامش لا كمشكلة، بل كمصدرٍ للمعنى،
وبذاكرةٍ تُكتب من القاع، لا تُفرض من فوق.

tongunedward@gmail.com

عن ادوارد كورنيليو

ادوارد كورنيليو

شاهد أيضاً

“الحزن النبيل لا يرحل: مصطفى سيد أحمد بعد ثلاثين عامًا”

بقلم: إدوارد كورنيليو في السابع عشر من يناير من هذا العام، تمر ثلاثون سنة على …