من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
كيف تغيّر التقنية طبيعة العمل والوظائف والعدالة الاجتماعية في دول العالم الثالث
قراءة في مستقبل الإنسان بين الخوارزمية والاقتصاد
منبر بنيان
مقالات من بطون كتب ونبض الميدان
المقدمة
إذا كان سؤال المقالين السابقين قد انشغل
بمن يملك التقنية،
ومن يملك القرار، وكيف تبني الدول مسارًا تقنيًا يخدم التنمية لا التبعية،
فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن
هو سؤال الإنسان.
ماذا تفعل التقنية بالعمل؟ وبالوظيفة؟ وبفكرة العدالة الاجتماعية نفسها؟
لم يعد العمل في العصر الرقمي مجرد مصدر دخل،
بل أصبح ميدانًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والاقتصاد.
التقنية لا تغيّر الأدوات فقط،
بل تغيّر معنى العمل، واستقراره، وقيمته، ومن يستفيد منه.
وهذا التحول أكثر حدّة في دول العالم الثالث، حيث الهشاشة البنيوية تجعل أثر التقنية مضاعفًا: إمّا فرصة تاريخية، أو صدمة اجتماعية عميقة.
هذا المقال يستند إلى كتابين يتناولان هذه التحولات من زاويتين متكاملتين:
The Future of Work
و
Technology and Inequality
بين هذين الكتابين تتضح صورة واحدة: التقنية لا تصنع عدالة تلقائيًا،
بل تعكس ميزان القوة القائم،
وقد تعمّق الفجوة إن تُركت بلا توجيه.
اولا
ينطلق كتاب The Future of Work من حقيقة بسيطة لكنها مقلقة:
الوظائف كما عرفها القرن العشرون لم تعد هي القاعدة. الأتمتة، الذكاء الاصطناعي، والعمل عبر المنصات الرقمية، كلها تعيد تعريف ما يعنيه أن يكون الإنسان عاملًا. الوظيفة الدائمة تتراجع، والعمل المؤقت يتمدد، والاستقرار الوظيفي يتحول إلى استثناء لا قاعدة.
في الدول المتقدمة، يُدار هذا التحول ضمن منظومات حماية اجتماعية، ونظم تعليم مرنة، وسياسات سوق عمل نشطة. أما في دول العالم الثالث، فإن التقنية تدخل سوق عمل هش أصلًا، فتزيح العمالة غير المؤهلة، دون أن توفر بدائل حقيقية.
وهنا يصبح السؤال الاجتماعي أكثر إلحاحًا من السؤال التقني.
الكتاب لا يقدّم صورة تشاؤمية مطلقة، لكنه يحذّر من وهم أن المستقبل الرقمي سيخلق وظائف للجميع تلقائيًا. الوظائف الجديدة تتطلب مهارات جديدة، ومن لا يمتلكها يُدفع إلى الهامش. التقنية هنا لا تُقصي البشر لأنها شريرة، بل لأنها تعمل في بيئة غير مهيأة.
ثانيا
أما كتاب Technology and Inequality فيضع الإصبع على الجرح الأعمق:
التقنية ليست محايدة اجتماعيًا. هي تميل لصالح من يمتلك رأس المال، والتعليم، والقدرة على التكيّف.
وبدل أن تقلّص الفوارق، كثيرًا ما تعمّقها.
الفجوة لم تعد فقط بين دول، بل داخل المجتمع الواحد: بين من يملك المهارة الرقمية، ومن يفتقدها.
في دول العالم الثالث، تتجلى هذه الفجوة بوضوح صارخ. نخبة صغيرة تستفيد من الاقتصاد الرقمي،
مقابل أغلبية تعمل في القطاع غير المنظم، أو تُستبعد تدريجيًا من سوق العمل.
وهنا تتحول التقنية من أداة تنمية إلى عامل عدم استقرار اجتماعي.
التقنية والعمل في سياق دول العالم الثالث
التحول الرقمي في دول العالم الثالث يحدث غالبًا دون سياسات مواكبة. التعليم لا يتغير بالسرعة الكافية، والتدريب المهني مهمّش، والحماية الاجتماعية ضعيفة. النتيجة أن العامل يتحمل كلفة التحول وحده، بينما تجني المنصات الرقمية الأرباح.
العمل عبر التطبيقات، مثل التوصيل والخدمات الرقمية، يُقدَّم بوصفه فرصة، لكنه في الواقع يفتقر إلى الضمانات: لا تأمين، لا استقرار، لا مسار مهني. يصبح العامل مرنًا إلى حد الهشاشة، منتجًا دون حماية، ومتاحًا دون حقوق.
وهنا يلتقي الكتابان مرة أخرى: مستقبل العمل لا يمكن تركه لقوى السوق وحدها.
العدالة الاجتماعية في العصر الرقمي لا تتحقق بالنمو فقط،
بل بكيفية توزيع ثمار هذا النمو.
في السودان، تظهر ملامح هذا التحول رغم كل التحديات. العمل الرقمي موجود في الاتصالات، والخدمات، والتجارة الإلكترونية الناشئة، لكنه محصور في نطاق ضيق. الأغلبية ما زالت خارج الاقتصاد الرقمي، لا لأنها ترفضه، بل لأنها لم تُهيّأ له.
غياب التعليم التقني الواسع، وضعف التدريب، وغياب سياسات سوق العمل، يجعل التقنية خطرًا كامنًا على العدالة الاجتماعية. لكن في الوقت نفسه، تمثل التقنية فرصة لإعادة إدماج الشباب، والنساء، والمناطق الطرفية، إذا أُحسن توجيهها.
هنا تتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحناه سابقًا حول الكليات التقنية. التعليم التطبيقي ليس ترفًا، بل صمام أمان اجتماعي في عصر تتغير فيه الوظائف أسرع من القوانين.
الخاتمة
التقنية تعيد كتابة عقد العمل الاجتماعي. والسؤال ليس هل سيختفي العمل،
بل أي عمل سيبقى، ولمن.
دول العالم الثالث أمام مفترق طرق:
إما أن تجعل من التقنية أداة لتمكين الإنسان،
أو تتركها تعمّق الفوارق وتنتج طبقات جديدة من التهميش.
العدالة الاجتماعية في العصر الرقمي لا تُولد من تلقاء نفسها. تحتاج إلى دولة واعية، وتعليم مرن، وسياسات تحمي الإنسان لا الوظيفة فقط. العمل سيبقى، لكن شكله سيتغير، ومن لا يستعد لهذا التغير سيدفع الثمن.
رؤية المقال القادم في السلسلة
في المقال القادم ننتقل من العمل إلى المعرفة:
هل يمكن لدول العالم الثالث أن تنتقل من مستهلك للتقنية إلى منتج للمعرفة؟
وسنقرأ من بطون كتابين:
The Global Innovation Divide
و
Learning to Compete
لنناقش كيف تُبنى القدرة الابتكارية، ولماذا لا يكفي استيراد التكنولوجيا دون امتلاك عقلها.
وهكذا يستمر منبر بنيان
من الكتاب
إلى الواقع
ومن الفكرة
إلى سؤال المستقبل.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم