د. عمرو محمد عباس محجوب + معاونة من الشات جي بي تي
مقدمة: وعي الشتات السوداني في مواجهة آلة التضليل الإقليمي
منذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، وجد السودانيون أنفسهم أمام حربٍ متعددة المستويات؛ داخلية في ساحات القتال، وخارجية في فضاء الإعلام الدولي. ومع اتساع رقعة الدمار وظهور أدلة متزايدة على دعم الإمارات لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال والغطاء السياسي، بدأ وعي جديد يتشكل بين أفراد الشتات السوداني في أوروبا، وأمريكا، وإفريقيا. هذا الوعي لم يكن مجرد غضب وطني، بل تحول إلى مشروع منهجي لفضح الدور الإماراتي في السودان والمنطقة عبر أدوات قانونية وإعلامية وأكاديمية، شكلت في مجموعها أول حملة عربية مستقلة تواجه النفوذ الخليجي على مستوى الرأي العام الدولي.
لعبت جرائم الجنجويد في الفاشر دورا مؤثرا في اتساع الحملة لان حرب دارفور المستمرة منذ ٢٠٠٣ والقرارات الدولية حولها ومعرفة الرأي العام العالمي بانتهاكاتها والأصدقاء الذين دافعوا عنها منذ ذلك التاريخ وايضاً ارتباط الثورة السودانية بقضية دارفور والتفاعل الشعبي معها.
أولًا: السودان كنقطة انطلاق — الحرب، الذهب، والسردية المضادة
شكل السودان بؤرة البداية في فضح الدور الإماراتي، إذ اعتمد النشطاء السودانيون في الخارج على توثيق دقيق لشحنات الأسلحة والطائرات التي كانت تصل إلى قوات الدعم السريع من مطارات في تشاد وأفريقيا الوسطى.
بحسب تحقيق الغارديان (أكتوبر 2024) وتقرير الأمم المتحدة الخاص بلجنة العقوبات على السودان (2024)، تبيّن أن طائرات إماراتية استخدمت ممرات مدنية لنقل معدات عسكرية، وأن شركات واجهة مقرها دبي قامت بتمويل عمليات شراء الذهب الخام من دارفور لتحويل عائداته لتمويل المليشيات.
واجه الإعلام الرسمي السوداني والعربي هذا التوثيق بسياسة الإنكار، لكن الجاليات السودانية في الخارج كانت تمتلك شبكة تواصل مدنية غير مركزية، تضم أكاديميين وصحفيين ومهندسين ومواطنين عاديين، قامت بتجميع الأدلة في شكل مواد مصوّرة وتحقيقات رقمية تم تداولها عبر منصات مثل X وفيسبوك ويوتيوب.
هكذا نشأت سردية مضادة للرواية الإماراتية الرسمية، تعتمد على البيانات لا الشعارات، وعلى توثيق الحقائق في الفضاء العام الغربي.
ثانيًا: آليات الفضح والتوثيق — من السوشيال ميديا إلى المؤسسات الدولية
أدرك السودانيون مبكرًا أن المعركة لا تُكسب في ميادين القتال فقط، بل أيضًا في فضاء الخطاب والمعلومة.
لذلك اتجهوا إلى بناء بنية رقمية توثيقية تتسم بالانضباط المهني، من أبرزها:
- إنشاء صفحات متخصصة على X وتيليغرام ترصد حركة الطائرات المشبوهة القادمة من الإمارات إلى غرب السودان وتشاد.
- استخدام تطبيقات مفتوحة المصدر مثل FlightRadar24 وSatellite Sentinel Project لتتبع الرحلات المدنية المستخدمة في تهريب السلاح.
- إعداد تقارير مصوّرة باللغتين الإنجليزية والفرنسية، موجهة إلى الصحافة الأوروبية ومنظمات حقوق الإنسان.
كما ظهرت مجموعات ضغط مثل Sudanese Democracy Network وNo Blood for Gold، التي نظّمت احتجاجات أمام سفارات الإمارات في لندن وباريس وبرلين، مطالبةً بتحقيق دولي حول دور أبوظبي في تأجيج الحرب.
هذا النشاط أعاد تعريف دور الجاليات السودانية: من جاليات مهاجرة إلى قوى رأي عام عابرة للحدود تمتلك أدوات العصر ومهارات الخطاب الدولي.
وفقًا لتقرير هيومن رايتس ووتش (2024)، ساهمت المعلومات التي قدمها نشطاء سودانيون في الخارج في فتح تحقيقات أولية داخل الاتحاد الأوروبي حول توريد أسلحة إلى مناطق النزاع السودانية من شركات لها صلة بالإمارات.
ثالثًا: اليمن وليبيا — المقارنات التي عزّزت الحجة الأخلاقية
لفت السودانيون أنظار الإعلام الغربي إلى أن ما يجري في السودان ليس استثناءً، بل جزء من نمط متكرر للسياسة الإماراتية في المنطقة.
ففي اليمن، دعمت أبوظبي قوات انفصالية في الجنوب، وشاركت في إنشاء سجون سرية، بحسب تقرير العفو الدولية، 2022، وساهمت في تهريب الذهب والنفط الخام خارج الإطار الحكومي.
وفي ليبيا، دعمت الإمارات الجنرال خليفة حفتر بطائرات بدون طيار وأسلحة نوعية، في انتهاك مباشر لحظر الأمم المتحدة على السلاح، وفق تقرير فريق الخبراء الأممي على ليبيا (2023).
السودانيون استخدموا هذه الأمثلة لتوضيح أن السلوك الإماراتي في السودان ليس “دعمًا إنسانيًا”، بل استمرار لسياسة إقليمية موجهة نحو تفكيك الدول الضعيفة والسيطرة على مواردها عبر وكلاء محليين.
هكذا تحولت المقارنة إلى أداة تحليلية أخلاقية، كشفت للعالم أن التدخل الإماراتي لا يهدف إلى الاستقرار، بل إلى خلق بيئات سياسية واقتصادية تسمح بالنهب والابتزاز.
رابعًا: الصومال وتنزانيا وجنوب السودان — الوجه الإفريقي للنهب والسيطرة
لم يقتصر النشاط التوعوي السوداني على الفضاء العربي، بل امتد إلى إفريقيا شرقًا وجنوبًا.
ففي الصومال، وثّق النشطاء علاقات الإمارات بشركات أمنية متهمة بتدريب مليشيات موازية، كما أشار تقرير الأمم المتحدة عن الصومال (2023) إلى تورط شركات إماراتية في تهريب الفحم والذهب عبر الموانئ الجنوبية.
أما في تنزانيا، فقد لفت السودانيون الانتباه إلى مشروع السيطرة الإماراتية على منطقة Mererani الغنية بمعدن التنزانايت النادر، من خلال شركات تتبع لمجموعة “الظبيان للاستثمار” و”إميرالدم”، وهو ما اعتبره مراقبون شكلًا من أشكال الاستعمار الاقتصادي الجديد، خصوصًا بعد تهجير جماعات الماساي من أراضيها في محمية “نغورونغورو” تحت ذرائع استثمارية (تقرير The East African, يناير 2025).
وفي جنوب السودان، كشفت حملات رقمية سودانية عن تورط شركات نفط إماراتية في شراء خام النفط بأسعار تفضيلية مقابل تمويل صفقات سلاح، وهو ما أشار إليه تقرير Small Arms Survey, 2024.
هذه المقارنات عززت الحجة بأن المشروع الإماراتي يتخطى حدود السياسة، ليصبح نظامًا منسقًا للنهب والسيطرة الاقتصادية على الموارد الإفريقية.
خامسًا: الحراك السوداني العالمي — من الغضب إلى بناء خطاب مضاد للهيمنة
التحركات السودانية لم تبقَ عفوية، بل اتخذت طابعًا منظمًا ومدروسًا.
ففي الولايات المتحدة، تواصلت مجموعات من الأكاديميين السودانيين مع أعضاء من الكونغرس لعرض أدلة على تورط الإمارات في تمويل النزاع، ما دفع بعض النواب لطرح أسئلة رسمية داخل لجنة العلاقات الخارجية في 2024.
وفي بريطانيا، أطلقت الجالية السودانية حملة بعنوان Stop Funding the War in Sudan، جمعت عشرات الآلاف من التواقيع وقدّمتها إلى البرلمان البريطاني، مطالبة بفرض قيود على صادرات الشركات المتعاملة مع الإمارات.
كما ساهم سودانيون في صياغة أوراق بحثية داخل مراكز فكر غربية مثل Chatham House وSOAS، تربط بين السياسات الإماراتية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر من جهة، وملف الأمن الغذائي والطاقة من جهة أخرى.
بذلك لم تعد الحركة مجرد احتجاج أخلاقي، بل تحوّلت إلى خطاب فكري مضاد للهيمنة الخليجية، يعيد تعريف العلاقة بين الشعوب الإفريقية ومراكز الثروة والنفوذ.
سادسًا: استراتيجيات الوعي — الإعلام، القانون، والمخيلة الأخلاقية
اعتمد السودانيون في الخارج على ثلاث استراتيجيات متكاملة:
- الإعلام الموازي:
عبر إنتاج محتوى عالي الجودة بالإنجليزية والفرنسية عن الجرائم الإماراتية في السودان واليمن وليبيا، ما جعل الإعلام الدولي يتعامل معهم كمصادر موثوقة.
مثال ذلك سلسلة الفيديوهات التي نشرتها صفحة Sudanese Witness في 2024، والتي حققت ملايين المشاهدات وأُعيد نشرها في BBC Africa وAl Jazeera English. - المسار القانوني:
تقدمت مجموعات سودانية بدعاوى استشارية إلى محاكم أوروبية بشأن تورط شركات إماراتية في تجارة الذهب غير المشروعة، مستندة إلى قوانين مكافحة غسل الأموال. - المخيلة الأخلاقية:
عمل النشطاء على استدعاء سردية الثورة السودانية (حرية، سلام، وعدالة) لتكون خلفية رمزية لخطابهم، مما أعطاهم مصداقية لدى الجمهور الغربي.
فقد ظهر السودانيون بوصفهم صوت الضحايا الذين يواجهون المال النفطي بنزاهة الثورة المدنية.
خاتمة: الوعي العابر للحدود كسلاح سياسي جديد
نجح السودانيون في الخارج في تحويل الغضب الشعبي إلى أداة سياسية فعالة، استخدموا فيها التقنيات الحديثة والمعرفة القانونية والتحالفات الحقوقية لتعرية أحد أكثر المشاريع الإقليمية تعقيدًا — المشروع الإماراتي القائم على تمويل النزاعات والهيمنة على الموارد. ولم يكن هذا النجاح نتيجة دعم دولي أو تمويل مؤسسي، بل ثمرة وعي شعبي متنامٍ اكتسب من ثورة ديسمبر 2018 روح المقاومة المدنية وأخلاقيات الشفافية.
لقد أدرك السودانيون أن المعركة ضد الحرب لا تُخاض فقط في الخرطوم أو دارفور، بل أيضًا في الفضاء العالمي للخطاب والمعلومات. وبفضل جهودهم، باتت صورة الإمارات في الرأي العام الغربي تتبدّل تدريجيًا: من دولة “حداثة واستقرار” إلى قوة إقليمية تستخدم الثروة لتفكيك الدول وإسكات الشعوب.
وهكذا أثبت السودانيون أن الوعي العابر للحدود يمكن أن يكون السلاح الأكثر فاعلية في مواجهة الاستبداد النفطي، وأن الحقيقة حين تُوثَّق وتُنشر بضمير، تصبح قوة لا تُقهر.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم