كيف نصنع الكراهية، وكيف نصنع السلام؟

هندسة الذاكرة
كيف نصنع الكراهية، وكيف نصنع السلام؟
م. هيثم عثمان إبراهيم

مقدمة: الإنسان كائنٌ يتذكر
قبل أن يكون الإنسان كائناً سياسياً أو اجتماعياً، هو كائنٌ يتذكر. الذاكرة ليست مجرد مستودع للماضي، بل هي النسيج الذي يحيك هويتنا، هي الخيط الذي يربط “أنا” اليوم بـ”أنا” الأمس، ويمنحنا شعوراً بالاستمرارية في وجه الزمن المتدفق. إنها علاقتنا الواعية مع الزمن، وبدونها، نصبح مجرد كائنات لحظية، بلا جذور ولا أفق. لكن هذه القدرة الوجودية العميقة، هذه الهبة التي تمنح حياتنا معنى، هي نفسها التي يمكن أن تتحول إلى أداة لتدمير الإنسان، حين تقع في أيادي من يتقنون “هندسة الذاكرة”.
في أزمنة السلم، قد تكون الذاكرة مساحة للتأمل والحنين، لكن في أتون الصراع، تتحول إلى حقل ألغام، وإلى المادة الخام التي يُصنع منها الخطاب الذي يبرر الكراهية. إن فهم كيفية عمل هذه الهندسة لم يعد ترفاً فكرياً، بل أصبح شرطاً ضرورياً من شروط الوعي، وخطوة أولى نحو الشفاء وبناء مستقبل مختلف.
تحليل متعدد الأبعاد: تشريح صناعة الكراهية
إن صناعة الكراهية عبر الذاكرة ليست فعلاً عشوائياً، بل هي عملية معقدة ذات أبعاد متداخلة، تتطلب تحليلاً يرفض الثنائيات البسيطة ويعترف بالتعقيد.

  1. البعد السياسي: الذاكرة كأداة للسلطة
    تدرك السلطة، خصوصاً السلطة الشمولية، أن السيطرة على المستقبل تبدأ من السيطرة على الماضي. يتم انتقاء أحداث تاريخية معينة وتضخيمها، بينما يتم طمس وتغييب أحداث أخرى. تُبنى سردية رسمية أحادية الجانب، تُدرّس في المدارس وتُكرر في الإعلام، هدفها ليس الحقيقة، بل ترسيخ شرعية السلطة وتصوير خصومها كأعداء أبديين للوطن. في هذه السردية، لا مكان للتنوع أو للروايات الأخرى. الذاكرة هنا لا تعود ملكاً للأفراد، بل تصبح ملكاً للدولة، التي تعيد تشكيلها بما يخدم مصالحها، وتتحول المؤسسات من أدوات للحفاظ على الذاكرة إلى أدوات لتزييفها.
  2. البعد الاجتماعي: الذاكرة كهوية للجماعة
    على المستوى الاجتماعي، تعمل الذاكرة كصمغ يربط أفراد الجماعة ببعضهم البعض. “نحن” نتشارك نفس الآلام ونفس الانتصارات. لكن هذه الهوية التي تبنيها الذاكرة المشتركة، هي نفسها التي ترسم حدود “الآخر”. حين تُبنى هذه الذاكرة على المظلومية فقط، فإنها تخلق هوية هشة ومتوترة، لا تعرّف نفسها إلا من خلال عدائها للآخر. يصبح “الآخر” ليس مجرد مختلف، بل هو مصدر التهديد الذي يجب مواجهته. هنا، يتحول التنوع الطبيعي في المجتمع إلى مشروع انقسام، ويصبح الخطاب السائد هو خطاب “نحن في مواجهتهم”.
  3. البعد النفسي: الفرد في مواجهة السردية
    في النهاية، تصل هذه السرديات المهندَسة إلى الإنسان الفرد. الخوف، القلق، والشعور بالظلم تجعله أكثر قابلية لتبني الخطابات التبسيطية التي تقدم له عدواً واضحاً وتمنحه شعوراً بالانتماء والأمان الزائف. العقل البشري يميل إلى تجنب التعقيد، وهذه السرديات تقدم له راحة اليقين. يصبح التفكير النقدي عبئاً نفسياً، والتشكيك في ذاكرة الجماعة خيانة. هنا تكمن المأساة الحقيقية: أن يصبح الإنسان سجّاناً لنفسه، يدافع عن جدران السجن الذي بُني حول وعيه.
    خطوات عملية: نحو ذاكرة من أجل المستقبل
    إن إدراك هذا التعقيد ليس دعوة لليأس، بل هو دعوة لتحمل المسؤولية. إن الشفاء من أمراض الذاكرة ممكن، لكنه يتطلب حكمة وشجاعة وخطوات عملية واعية:
  • أولاً: الاعتراف بالتعقيد ورفض الاختزال:
    الخطوة الأولى نحو الشفاء هي أن نعترف بأن التاريخ ليس قصة أشرار وأخيار. علينا أن نرفض الخطاب الذي يختزل جماعات بأكملها في تسمية واحدة، وأن نُصر على رؤية الإنسان في “الآخر”. هذا يتطلب مجهوداً عقلياً وأخلاقياً للخروج من راحة الثنائيات القاتلة.
  • ثانياً: بناء ذاكرة وطنية شاملة:
    لا يمكن أن نبني مستقبلاً مشتركاً بذاكرات متناحرة. نحن بحاجة إلى مشروع وطني لـ”إعادة قراءة التاريخ”، مشروع تشارك فيه كل مكونات السودان، لإنتاج سردية وطنية تتسع لكل آلامنا وتجاربنا. سردية تعترف بالتنوع وتحتفي به. هذا دور لا يمكن أن تقوم به إلا مؤسسات دولة محايدة ومستقلة، هدفها الحقيقة لا الولاء.
  • ثالثاً: الموازنة الحكيمة بين العدالة والمصالحة:
    لا يمكن تحقيق شفاء حقيقي للذاكرة دون عدالة ترد الحقوق للضحايا وتعترف بالجرائم المرتكبة. لكن العدالة وحدها قد تتحول إلى انتقام إن لم تكن جزءاً من مسار أوسع للمصالحة. المصالحة ليست نسياناً، بل هي القدرة على تذكر الماضي دون أن نسمح له بتدمير مستقبلنا. إنها قرار واعٍ بكسر دائرة الثأر، وهو قرار يتطلب حكمة سياسية ومجتمعية لا مثيل لها.
  • رابعاً: استعادة الذاكرة الحية للتعايش:
    علينا أن نقاوم النسيان الذي تفرضه سرديات الكراهية. علينا أن نتذكر كيف كانت أحياؤنا قبل الحرب: الحاج الذي كان يفتح بيته لكل عابر سبيل دون أن يسأله عن قبيلته، والأسر التي تصاهرت عبر عقود حتى أصبح من المستحيل فصل أنسابها، والأسواق التي كانت تجمع التاجر الشمالي والغربي والشرقي في علاقات ثقة بُنيت على مدى أجيال. هذا التاريخ المعاش ليس خيالاً، بل هو ما عرفه كل سوداني قبل أن تأتي آلة الحرب لتمزقه. إن استحضار هذه الذاكرة الحية، ذاكرة التعايش اليومي البسيط، هو فعل مقاومة ضد من يريدون إقناعنا بأننا كنا دائماً أعداء.
    خاتمة: مسؤوليتنا الوجودية تجاه الذاكرة
    في نهاية المطاف، إن كيفية تعاملنا مع ذاكرتنا ليست مجرد قضية سياسية أو اجتماعية، بل هي قضية أخلاقية ووجودية في الصميم. إنها سؤال عن نوع الإنسان الذي نريد أن نكون، وعن نوع المستقبل الذي نريد أن نورثه لأبنائنا. هل سنختار أن نكون مجرد ردود أفعال لآلام الماضي، أم سنختار أن نكون فاعلين مسؤولين يصنعون مستقبلاً جديداً؟
    إن بناء ذاكرة من أجل السلام هو أصعب أنواع البناء، لكنه الأكثر ديمومة. إنه يتطلب منا أن نحول الذاكرة من عبء نسحبه خلفنا إلى بوصلة توجهنا نحو الأمام. إنه يتطلب الحكمة لنعرف ما يجب أن نتذكره لنتعلم، وما يجب أن نتجاوزه لنعيش. تلك هي مسؤوليتنا، وذلك هو طريق الشفاء الوحيد.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …