السودان: دولة في الوجدان الجمعي لا على الورق .
كتبت : د. علوية علي حسين
- السودان في وجدان السودانيين
_ظلّ السودان حاضرًا في وجدان السودانيين، وظلّ السوداني يشعر بانتماءٍ عميق لوطنه، حتى في أقسى لحظات الحرب والانكسار. لم ينكسر هذا الشعور رغم الدمار، ولم يضعفه النزوح ولا الفقد ولا طول الأزمات. بقي السودان فكرة جامعة، وإحساسًا مشتركًا بالمصير يتقدّم على كل الانقسامات.
غير أنّ هذا الانتماء العميق للوطن لم يقابله شعور مماثل بالثقة في الدولة، التي كثيرًا ما بدت عاجزة عن حماية المواطنين أو تقديم الخدمات المتوقعة. مما يتطلب التركيز على وظائف الدولة وأدائها، وكيف يمكن أن تُترجم ولاء المواطنين إلى حماية وعدالة وخدمات فعّالة. - ذاكرة الحرب: لماذا لا تُغلق بالصمت؟
ذاكرة الحرب لا تُغلق بالصمت، ولا بالخطابات الرسمية وحدها. فحين يُترك الألم بلا اعتراف، تتحول التجربة إلى خوف دائم، ويصبح العنف احتمالًا متكررًا. إغلاق ذاكرة الحرب لا يعني النسيان، بل يعني الفهم والاعتراف، وبناء وعي جمعي يُجبر على التأكيد أن ما جرى لا يجب أن يتكرر. - وجدان وطني قوي… ودولة ضعيفة
_كشفت الحرب عن مفارقة واضحة: مجتمع متماسك في وجدانه، مقابل دولة ضعيفة في مؤسساتها. لم يكن الخلل في ضعف الانتماء، بل في غياب دولة قادرة على ترجمة هذا الانتماء إلى حماية وعدالة وخدمات.
هنا نشأت الفجوة التاريخية بين وطن يحبه الناس، ودولة لا يشعرون بأنها تمثلهم بشكل كامل. - أزمة الدولة المكتوبة
الأزمة لم تكن في غياب القوانين أو النصوص، بل في أن الدولة كُتبت أكثر مما عُملت. دساتير بلا عقد اجتماعي حقيقي، مؤسسات بلا فاعلية، وسلطات بلا مساءلة.
بقيت الدولة حاضرة على الورق، وغائبة في حياة المواطنين، وهو ما ساهم في تراكم الأزمات وإطالة فترة الحرب. - من دولة مكتوبة إلى دولة مؤسسية فاعلة الأداء
ما يحتاجه السودان بعد الحرب ليس مزيدًا من النصوص، بل بناء دولة مؤسسية فاعلة الأداء. دولة تُقاس بقدرتها على التنفيذ، لا بكثرة النصوص. المؤسسية تعني وضوح الصلاحيات، واستمرارية السياسات، وربط القرار بالمسؤولية بالنتائج الملموسة على أرض الواقع. - الجهاز التنفيذي: قلب الدولة الغائب
_في صميم أزمة الدولة يقف الجهاز التنفيذي.
فالدولة لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بجهاز مهني كفء قادر على تنفيذ السياسات العامة، وإدارة الموارد، وتقديم الخدمات بعدالة.
غياب هذا الجهاز أو ضعف أدائه أضعف قدرة الدولة على الفعل، وأثر في ثقة المواطن بمؤسساتها، - المؤسسات وبناء الثقة مع المواطن
الثقة بين المواطن والدولة لا تُبنى بالخطاب، بل بالأداء اليومي. حين تعمل المؤسسات بانتظام، ويُطبَّق القانون على الجميع، وتُقدَّم الخدمات بكرامة، تبدأ الثقة بالتكوّن من جديد. ومن دون هذه الثقة، تظل الدولة شكلًا بلا مضمون، مهما حسنت النوايا . اخلص الى : لم يفشل السودان كوجدان، بل تعثّر كدولة مؤسسية.
إغلاق ذاكرة الحرب لن يتحقق إلا حين يرى السوداني دولته تعمل من أجله، وتحميه، وتعكس ما يؤمن به من عدالة وكرامة.
عندها فقط، يمكن أن يتحول السودان من دولة في الوجدان الجمعي… إلى دولة حقيقية على الأرض.
dr.alawia.ali.21@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم