يُعدّ الفريق أول ركن شمس الدين كباشي من أكثر الشخصيات العسكرية السودانية إثارةً للجدل والانقسام في نظر الشارع السوداني، خصوصًا في ظل الحرب المستمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع. الآراء تجاهه متباينة بشدة بحسب الخلفية السياسية والموقف من الحرب. فيما يلي أبرز وجهات النظر المطروحة.
- مؤيدو الجيش والموقف الرسمي
بالنسبة لقطاع من مناصري القوات المسلحة، يُنظر إلى كباشي كأحد أبرز القادة الميدانيين الذين ظهروا في الأيام الأولى للحرب، حين ظهر في مقطع فيديو متداول أثناء إدارة المعارك مع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في اندلاع المواجهات بالخرطوم في أبريل 2023. هذه الفئة ترى فيه رمزًا للصمود العسكري ورجل الدولة الذي وقف إلى جانب البرهان في اللحظات الحرجة، وقد تدرّج إلى مواقع متقدمة في هرم القيادة، حيث عُيّن أخيرًا مساعدًا للبرهان لشؤون البناء والتخطيط الاستراتيجي بعد إلغاء منصب نائب القائد العام.
- القوى المدنية وتحالف “الحرية والتغيير”
على الطرف الآخر، تنظر قوى مدنية عديدة إلى كباشي بعين الريبة والانتقاد الحاد. فحين وقّع اتفاقًا مبدئيًا مع قائد قوات الدعم السريع الثاني عبد الرحيم دقلو في المنامة، ثم وجّه لاحقًا انتقادات لاذعة لتحالف “قحت” واصفًا أنصاره بأوصاف قاسية أثناء خطابه لجنود إحدى الفرق العسكرية، أثار ذلك دهشة القوى المدنية وموجة انتقادات واسعة. هذه الفئة ترى في تصريحاته المتقلبة دليلًا على غياب رؤية سياسية واضحة، وتتهمه بتقويض أي مسار تفاوضي حقيقي لإنهاء الحرب.
- التيار الإسلاموي وأنصار استمرار الحرب
من زاوية أخرى مختلفة تمامًا، تعرّض كباشي لحملة عنيفة من التيار الإسلاموي وداعمي استمرار الحرب، الذين اعتبروا تقاربه مع قيادات الدعم السريع خيانة أو تنازلاً غير مقبول. هذا التيار يفضّل حسم الحرب عسكريًا ويرى في أي حديث عن تسوية أو مفاوضات مع “الدعم السريع” تهديدًا لمكتسبات الجيش.
- موقفه من علمانية الدولة والجدل حول خلفيته الأيديولوجية
من أكثر المحطات التي كشفت توجهات كباشي الفكرية، تصريحاته في أغسطس 2020، حين كان عضوًا في المجلس السيادي الانتقالي، برفضه الصريح لـ”علمانية الدولة”. جاء ذلك اعتراضًا على اتفاق المبادئ الذي وقّعه رئيس الوزراء آنذاك عبد الله حمدوك مع رئيس الحركة الشعبية شمال، عبد العزيز الحلو، والذي كان ينص على علمانية الدولة كأساس لحل قضايا جنوب كردفان والنيل الأزرق.
لم يكتفِ كباشي برفض المضمون، بل شكّك في شرعية القرار نفسه: قال إن حمدوك، وكذلك رئيس مجلس السيادة البرهان، ورئيس الحركة الشعبية الحلو، لا يملك أيٌّ منهم منفردًا الحق في حسم قضية بحجم علمانية الدولة، واعتبر توقيع حمدوك على الاتفاق “خروجًا على مؤسسات الدولة”. أي أن اعتراضه كان له بُعدان: بُعد عقائدي (رفض مبدأ العلمانية ذاته) وبُعد إجرائي (الاعتراض على من يملك حق البتّ في قضية بهذا الحجم).
هذا الموقف لم يُقرأ بمعزل عن خلفية كباشي؛ إذ تصفه بعض التحليلات بأنه “الرجل الأول للإسلاميين داخل الجيش”، أي الشخصية العسكرية الأقرب لتيار الحركة الإسلامية وبقايا نظام البشير داخل المؤسسة العسكرية. من هذا المنطلق، فسّر كثيرون رفضه للعلمانية باعتباره امتدادًا لموقف الإسلاميين التاريخي الرافض لأي صياغة علمانية للدولة السودانية، وليس مجرد رأي شخصي عابر.
وقد انقسمت ردود الفعل حينها بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي في السودان:
- القوى المدنية والعلمانية رأت في الموقف تدخلاً من العسكر في قضية يُفترض أن تُحسم عبر مسار سياسي تفاوضي أو دستوري، وتأكيدًا على أن جزءًا من قيادة الجيش لا يزال متماهيًا مع أجندة الحركة الإسلامية.
- **الحركة الشعبية شمال والقوى الإقليمية في كردفان والنيل الأزرق اعتبرته تعطيلًا لمسار سلام كان يمكن أن يعالج جذور النزاع في تلك المناطق.
- التيار المحافظ والإسلامي رحّب بالموقف باعتباره دفاعًا عن “الهوية الإسلامية” للدولة السودانية ورفضًا لما اعتُبر تفريطًا من حمدوك.
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تراجع الحديث عن قضية العلمانية في خطاب كباشي العلني، وتحوّل تركيزه إلى الملفات العسكرية والميدانية (قيادة المعارك، ملفات عودة النازحين، إعادة الإعمار). لكن الخلفية الأيديولوجية التي كشفتها تلك التصريحات لا تزال حاضرة في الجدل حول موقعه داخل الجيش، خصوصًا مع استمرار الحديث عن “تجاذبات” و”صراع نفوذ” بين تيارات مختلفة داخل القيادة العسكرية العليا.
- المواطن العادي المنهك من الحرب
أما شريحة واسعة من السودانيين العاديين، الغارقين في تبعات الحرب من نزوح وانهيار اقتصادي وانقطاع كهرباء وخدمات، فينظرون إلى كباشي وغيره من القادة العسكريين والمدنيين بعين أقل اهتمامًا بالتفاصيل السياسية، وأكثر تركيزًا على سؤال واحد: من يستطيع أن يوقف الحرب فعليًا؟ بالنسبة لهذه الفئة، التقارير المتضاربة حول ترقيته أو إحالته للتقاعد، والشائعات التي انتشرت ثم نُفيت حول تعيينه قائدًا عامًا، تعكس حالة من الغموض وعدم الثقة العامة في مؤسسات الدولة ومصادر الأخبار على حد سواء.
خلاصة
لا توجد صورة واحدة لشمس الدين كباشي في الوجدان السوداني؛ فهو بالنسبة للبعض رمز عسكري وطني، وبالنسبة لآخرين شخصية انتهازية أو متقلبة المواقف، وبالنسبة لفريق ثالث ممثل لتيار إسلاموي محافظ يسعى لفرض رؤيته على شكل الدولة، وبالنسبة لفريق رابع مجرد لاعب في صراع نفوذ داخل مؤسسة الجيش لا يمس حياتهم اليومية المباشرة. هذا الانقسام في حد ذاته يعكس حالة الاستقطاب العميق التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب عام 2023.
د.عوض النقر بابكر محمد
