الريح عبد القادر
نشر الأستاذ هشام عباس مقطع فيديو تتعرض فيه فتاةٌ صغيرة لإساءات جسدية ولفظية على يد طفلين لكن تحت حماية والدهما وتشجيعه. المنظر صادم وغريب ولا يمكن أن يعبّر عن أي شعب على ظهر الأرض. وبعد أن علق الأستاذ هشام بإننا قد “أصبحنا حيوانات متوحشة”، وضع أمامنا خيارين لا ثالث لهما: إما أن “نمرق من البلد دي” وإما أن نبقى فنتّسخ كما اتّسخ الذين بقوا فيها!
شاهد الأستاذ هشام الفيديو فاقشعرّ بدنه مما رأى.
وبدل أن يصدر حكمه على الحرب، ومن أشعلوها، ومن يعملون بأيديهم وبأفواههم على استدامتها، شمل حكمه الجائر الملايين ممن تألموا مثله للمنظر البشع، بمن فيهم ضحايا الحرب الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً.
ليست البيوت المنهوبة ولا الممتلكات المفقودة هي أشد ويلات الحرب، وإنما أشد ويلاتها ذلك الشرخ الذي يمكن أن يصيب صورة السودانيين عن أنفسهم. فقد تحول الحديث في كثير من المجالس ووسائل التواصل من إدانة القتلة والمنتهكين واللصوص إلى إدانة المجتمع بأكمله، حتى أصبح جلد الذات رصاصاً ينطلق ليدمر أهم ما فينا: ضميرنا.
لا شك أن مشاهد النهب والسطو، في ظل النزوح الجماعي غير المسبوق، كانت صادمة للغاية. لكن السؤال المهم هو: هل تكشف هذه الجرائم حقيقة المجتمع السوداني، أم تكشف طبيعة الحروب؟
يختار التاريخ وواقع الحال الإجابة الثانية. فالحرب ليست ظرفاً عادياً يمكن أن تقاس خلاله أخلاق الشعوب. إنها لحظة ينهار فيها القانون، وتضعف الدولة، وتختفي الرقابة، فتخرج من بعض البشر أسوأ غرائزهم. وقد رأينا صوراً من ذلك في حروب كثيرة، وفي بلدان كبرى، في الماضي القريب. ولم يقل أحد آنذاك إن تلك المجتمعات قد فقدت أخلاقها إلى الأبد. فالعار لا يحمله إلا فاعلوه!
وفي المقابل، فإن الحرب نفسها تخرج من أناس آخرين أسمى معاني الشهامة والرحمة والتضامن.
هؤلاء أكثر عدداً، ولكن معظمهم أقل لفتاً للانتباه.
وهكذا غاب، في غبار الحرب الكثيف، الوجه الأكرم والأنبل للإنسان السوداني.
ففي الوقت الذي كان فيه بعض الناس ينهبون البيوت، كان هناك آخرون يفتحون أبواب بيوتهم للنازحين القادمين بلا موعد ولا استئذان. وكان ملايين السودانيين في المهجر يستنزفون مدخراتهم ليس فقط لإعالة الأقربين من أهلهم، بل أيضاً لمساعدة جيرانهم وأصدقائهم ومعارفهم ومن لا يعرفون. وصارت تحويلاتهم المالية شريان الحياة لملايين النازحين واللاجئين. ليس فقط من خلال التكفل بإيجارات السكن، والعلاج، ومصاريف الدراسة، ونفقات المعيشة، بل أيضاً عبر تمويل آلاف التكايا والمطابخ الخيرية في المدن والقرى.
وفي القاهرة وجوبا وكمبالا ونيروبي وكيغالي، وغيرها من المدن الجوار السوداني، عاش ملايين السودانيين وهم يعتمدون اعتماداً شبه كامل على ما يرسله إليهم أقاربهم في الخارج. وكثير من هؤلاء المغتربين والمهاجرين لم يكونوا من أصحاب الثراء، بل كانوا ينفقون من مدخرات عملوا من أجلها لسنوات طويلة. وربما أنفق بعضهم كل ما يملك من نقود، وربما استدان، وباع ما لديه من أصول، لأن صاحب الضمير الحي لا يرضى أن يترك أهله وأقاربه وأصدقاءه ومعارفه يتضورون جوعاً.
ولقد تردد في القاهرة وكمبالا ونيروبي وكيغالي سؤال واحد موجه إلى جموع اللاجئين السودانيين: من أين تأتيكم هذه الأموال التي تنفقونها وأنتم بلا عمل أيها السودانيون؟
ولم يتردد هذا السؤال في جوبا. فجوبا الحبيبة كانت تعرف الجواب.
إذاً، فأي الصورتين تعبر عن السودان؟ صورة اللصوص الذين استغلوا لحظات النزوح الجماعي، أم صورة الذين أطعموا الجائعين وآووا المشردين؟
الجواب المنصف هو أن كلتا الصورتين جزء من واقع فرضته الحرب، لكن لا يجوز أن نجعل الصورة القاتمة هي عنوان المجتمع كله. فذلك ظلمٌ وظلمات.
ولئن كان ضعاف النفوس أقلية ينبغي أن تُحاسب، فإن موجة التكافل الواسعة تستحق الاحتفاء بها، لأنها تعبر عن قيم ملايين السودانيين الذين اختاروا التضحية على الأنانية.
ولا بد من الكف عن جلد الذات. فما حدث لا يثبت أن السودانيين أقل أمانة من غيرهم، وإنما يثبت أن الحروب تطلق العنان لأسوأ ما في بعض البشر، كما تطلق أفضل ما في آخرين، في كل مكان وكل زمان.
كما يجب الكف عن المقارنة مع الحالات في البلدان أخرى، والقول إن إخوتنا في تلك البلدان لم يفعلوا ما فعلناه حين داهمتهم الحرب. فلكل حرب ظروفها المختلفة التي تؤدي إلى نتائج مغايرة. فالنزوح الجماعي السريع في الحالة السودانية لا مثيل له. فقد هجر الناس بيوتهم وكانت الشوارع خالية تماماً من الأطراف المتقاتلة، وآمنة تماماً للصوص والانتهازيين. ولم يكن الوضع كذلك في البلدان الأخرى، حيث كانت النيران وانتشار المسلحين من الكثافة بحيث لا تفكير إلا بالنجاة.
ولعل آلاف المطابخ الخيرية، والتحويلات التي لا يرجح أنها بلغت مليارات الدولارات، ومبادرات الإيواء والتكافل التي أنقذت الأرواح، أصدق في التعبير عن السودان من صور النهب التي بقيت في الذاكرة، ومن ممارسات البغي والتنكيل التي ارتكبتها الأطراف المتقاتلة.
يتعين علينا أن نعمل جميعاً حتى لا يقع أخطر ما يمكن أن تفعله الحرب: أن يقتنع ضحايا الحرب ومن يرفضونها بأنهم فقدوا قيمهم وضميرهم! فإن صدّق السودانيون ذلك عن أنفسهم، تكون الحرب قد أصابتهم جميعاً في مقتل.
لا تُقاس الأمم بضعاف النفوس الذين يخونون قيم الآباء والأجداد حين يختفي الرقيب والحسيب ويموت الضمير، وإنما تقاس بأصحاب القلوب الكبيرة الذين يحملون تلك القيم على أكتافهم ويعبرون بها في الظلام الحالك والتضاريس القاسية.
elrayahabdelgadir@gmail.com
