زهير عثمان
السودان الذي ظل يتحدث، لعقود، عن الوحدة الوطنية، يجد نفسه اليوم أمام سؤال كان يبدو حتى وقت قريب بعيدًا عن النقاش العام- هل لا يزال بإمكان السودانيين أن يعيشوا معًا؟ ليس هذا السؤال من صنع مشروع (البحر والنهر) وحده، لكنه أصبح أحد التعبيرات الواضحة عن الأزمة التي وصل إليها السودان. لذلك فإن التعامل معه باعتباره مجرد دعوة انفصالية ضعيفة، ثم السخرية من أصحابه، لن يساعدنا كثيرًا في فهم الظاهرة
المفارقة الأساسية هي أن ضعف الفكرة لا يعني بالضرورة ضعف الظاهرة التي أنتجتها , فمشروع (البحر والنهر) لا يقدم، في صورته المتداولة، تصورًا متماسكًا للدولة من حيث المؤسسات والاقتصاد والمواطنة وتوزيع السلطة والثروة. لكنه، رغم ذلك، يجد طريقه إلى النقاش العام ويستقطب بعض المتعاطفين معه، خصوصًا في فضاء التواصل الاجتماعي
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس – هل المشروع قوي؟ , بل: لماذا يجد مشروع بهذه الهشاشة الفكرية آذانًا صاغية في السودان الآن؟
خريطة بدل الدولة
في جوهره، يقوم «البحر والنهر» على إعادة تخيل السودان من خلال خريطة جغرافية جديدة. لكن الخريطة ليست دولة.
يمكن أن ترسم حدودًا جديدة، وتحدد مناطق نفوذ وموارد، لكنك بذلك لا تكون قد أجبت عن الأسئلة التي صنعت أصل الأزمة السودانية- من يحكم؟ كيف توزع السلطة؟ كيف تدار الموارد؟ ما شكل المؤسسات؟ وما حقوق المواطنين؟
والأهم- ماذا سيكون مصير المكونات والمناطق التي لا تنسجم مع الخريطة الجديدة؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الجغرافيا
وهنا تكمن إحدى نقاط ضعف المشروع: أنه يتعامل مع الجغرافيا وكأنها تستطيع أن تقوم مقام السياسة , لكن أزمة السودان لم تكن يومًا مجرد مشكلة حدود، وإنما مشكلة دولة
حين تتراجع الدولة تعود الجماعة
الحرب منذ أبريل 2023 لم تدمر المدن والبنية التحتية فقط؛ لقد ضربت أيضًا فكرة أساسية في الدولة الحديثة: أن المواطن يستطيع الاعتماد على الدولة في أمنه وحمايته ومستقبله , عندما تتراجع الدولة، يبحث الإنسان عن بديل. وقد يكون هذا البديل الأسرة أو المنطقة أو القبيلة أو الجماعة السياسية أو القوة المسلحة التي يستطيع الاحتماء بها
وهكذا تعود الانتماءات المحلية والجهوية والقبلية إلى الواجهة، لا بالضرورة لأن الناس اكتشفوا فجأة أن القبيلة أهم من الوطن، وإنما لأن الوطن نفسه لم يعد قادرًا على أداء وظيفته الأساسية بالنسبة إليهم
وهذه نقطة مهمة: عودة الانتماءات الأولية قد تكون في بعض الحالات نتيجة لانهيار الدولة، وليست دائمًا سببًا له
عندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد توفر الأمن والعدالة والحماية، يصبح سؤاله بسيطًا وقاسيًا: من سيحميني؟
وفي ظروف الحرب، قد تكون الإجابة أقرب إليه من الدولة نفسها- جماعته , من هنا يجد «البحر والنهر» بيئته
في هذا المناخ يصبح من السهل أن تتحول فكرة جغرافية إلى فكرة خلاص , لا تحتاج الفكرة إلى أن تكون مشروع دولة مكتملًا يكفي أن تقول للناس إن المشكلة في هؤلاء، وإن الحل هو أن نعيش بعيدًا عنهم
هذه ليست بالضرورة لغة سياسية متماسكة؛ إنها في جانب منها لغة خوف وغضب- الخوف من المستقبل، والغضب من الحرب، ومن الدولة التي فشلت في حماية مواطنيها، ومن الإحساس بأن السودان الذي عرفناه لم يعد قادرًا على جمع أبنائه تحت فكرة واحدة
لذلك فإن انتشار (البحر والنهر) لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره دليلًا على قوة المشروع، بقدر ما ينبغي أن يُقرأ باعتباره علامة على عمق الأزمة التي يعيشها المشروع الوطني السوداني نفسه
لكن علينا، في الوقت ذاته، ألا نصنع إجماعًا وهميًا, و لا يمكن القول إن قبائل الوسط والشمال والشرق كلها تؤيد المشروع. هذا تعميم غير دقيق.
هناك أصوات ودوائر اجتماعية وسياسية متعاطفة معه، وهناك من يرى فيه مخرجًا من الحرب، وهناك من يستخدمه احتجاجًا على مسار الدولة السودانية. لكن ذلك لا يعني أنه يمثل منطقة بأكملها أو قبائل بأكملها , كما أن وسائل التواصل الاجتماعي تضخم الأصوات، وقد تمنح مجموعة محدودة حجم تيار اجتماعي واسع, ولكن الخطأ المقابل هو تجاهل الظاهرة لمجرد أنها لا تمثل إجماعًا. فالظواهر السياسية لا تبدأ دائمًا من الأغلبية؛ أحيانًا تبدأ من هامش صغير ثم تكبر عندما تجد البيئة المناسبة
هل تقسيم السودان يحل أزمة السودان؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب , وإذا كان السودان قد فشل في بناء دولة عادلة وجامعة، فهل يكون الحل في تقسيمه؟
يحتاج أنصار «البحر والنهر» إلى الإجابة عن سؤال بسيط- ما الذي سيمنع الدولة الجديدة من إنتاج مشكلات الدولة القديمة؟
هل ستختفي صراعات السلطة بمجرد تغيير الخريطة؟ هل ستختفي المركزية؟ هل ستنتهي مشكلة توزيع الموارد؟ وهل ستتحول المجتمعات المختلفة داخل الكيان الجديد تلقائيًا إلى مجتمع متجانس بمجرد رسم حدود جديدة؟
لا توجد مثل هذه الضمانة
فالانقسام قد يغير الحدود، لكنه لا يغير بالضرورة الثقافة السياسية التي أنتجت الأزمة, وإذا كان أصل المشكلة هو احتكار السلطة وضعف المؤسسات وغياب المواطنة المتساوية، فإن نقل المشكلة إلى مساحة أصغر لن يجعلها تختفي.
لكن أنصار الوحدة مطالبون بالإجابة أيضًا , وهنا يجب ألا يتحول نقد (البحر والنهر) إلى دفاع تلقائي عن السودان القديم.
فالذين يقولون -لا لتقسيم السودان- مطالبون هم أيضًا بالإجابة- أي سودان يريدون؟, ليس كافيًا أن نقول إن السودان واحد
الوحدة الجغرافية وحدها لا تبني وطنًا، والخريطة الموجودة على الورق لا تكفي لكي يشعر المواطن بأنه جزء من دولة تحميه وتحترمه وتعترف بحقه في السلطة والثروة والكرامة , وإذا كان السودان الواحد قد فشل في أن يكون دولة جامعة، فإن الدفاع عن وحدته لا يمكن أن يكون دفاعًا عن الماضي كما كان , ونحن لا نحتاج فقط إلى الحفاظ على السودان كخريطة؛ نحتاج إلى إعادة بناء السودان كفكرة سياسية- دولة لا تقوم على قبيلة أو جهة أو جيش أو ميليشيا، ولا على مركز يحتكر كل شيء، وإنما على مواطنة متساوية يشعر فيها السوداني أن الدولة وطنه قبل أن تكون مؤسسته أو منطقته أو جماعته.
الانفصال لغة غضب و لهذا فإن مشكلة «البحر والنهر» ليست فقط أنه مشروع انفصالي؛ مشكلته الأعمق أنه يقدم الجغرافيا باعتبارها حلًا لمشكلة سياسية , والغضب مفهوم، والخوف مفهوم، والرغبة في البحث عن مخرج من هذا الجحيم مفهومة. لكن الغضب لا يكفي لبناء دولة , يمكن للغضب أن يهدم دولة، لكنه لا يستطيع وحده أن يبني دولة أفضل , ولهذا لا ينبغي أن تكون الإجابة السخرية من أصحاب الفكرة أو تخوينهم أو تجاهلهم، بل أخذ الظاهرة بجدية؛ لا لأن مشروعها متماسك، وإنما لأن الأسباب التي جعلت بعض السودانيين يستمعون إليها أسباب حقيقية: الحرب، وانهيار الثقة، وتآكل معنى الدولة، والشعور بأن السودان الواحد لم يعد يسع الجميع
إذا كان (البحر والنهر) هو جواب بعض السودانيين عن سؤال: كيف ننجو من السودان الذي صنعناه؟
فالسؤال الأصعب ليس ماذا يريد الانفصاليون، وإنما: ماذا يقدم أنصار السودان الواحد؟ , هل يملكون مشروع دولة يعيد بناء الثقة بالمواطنة، أم يريدون فقط الإبقاء على الخريطة كما هي؟ , فالسودان لن ينقذ من الانقسام بمجرد الدفاع عن حدوده، ولن ينقذ أيضًا بمجرد رسم حدود جديدة , ما نحتاجه ليس فقط أن نقرر أين تنتهي الخريطة، وإنما أن نقرر أي دولة نريد أن نبني داخلها
فالمشكلة في النهاية ليست أن السودان كبير أكثر مما ينبغي، وإنما أن الدولة التي عاشت فوق هذه الأرض لم تكن كبيرة بما يكفي لتتسع لكل السودانيين.
zuhair.osman@aol.com
