لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان:(الجزء الثالث)

لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان: تحليل نقدي مع توصيات لتطوير عمل اللجنة (الجزء الثالث)

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

رابعًا: إجراءات قضائية وتحقيقية متخصصة للتعامل مع الأجهزة النظامية

التعامل مع قضايا تمكين الأجهزة النظامية يتطلب آليات قضائية وتحقيقية متخصصة تراعي تعقيد الروابط بين المؤسسة العسكرية والدولة، وتشمل:

  1. فتح ملفات تحقيق خاصة تشمل القادة والضباط الذين يُشتبه في ارتكابهم أو تورطهم في استغلال النفوذ لمصالح شخصية أو تمكين اقتصادي غير مشروع، مع ضمان الحماية القانونية للمشتبه فيهم وحقوقهم في التقاضي العادل.
  2. إحالة القضايا إلى دوائر قضائية مختصة أو نيابات متخصصة في الجرائم الاقتصادية المرتبطة بالأجهزة النظامية، بحيث يكون لدى القاضي خبرة في التعامل مع الملفات متعددة الأبعاد.
  3. توفير برامج تدريب متقدم للقضاة والمدعين العامين على قضايا الفساد داخل المؤسسات العسكرية، التلاعب المالي، وغسيل الأموال الدولي، لضمان فهم المحاكم لخصوصية هذه القضايا وطرق إثباتها.
  4. تبني معايير الأدلة الرقمية والتحليل المالي كأساس في الدعاوى القضائية المتصلة بالأجهزة النظامية، نظرًا لأن الأدلة التقليدية قد تكون غير كافية في تحديد شبكة التمكين المترابطة.

وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن قوات الدعم السريع استخدمت اعتقالات غير قانونية واحتجازات بحق مدنيين بين سبتمبر 2020 وفبراير 2021، ما يعكس ضرورة وجود ملفات متخصصة تعامل مع ارتكابات مماثلة باعتبارها جزءًا من سياق الفساد والانتهاكات (Human Rights Watch، 2021).

خامسًا: معالجة التحديات القانونية والسياسية المتعلقة بالأجهزة النظامية

إدراج الأجهزة النظامية ضمن اختصاص اللجنة يتطلب معالجة التحديات التالية:

  1. الصلاحيات القانونية المتعارضة:

القوات المسلحة وقوات الدعم السريع قد تملك قوانين داخلية تحصن ضباطها من التحقيق الجنائي المدني، ما يستدعي وضع نصوص قانونية واضحة تلزم الأجهزة العسكرية بتقديم أفرادها للتحقيق دون مقاومة قانونية.

  1. الاستقلال المؤسسي:

ضمان استقلال اللجنة عن التجاذبات السياسية بين المؤسسات العسكرية والمدنية، بحيث تكون قراراتها مبنية على أدلة قانونية سليمة وليس على ضغوط سياسية.

  1. التعاون الدولي:

تطوير اتفاقيات تعاون قضائي مع الدول الأخرى لتتبع الأموال المحولة إلى الخارج عبر شبكات مرتبطة بالقوات النظامية، بما يضمن استرداد الأصول المتفرقة عالميًا.

  1. القبول المجتمعي:

التعامل بحذر مع قضايا تشمل جهازًا مثل الجيش، باعتبار تأثيرها على الأمن القومي والتماسك المجتمعي، مع ضمان الاتصال المجتمعي لشرح أسباب ومبررات كل قرار لضمان قبول شعبي.

ويسهم هذا النظام القانوني والسياسي المتوازن في تجاوز إشكالات التداخل بين الصلاحيات المدنية والعسكرية، ما يضمن أن تكون مساءلة الأجهزة النظامية جزءًا لا يتجزأ من جهود العدالة الانتقالية في السودان.

سادسًا: مؤشرات أداء وتقييم مستقبلي لعمل اللجنة في الأجهزة النظامية

لتقييم مدى فاعلية عمل اللجنة في متابعة الأجهزة النظامية، يجب وضع مؤشرات أداء واضحة تشمل:

  1. عدد القضايا المفتوحة ضد قادة وضباط القوات المسلحة وقوات الدعم السريع والأجهزة الأمنية خلال فترة زمنية محددة (سنويًا).
  2. قيمة الأصول والأموال المستردة من الأجهزة النظامية والمعترف بها قضائيًا في تقارير رسمية، مع تقسيمها حسب نوع الأصل (مالي، عقاري، شركات).
  3. نسبة القضايا التي وصلت إلى مرحلة الحكم النهائي في المحاكم المختصة مقابل عدد القضايا المفتوحة، لقياس فعالية الإجراءات القضائية والتحقيقية.
  4. مدة معالجة القضية من لحظة فتح الملف وحتى صدور حكم نهائي، ما يعكس كفاءة النظام القضائي والتعاوني بين اللجنة والأجهزة المختصة.
  5. درجة التعاون المؤسسي الرسمية بين اللجنة والأجهزة النظامية وفق استبيان تقييم دوري يشمل آليات تبادل المعلومات وتنفيذ القرارات.

تطبيق مثل هذه المؤشرات يتيح تحليلًا موضوعيًا لتقدم اللجنة في استهداف الشبكات المالية والتمكينية داخل الأجهزة النظامية، ويعزز قابلية اتخاذ التدابير التصحيحية سريعًا عند الحاجة.

تطوير آليات التنفيذ والتنسيق والمتابعة والتقييم والمراجعة والاستئناف في عمل لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة

يمثل تطوير آليات التنفيذ والتنسيق والمتابعة والتقييم والمراجعة والاستئناف دعامة أساسية لتعزيز قدرة لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال العامة في السودان على تنفيذ قراراتها في كل أنحاء البلاد دون مماطلة أو تسويف أو تعطيل، لا سيما في تعاملها مع الأجهزة النظامية ذات النفوذ الكبير مثل القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات العامة والشرطة والنيابة العامة والصُحف القضائية، وذلك من خلال إنشاء أطر مؤسسية وقانونية وإجرائية متكاملة تضمن الالتزام الكامل والتطبيق الفوري، مع آليات مراقبة وتقييم محكمة ومؤشرات أداء واضحة، إضافة إلى نظم مراجعة واستئناف عادلة وفعالة، وآليات تنسيق عملية مع كل من وزارة المالية لإدارة الأموال والأصول العامة المستردة، وديوان المراجع العام ومفوضية مكافحة الفساد لتبادل الملفات والمعلومات وتنسيق الأعمال، والجهاز القضائي والنيابة العامة لمتابعة تقديم المتهمين للمحاكمة.

أولاً: تطوير آليات التنفيذ الفعلي والمُلزم

١. إنشاء وحدة تنفيذ وطنية مشتركة

إنشاء وحدة تنفيذ وطنية مشتركة تتبع مباشرة للجنة تُعنى بمتابعة تنفيذ القرارات على مستوى ولايات السودان كافة، من خلال هيكل تنظيمي يضم ممثلين قانونيين وإداريين وتقنيين من:

اللجنة المركزية في الخرطوم

النيابة العامة

الشرطة

وزارة العدل

وزارة المالية

ديوان المراجع العام

مفوضية مكافحة الفساد

الجهات الأمنية المعنية

ممثلين عن المؤسسات المجتمعية والمدنية

تتولى هذه الوحدة:

إصدار أوامر تنفيذ رسمية ملزمة تُرسل إلى الجهات التنفيذية خلال ثلاثة أيام عمل من تاريخ صدور القرار.

متابعة التنفيذ الفعلي وتقارير الحالة اليومية والأسبوعية.

إعداد خرائط تنفيذية توضح مواقع التنفيذ في الولايات والمدن والقرى بهدف تقديم صورة دقيقة عن مستوى الامتثال في كل منطقة.

تنسيق مباشر مع وزارة المالية لإدارة الأموال والأصول المستردة، بما في ذلك تحويل المبالغ والممتلكات التي تمت مصادرتها، وإعداد سجلات دقيقة للقيمة السوقية لكل أصل.

تنسيق دوري مع ديوان المراجع العام ومفوضية مكافحة الفساد لتبادل الملفات والمعلومات وإصدار تقارير مشتركة عن سير التحقيقات والمتابعة المالية والقضائية.

متابعة النيابة العامة والجهاز القضائي لضمان تقديم المتهمين للمحاكمة وفق القانون، وتحديد مواعيد جلسات محكمة منتظمة، وتقديم التسهيلات القانونية اللازمة لإتمام المحاكمة دون تأخير.

٢. أوامر تنفيذ فوري

يجب أن تصدر اللجنة أوامر تنفيذ فوري لكل قرار يتضمن استرداد أموال أو فرض حجز أو منع سفر أو سحب أصول، وتكون هذه الأوامر مرقمة ومؤرخة تحدد فيها:

اسم القرار ورقمه

تاريخ ووقت صدور الأمر

الجهات والهيئات المنفذة

المدة الزمنية للإلزام بالتطبيق (مثلاً أربع وعشرون ساعة أو ثلاثة أيام عمل حسب نوع التنفيذ)

الجهات القضائية المختصة بمتابعة التنفيذ

وتُرفع أوامر التنفيذ الفوري إلى:

الشرطة السودانية لتنفيذ الحجز والأوامر الميدانية

الأجهزة الأمنية المختصة

النيابة العامة لمتابعة الإجراءات الجنائية المتزامنة

وزارة المالية لحجز وإدارة الأصول المستردة

ديوان المراجع العام لمراجعة الإجراءات المالية وتدقيقها

مفوضية مكافحة الفساد لمتابعة الانتهاكات المحتملة وتقديم الدعم القانوني والتنسيقي

٣. منظومة تنفيذ وطنية موحدة

إنشاء منظومة تنفيذ وطنية موحدة تربط اللجنة بكل الأجهزة ذات الصلة عبر نظام إبلاغ إلكتروني مؤمن، يتضمن:

قاعدة بيانات تنفيذ الأوامر تُحدَّث آليًا

إشعار تلقائي للجهات المكلفة بالتنفيذ عند صدور أي أمر

تقارير تنفيذ لحظية تُرفع للجنة تلقائيًا

مؤشرات أداء تنفيذية تُظهر نسبة التنفيذ، أوقات التأخير، أسباب التعطل، وعدد الحالات المنفذة وفق القانون

تشمل المنظومة جميع المعلومات عن:

تفاصيل كل أمر تنفيذ

أسماء الجهات المنفذة بما في ذلك وزارة المالية وديوان المراجع العام ومفوضية مكافحة الفساد والنيابة العامة

الوقت والمكان الذي تم فيه التنفيذ

ملاحظات الجهات المنفذة والتقارير المالية والقانونية

ثانياً: تطوير آليات التنسيق بين الجهات المؤسسية

١. بروتوكولات تعاون ملزمة

صياغة بروتوكولات تعاون مؤسسية ملزمة بين اللجنة وكل من:

القوات المسلحة السودانية

قوات الدعم السريع

جهاز الأمن والمخابرات العامة

الشرطة السودانية

النيابة العامة

وزارة العدل

وزارة المالية

ديوان المراجع العام

مفوضية مكافحة الفساد

تحدد هذه البروتوكولات:

أدوار ومسؤوليات كل جهة

جدولًا زمنيًا للتنفيذ

آليات تبادل المعلومات والملفات المالية والقانونية

أنواع التقارير المطلوب تقديمها

الإجراءات المتخذة في حال عدم الامتثال

٢. غرف عمليات تنفيذية في الولايات

تُنشأ غرف عمليات تنفيذية محلية في كل ولاية تشمل:

ممثلًا عن اللجنة

ممثلًا عن النيابة العامة

ممثلًا عن الشرطة

ممثلًا عن وزارة العدل

ممثلًا عن وزارة المالية

ممثلًا عن ديوان المراجع العام

ممثلًا عن مفوضية مكافحة الفساد

ممثلًا من الأجهزة الأمنية المعنية

تقوم هذه الغرف بـ:

استقبال أوامر التنفيذ

توزيع المهام على المستويات المحلية

متابعة تطبيق القرارات على الأرض

إعداد تقارير تنفيذ أسبوعية تُرفع إلى اللجنة المركزية

تنسيق مباشر مع النيابة العامة والجهاز القضائي لتحديد مواعيد جلسات المحاكمة وتقديم المتهمين

٣. قنوات اتصال رسمية وموحدة

تطوير قنوات اتصال موحدة ورسمية تشمل:

بريدًا إلكترونيًا خاصًا

منصات اتصال مشفرة لتبادل الملفات

نظام اتصالات آمن للتبليغ الفوري

أرقام هواتف طوارئ تعمل على مدار الساعة

تضمن هذه القنوات سرعة تبادل البيانات بين: اللجنة، وزارة المالية، ديوان المراجع العام، مفوضية مكافحة الفساد، الأجهزة الأمنية والنيابة العامة، دون تعطيل أو تدخل غير قانوني، وتمنع التسريبات غير المصرح بها للبيانات الحساسة.

ثالثاً: تطوير آليات المتابعة والتقييم

١. وحدة متابعة وتقييم داخلية

تُنشأ وحدة متابعة وتقييم داخلية داخل اللجنة تتولى:

وضع مؤشرات أداء رئيسية تشمل:

عدد الأوامر الصادرة

نسبة التنفيذ الفعلي

زمن التنفيذ

عدد الأصول المستردة

القيمة التقديرية للأصول المستردة

عدد الحالات التي لم تُنفَّذ

تحديد معايير زمنية للإنجاز (مثلاً تنفيذ 90٪ من الأوامر خلال 72 ساعة).

إعداد تحليل دوري يوضح الأداء في كل ولاية ونوع القرار، مع التنسيق مع وزارة المالية لمراجعة إدارة الأموال والأصول، وديوان المراجع العام لمراجعة الشؤون المالية، ومفوضية مكافحة الفساد لمتابعة التحقيقات القانونية.

٢. تقارير تنفيذ دورية

إصدار تقارير دورية (أسبوعية، شهرية، نصف سنوية) تشمل:

تنفيذ الأوامر في كل ولاية

الجهات المنفذة

العقبات التي واجهت التنفيذ

التوصيات العملية لحل المشكلات

حالات التأخير ومسوغات الجهات

هذه التقارير تُنشر للمسؤولين والمراقبين لتعزيز الشفافية والمساءلة، مع مشاركة ديوان المراجع العام ومفوضية مكافحة الفساد لتقديم الملاحظات والتوصيات.

٣. نظام مراقبة وتنبيه مبكر

إنشاء نظام مراقبة وتنبيه مبكر يعتمد على تحليل بيانات التنفيذ، بحيث يرسل تنبيهات تلقائية عند:

تأخر تنفيذ أمر أكثر من الزمن المحدد

رفض جهة تنفيذ أوامر دون مبرر قانوني

تكرار حالات التعطيل في ولاية معينة

عن عبد المنعم مختار

عبد المنعم مختار

شاهد أيضاً

جغرافيا وتاريخ ممالك كوش في السودان: دراسة نقدية أولية (الجزء الثاني)

د. عبد المنعم مختارأستاذ جامعي في مجال الصحة العامةالمدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء …