بقلم: لوال كوال لوال
بين إعلان الرغبة في الحل ومخاوف تعطيل الاستحقاق الانتخابي
شكّل الفريق أول عبد الفتاح البرهان لجنة تفاوضية معنية بملف أبيي، برئاسة أحد أعضاء مجلس السيادة الانتقالي وعضوية عدد من المسؤولين. تفتح هذه الخطوة أسئلة جوهرية عن توقيتها وأهدافها، فالنزاع حول الوضع النهائي للمنطقة ما زال قائمًا، وموعد الانتخابات العامة في جنوب السودان يقترب. القضية لا تتعلق بلجنة جديدة بقدر ما تتعلق بالسياق الذي جاءت فيه، وبصلتها بالموقف السوداني من إدراج أبيي في الدوائر الانتخابية لجنوب السودان. ففي 13 يوليو 2026 أعلنت الحكومة السودانية رفضها قرار مفوضية الانتخابات في جنوب السودان إدراج منطقة أبيي الإدارية ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات المقررة في 22 ديسمبر 2026، استنادًا إلى تفسيرها لبروتوكول أبيي واتفاقيات الترتيبات المؤقتة بين البلدين. ويبرز هنا السؤال: هل تسعى الخرطوم إلى تسوية نهائية، أم يمكن أن يُستخدم المسار التفاوضي أيضًا للتأثير في الانتخابات؟ لذا يجب أن ننظر إلى تلك القرارات بعدة زوايا: 1. لجنة تفاوضية أم ورقة ضغط؟ من حق أي طرف أن يسعى إلى حل سياسي عبر التفاوض، ولا اعتراض على مبدأ الحوار. لكن تشكيل اللجان لا يثبت جدية التسوية، والمعيار الحقيقي هو التفويض الممنوح للجنة وأهدافها وجدولها الزمني والنتائج المنتظرة منها. وتتمثل المخاوف في أن تكون اللجنة جزءًا من تحرك دبلوماسي يُظهر الخرطوم أمام المجتمع الدولي طرفًا يسعى إلى الحل، بينما قد تفضي المفاوضات، في غياب الضمانات، إلى ضغوط على جوبا لتعليق الانتخابات أو إلغائها. وهذا الاحتمال جدير بالنقاش، خاصة مع الرفض المعلن لإدراج أبيي في الدوائر الانتخابية. غير أن الجزم بأن تعطيل الانتخابات هو الغرض الفعلي من اللجنة يحتاج إلى أدلة مباشرة على نواياها وتفويضها، ولا يكفي فيه الاستدلال بالتوقيت وحده. 2. ماذا لو وافقت جوبا على التفاوض؟ السيناريو الأجدر بالانتباه هو أن توافق جوبا على مفاوضات جديدة دون ضمانات صريحة بشأن مصير الاستحقاق الانتخابي في أبيي. عندها قد تواجه مطالب بتأجيل الانتخابات إلى حين التوصل إلى اتفاق نهائي. وإن لم تُحدَّد مدة واضحة للمفاوضات، فقد يتحول التأجيل المؤقت إلى تعليق مفتوح، وتصبح الانتخابات رهينة مسار لم تُحسم نتائجه كما حدثت لاستفتاء منطقة ابيي عام 2011 و2013. ولذلك ينبغي لجوبا أن تسأل قبل أي موافقة: هل ستجرى المفاوضات بالتوازي مع الاستعدادات الانتخابية، أم سيُطلب منها تعليق الانتخابات شرطًا مسبقًا للحوار؟ ويجب أن تُحسم الإجابة قبل أي تفاهمات قد تُفسَّر لاحقًا تنازلًا عن الاستحقاق الانتخابي. 3. جوبا مطالبة بتوضيح موقفها لا تقتصر مسؤولية حكومة جنوب السودان على تشكيل لجان وطنية أو إعلان التمسك بحقوق سكان أبيي، بل تشمل توضيح موقفها من العلاقة بين التفاوض والانتخابات. فقد أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون في جنوب السودان، في 8 أكتوبر 2026، انعقاد الاجتماع التمهيدي للجنة الوطنية المعنية بالتفاوض حول الوضع النهائي لأبيي، برئاسة المبعوثة الرئاسية أدوت سلفا كير، وهو ما يؤكد حضور الملف على أجندة جوبا. لكن وجود لجنة جنوب سودانية لا يجيب عن أسئلة المسار التفاوضي مع الخرطوم، ولا يبيّن إن كانت هناك تفاهمات بشأن الانتخابات. المطلوب إعلان رسمي يحدد هل ستواصل جوبا ترتيباتها الانتخابية بالتوازي مع التفاوض، وما الضمانات التي ستطلبها لمنع استخدام الحوار ذريعة لتعليق الحقوق السياسية لسكان أبيي. 4. المجتمع الدولي أمام اختبار جديد تابع المجتمع الدولي قضية أبيي منذ اتفاقية السلام الشامل عام 2005 وما تلاها من ترتيبات سياسية وأمنية. وهو مطالب اليوم بالتعامل مع المستجدات وفق معايير واضحة، لا بالاكتفاء بالترحيب بالمبادرات. فالمفاوضات الجادة تتطلب أهدافًا محددة، وجدولًا زمنيًا معقولًا، وآلية لمتابعة التنفيذ، وضمانات تمنع تحولها إلى وسيلة لإدامة الوضع القائم. كما ينبغي توضيح العلاقة بين التفاوض والانتخابات، حتى لا تُترك المسألة لتفسيرات متضاربة بين الخرطوم وجوبا يدفع سكان أبيي ثمنها السياسي والاجتماعي. 5. أبيي ليست ورقة للمساومة قضية أبيي أوسع من خلاف إداري بين حكومتين؛ إنها قضية شعب ارتبط مستقبله السياسي والقانوني بنزاع لم يُحسم حتى الآن. ولا يجوز أن تصبح الدعوة إلى الحل السياسي مبررًا لتأجيل غير محدد للحقوق والاستحقاقات. وفي المقابل، يجب أن يراعي أي حل مستدام الأطر القانونية والاتفاقيات ذات الصلة، وأن يحمي السكان من مزيد من عدم الاستقرار. ومن ثم يستوجب تشكيل اللجنة السودانية طرح الأسئلة التالية: • ما التفويض الرسمي الممنوح للجنة؟ • هل يتضمن عملها مقترحًا بتأجيل الانتخابات أو إلغائها؟ • هل هناك مدة زمنية محددة للمفاوضات؟ • هل ستجرى المفاوضات بالتوازي مع الاستعدادات الانتخابية؟ • ما الضمانات التي تمنع استخدام المفاوضات لتعليق الاستحقاقات السياسية لسكان أبيي؟ بهذه الإجابات يمكن تقييم جدية المبادرة ونتائجها المحتملة. 6. المطلوب ضمانات لا وعود لا ينبغي التعامل مع الشكوك حول أهداف اللجنة بوصفها حقائق محسومة، ولا معالجتها بتجاهل سياقها. فرفض الخرطوم إدراج أبيي في الدوائر الانتخابية حقيقة معلنة، أما اعتبار اللجنة أداة لتعطيل الانتخابات فاستنتاج سياسي يحتاج إلى مزيد من الأدلة. والاختبار الحقيقي في مقترحات اللجنة، وموقف الخرطوم من استمرار الاستعدادات الانتخابية، والضمانات التي ستطلبها جوبا قبل أي تفاهمات جديدة. أبيي لا تحتاج إلى لجنة أخرى تُضاف إلى سجل اللجان السابقة، بل إلى مسار واضح ينهي النزاع، ويحمي حقوق سكانها، ويمنع تحويل مستقبلهم إلى ورقة في مساومات الخرطوم وجوبا. فهل تكون هذه اللجنة بداية فعلية نحو الحل النهائي، أم فصلًا جديدًا في أزمة ممتدة؟ الإجابة لن تصنعها التصريحات، بل القرارات والنتائج على الأرض.
