زهير عثمان
تحليل- ما بين وهم الحسم السياسي ومستحقات العدالة في أتون الحرب الشاملة
في هذه اللحظة المفصلية، حيث تتآكل الدولة السودانية من أطرافها وتتفسخ بنيتها تحت وطأة حرب ضروس وانهيار إنساني غير مسبوق، يطل علينا من جديد خطاب لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو
لا يأتي هذا الخطاب كمشروع للعدالة الناجزة، بل كاستدعاء فطير لأدوات سياسية تجاوزها الواقع وفقدت شروطها الموضوعية
إن البيان الأخير للجنة لا يمكن عزله كإجراء قانوني محصن، بل هو مانيفستو سياسي يعيد إنتاج عقلية الفترة الانتقالية الأولى، متجاهلاً حقيقة أن المسرح نفسه قد انهار
فالسودان اليوم ليس دولة انتقالية تعاني من العثرات، بل هو (ساحة اشتباك ) مفتوحة تتجاذبها البنادق والأجندات الإقليمية و لذا، فإن الحديث عن استئناف مهام التفكيك في ظل غياب الدولة، يبدو أقرب للممارسة الرمزية للسلطة، لا فعلاً حقيقياً في متن الواقع
شرعية في مهب الريح مأزق التأسيس على الفراغ
أخطر ما يحمله البيان ليس في سطوره، بل في عشمه الضمني بأن اللجنة لا تزال تملك ناصية العمل وبيد أن هذه الشرعية التي استندت يوماً إلى الوثيقة الدستورية في 2019، قد ذرتها رياح انهيار التسويات السياسية
إن استدعاء الشرعية الثورية اليوم لا يشير إلى قوة كامنة، بل يفضح حالة من الفراغ المؤسسي
نحن هنا أمام مفارقة سودانية حادة , محاولة ممارسة سلطة التفكيك في واقع تلاشت فيه السلطة المركزية المستقرة
وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه هل يستقيم تفكيك نظام سابق والدولة نفسها في حالة انعدام وزن والفوضي المسلحة الحالية ؟
من منصة العدالة إلى الحشد التكتيكي
يعيد البيان تدوير ذات اللغة التي وسمت التجربة الأولى؛ توصيفات فضفاضة من شاكلة تنظيم إرهابي و”عصابة إجرامية”
وهي مفردات، رغم وجاهتها السياسية لدى البعض، إلا أنها حين تُساق خارج (الحوش القضائي ) المحكم، تتحول من أدوات قانونية إلى كواريك تعبوية ساي والان المعضلة ليست في توصيف النظام البائد، بل في الوظيفة التي يؤديها هذا التوصيف
هل هو تكئة لإجراءات قانونية عدلية؟
أم هو مجرد أداة لإعادة بناء الاصطفاف السياسي في لحظة سيولة أمنية؟
الظاهر أن الخطاب لا يغازل منصات القضاء ، بل يخاطب الشارع السياسي ، وهو ما يكرس الخلل القديم تسييس العدالة وهذا بدلاً من “تقنين السياسة”
اختزال الحرب الراحة التفسيرية والهروب من التعقيد
من أكثر نقاط البيان إثارة للجدل هو الربط المباشر والآلي بين الحرب الجارية و”عناصر النظام البائد”. هذا الربط، رغم جاذبيته في الخطابة السياسية، يمثل تبسيطاً “مخلاً” لأزمة سودانية ضاربة الجذور فالحرب الحالية ليست حدثاً معزولاً، بل هي نتاج اختلالات هيكلية في “التركيبة العسكرية”, صراع مراكز القوى داخل “أحشاء الدولة” , التدخلات الإقليمية العابرة للحدود وكذلك فشل النخبة المدنية في كتابة مشروع وطني جامع
إن حصر كل هذا الخراب في عودة الكيزان لا يفسر الحرب، بل يجيرها سياسياً , وهنا يصبح الخطاب خطراً، لأنه لا يسعى لفهم الأزمة، بل يسعى لاحتکار تفسيرها لفئة محددة
الخطأ الدايم والمستدام غياب المراجعة النقدية
العودة لخطاب اللجنة كان يفترض أن تكون وقفة مع الذات ، لكنها جاءت كـمواصلة لا كـتقييم , ولم نجد في الخطاب شجاعة الاعتراف بالثغرات السابقة زي الكلام بشجاعة عن ضعف الإجراءات المسطرية والقانونية اللي كانت , غياب الضمانات العدلية للمتهمين , وتوسيع دائرة الاشتباه السياسي
هذا الصمت ليس مجرد تفصيل عابر، بل هو مؤشر على أن الدرس لم يُستوعب، وبالتالي فإن الأزمة مرشحة للتكرار بذات الأخطاء
عدالة للإنقاذ أم عدالة للإشعال؟
في ظل هذا المشهد الضبابي، لا يبدو بيان لجنة التفكيك خطوة نحو دولة القانون ، بقدر ما هو محاولة لاستعادة موقع في معادلة سياسية متحركة وهو بذلك يعكس الأزمة المزمنة وعجز النخبة عن العبور من مربع الثورة إلى رحاب الدولة
السودان اليوم لا يحتاج إلى استدعاء معارك الماضي بنفس العدة والعتاد، بل يحتاج إلى إعادة تعريف العدالة ذاتها وهي شعار مقدس للثورة عدالة لا تُشهر كسلاح في الخصومة، بل كإطار لإنهاء الصراع
وإلى أن ينجلي هذا الغبار، سيظل السؤال قائماً , هل نحن أمام عدالة تُبنى لترميم الوطن، أم أمام صراع يُعاد إنتاجه باسم العدالة؟
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم