بقلم عمر العمر
نقلا عن العربي الجديد
aloomar@gmail.com
الجيل الثاني إن صح التصنيف – من قيادات التيار الإسلامي يتحمّل هدر رؤوس أموالنا البشرية ، المالية والسياسية . هذه الجملة الواردة في مقالة سابقة أثارت جدلا مع ثلة من الأصدقاء ،مما حرّضني على محاولة تبيان ما قصدت .هذا التحريض ساقني إلى فرضية ربما تثير بدورها جدلًا أوسع . فكثيرا ما رجمنا أحزابنا بالقصور الفكري والسياسي فحمّلناها أوزار قعودنا الوطني .فرضيتي لا تحمّل الجيل الثاني – على مستوى التيار الاسلامي فحسب -بل كل الاحزاب هذه المسؤولية .النظرة لا تستند إلى التقسيم البيولوجي أو تباين الرؤى فقط .كما لا تقوم على مفهوم الفجوة في سياق مفهوم صراع الأجيال . أقرب إلى التوصيف ربما تمايز ديناميكية إدارة اللعبة السياسية بواسطة القيادات الحزبية المتتالية. ففي كل حزب يوجد جيل من الآباء المؤسسين ،أو القيادات التاريخية ثم الجيل الأول فالجيل الثاني ثم الثالث ،،،الخ. ما قصدت تبرئة جيل المؤسسين .لكن ربما حملناهم من الآثام فوق ما اغترفوا من أخطاء .كما لا أود الدفاع عن الجيل الأول أو إدانة الجيل الثاني . لعل الفكرة تفتح الجدل في شأن أزماتنا السياسية المركبة عبر كوة مغايرة.
وفق التطور العلمي ،والتعمق الثقافي والتراكم الاجتماعي قد يرى أهل السوسيولوجي حظوظ الأبناء أفضل من الأبناء لجهة الأداء العام والإنجاز الوطني كما في حظوظ الرفاه .لكن على مستوى القيادات السياسية المتعاقبة يصعب رسم فواصل حادة بين الأجيال كما هو في التسلسل العائلي .لذلك فما عنيت التقسيم حسب سني العُمْر بقدر الإشارة إلى التباين في المقاربة الادائية في نطاق تعاقب القيادات الحزبية . ففي المشهد العام اطّلع جيل الآباء ببناء هياكل حزبية وفق مفاهيم عامة أو أيدلوجيات محددة . كما نسجوا قدوات في الوقار الوطني . الجيل الأول نهض بارساء البنى التنظيمية وتوسيع القواعد الجماهيرية . الأداء عند هؤلاء اتسم بالصبر والأناة والشفافيه. كأنما ضجر الجيل الثاني من الصبر أو تعجّل تحقيق أهدافه فركن إلى كسر أُطر الصبر حد الذهاب إلى المغامرة . هي مغامرة ليست محسوبة أو سبغها كثير من التهور حد العنف .كيفما جاءت فقد شابها غير قليل من الأنانية حد الاحتكار كما نأت عن الشفافية إذ جنحت إلى الفساد .
لم يكن المؤسسون والجيل الأول ملائكة معصومين. ففي أعمالهم كثير من خطايا العاجزين . كما لم يكن الجيل الثاني شياطينا .ففي مافي فعلوا عديد من أفعال المثابرين المخلصين .غير أن العديد من الأزمات تكالبت بين أيديهم . ربما تعرض التيار الإسلامي أكثر من غيره إلى (صراع الأجيال).فالرؤى تباينت بين المؤسسين والجيل الأول تجاه العمل العام .محور التباين حول التحول من التبشير الدعوي إلى العمل السياسي وسط الجماهير . ثم ذهب الجيل الثاني بالعمل السياسي إلى احتكار الدولة . تحميل كل رزايا وأرزاء ، محن و مصائب الإنقاذ -دون تفاصيل -هذا الجيل لا يجافي الحقيقة ،العدل أو المنطق . هو جيل الخيبات و النكبات أمثر من غيره. ضمن هذه البلايا يندرج الاستعلاء ، التهميش ، التوحش في التعذيب ، الترغيب والترهيب، الإقصاء و التجريف السياسي ،هدر المال واستباحته وإفشاء الفساد .
لعل (مذكرة العشرة) تعبّر عن الإصطراع بين الأجيال مثلما ما كانت تفصح عن الأزمة داخل بُنى النظام . هي نقطة مفصلية أفضت إلى هيمنة جيل النكبات على الحزب والدولة برمتها . هي نفسها تؤشر الى صعوبة رسم الخطوط الفاصلة بين الأجيال بيولوجيا بقدر ما تعكس تباين الرؤى بين تداخل القيادات . فوفقًا لهذا التتابع والتباين يأتي جيل الآباء البنائين (القيادات التاريخية) من أمثال علي جاويش، جعفر شيخ ادريس ،الرشيد الطاهر و محمد صالح عمر . من ببن نجوم الجيل الأول حسن الترابي ،ياسين عمر الإمام ،عثمان خالد مضوي والطيب زين العابدين . في صدارة الجيل الثاني يأتي علي عثمان محمد طه ،نافع علي نافع ، علي الحاج ، صلاح غوش و غازي صلاح الدين .لو ان هذا الجيل خرج من ثوب (المشروع الحضاري ) الضيق إلى مظلة مشروع البناء والتحديث الفسيح لأشرقت شمسٌ مجيدة على الشعب . من بين أعطاف جيل النكبات ومن صفوف الجيل البيولوجي التالي تشكّل جيل رابع برؤى نقدية لاؤلئك وممارساته منشورة بين الناس .
كذلك حال الحزب الشيوعي له جيل الآباء المبشرين بالاشتراكية أمثال حسن الطاهر زروق، عوض عبد الرازق ،عبد الرحمن الوسيلة ، عبد الماجد ابو حسبو، التيجاني الطيب و عز الدين علي عامر ، قاسم أمين ، ابراهيم زكريا، ومن هؤلاء البناؤون من طراز الشفيع أحمد الشيخ ، وكامل محجوب و الجزولي سعيد . في سياق نشأة الحزب بأيدي نخبة متجايلة ذابت الفواصل بين الأجيال. فمن هؤلاء الرعيل تشكّل الجيل القيادي الأول .في صدارته عبد الخالق محجوب ، محمد ابراهيم نقد ،فاطمة أحمد إبراهيم . كما رجّت (مذكرة العشرة) الإسلاميين فوقعت (المفاصلة )أحدث الموقف تجاه إنقلاب ٢٥ مايو (حركة أم ثورة) انقسامًا رأسيا من القمة إلى القاعدة داخل الحزب على نمط (منشفيك بلشفيكك) . فارتج الهرم الحزبي. بأسره .
تماماً كما في مفاصلة الإسلاميين سبق شبق السلطة والامتيازات أحدث الانقسام الشيوعي . لا يجمّل ماحدث تصنيفه ضمن تباين في الرؤى الايدلوجية أو تمريره تحت شعار إنجاز مرحلة الثورة الديمقراطية . كما كان عبد الخالق قطب انقسام الخمسينيات ظل محورر انقسام الستينيات . كذلك في سياق المجايلة تتماهى الفواصل العمرية فيتكئ التقسيم على تباين الرؤى أو المواقف . إذ انحاز شباب إلى من ثبت مع عبدالخالق من الجيل الأول ثلة من الفتية من أمثال الخاتم عدلان ، صدقي كبلو الشفيع خضر وكمال الجزولي بينما انخرط رهط من الكبار في التدافع نحو السلطة ليشكلوا الجيل الثاني . بين هؤلاء معاوية ، سورج ، عمر مصطفى المكي ،فاروق ابو عيسى ،الحاج عبد الرحمن . ارتدات الانقسام تتابعت فطالت فيما بعد شباب الجيل الثاني مثل عبد الله علي ابراهيم والخاتم عدلان . الارتداد القاصم تمثل في مغامرة (١٩ يوليو التصحيحية) العسكرية.أعمدتها ضباط من الجيل الثاني . بغض النظر عمّا إذا كانت المغامرة ممارسة انتحارية أم كشفت الحزب للنحر فالثابت أنها كلّفت الحزب كثيرا وغالياً وطويلا .
وصف الآباء مؤسسي) الأحزاب التقليدية )بالافتقار إلى مشروع وطني لا يجافي الموضوعية. لكن دمغهم بالفشل والاخفاق يجنح إلى العقوق . فهولاء وحتى نحوم الجيل الاول نسجوا نماذج بهية من الوقار السياسي ، الاستقامة الوطنية ، والنزاهة . لا تمايز في ذلك بين الاستقلاليين والاتحاديين . الآباء المؤسسون وضعوا لبنات هياكل للاحزاب . في ذلك يتساوى الالتفاف على محاور طائفية أو أفكار ليبرالية على صدى الجمعيات الأدبية ومؤتمر الخريجين.حزب الأمة اتسم بالصلابة في التكوين والرؤية . عبد الرحمن المهدي لعب دورًا مغناطيسيًا إذ لم يكتف بقاعدة الانصار التقليدية فجذب نخبة من المثقفين المميزين.أؤلئك هم جيل الآباء . بينهم عبد الله خليل ، إبراهيم أحمد ، محمد أحمد محجوب ،عبد الرحمن علي طه ،عبدالحليم محمد وعبد الرحمن النور . الجيل الأول حافظ على نسقهم في البناء والرؤى ،على الأقل تجاه وحدة الحزب .بين هؤلاء بكري عديل ،عمر نور الدائم كمال الدين عباس ،حسن محجوب وآدم موسى مادبو . الصادق المهدي تم ترقيته من جيله فمارس فعلته .أذ قاد انشقاقًا عن الامام الهادي . الجيل الثاني في حزب الأمة ليس استثناءًا .هو كذلك مارس الخروج عن الحزب . شهوة السلطة لم تكن خافية .في صدارته مبارك الفاضل ، الزهاوي ابراهيم مالك ،محمد عبد الله مسار و واحمد بابكر نهار .
بين جيل الاتحاديين المؤسسين برزت قامات وطنية سامقة مثل اسماعيل الازهري ، خضر حمد،حسن عوض الله ويحيى الفضل . كما حفل الجيل الأول بنجوم مبهرة من طراز مبارك زروق ، حسين يوسف الهندي ،علي عبد الرحمن ، وأحمد السيد حمد وسيد أحمد الحسين.ربما تمازج وسط هذا الجيل الاتحادي طيف واسع من الأعمار أكثر من غيره في الأحزاب الأخرى.فهناك مثلا صالح محود اسماعيل، حسن بابكر وأبوحريرة . ربما يبرر هذا كونه حزب الطبقة الوسطى والتوجهات الوسطى . كلاهما مفتوحان على أفق عريض . الحزب في الأصل تجمع مجموعات نخبوية منذ توحيدها في القاهرة في العام ١٩٥٢ .كذلك ربما تخالط في الجيل الثاني طيف مماثل من الأعمار بدءاً من زين العابدين الهندي ،مرورا بعلي محمود حسنين ، أحمد سعد، جلال الدقير ، وانتهاءاً عند صديق الهند ،حاتم السر و معتز الفحل .لعل هذا الجيل الاتحادي أكثر المهرولين إلى المناصب والامتيازات .لكنه الوحيد من بين مجالييه تلقى تحريضًا ودعمًا من قمة الحزب على هذا لدرب .فلم يكن اللحاق بالنظام خروجًا عن الحزب أو تعبيرا عن مواقف .
حتما تستدعي فرضية مغادرة قياديين من الجيل الثاني مظلات أحزابهم بحثًا عميقًا للتثبت من دوافعها وغاياتها . أيصدق أن وراء الظاهرة دوماً نوازع ذاتية ملؤها شغف السلطة وشبق الامتيازات . أم يحدث ذلك نتيجة غياب ممارسات الديمقراطية داخل الاحزاب مما يضيّق فرص تداول المواقع . أحدهم برر انشقاقه (أبناء دفعتي في الجامعة يتنقلون بين مناصب عليا في الدولة بينها وزارات ) قد يؤشر مثل هذا البلاغ إلى طموحات شخصية ،بغض النظر عن مشروعيتها .ربما تصنيم القيادات الحزبية – وهي ظاهرة سياسية سلبية أخرى – (إلى من يهمه الأمر سلام )وراء مويجات التشقق . الجدل مفتوح لجهة تأصيل مشروعية ممارسة الانشقاق كحق في ظروف سياسية بفعل صراع سياسي وتباين في رؤى فكرية .أو هي ممارسة ديمقراطية تستولدها خلافات حزبية .أم رغبات ذاتية مشروعة بغية تحقيق أمنيات وطنية.!!! ام ترانا نكتفي بصب اللعنات على كل المثقفين عامة والنخب السياسية خاصة ؟؟؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم