لقاء زيورخ رسالة أميركية

بقلم عمر العمر
aloomar@gmail.com

كل القراءات في لقاء زيورخ مثل الرهانات عليه تبدو قاصرة.حتما لم يكن اللقاء منصةً لمفاوضات. واهمٌ من يظن تأبط الموفد الأميركي مشروعا للسلام .فليس من طبع واشنطن طرح المبادرات . السياسة الأميركية ظلت من فيتنام إلى افغانستان فالشرق الأوسط حتى ألسكا ردود فعل .البيت الأبيض لا يصنع الأحداث. الإدارات الأميركية تحاول دوماً استيعاب الأحداث بعد وقوعها ثم احتوائها. لذلك فإن العلاقات الأميركية السودانية ليست استثناءاً اذ ظلت موسومة بالارتباك خاصة تجاه سدة السلطة في الخرطوم. إدارة ترامب ربما أكثر من سابقتها تنظر إلى الأحداث بعين أحادية الاتجاه كما تذهب في استيعابها واحتوائها.بهذه الرؤية يبدو أقرب للتأويل حمل مسعد بولس إلى البرهان رسالة ذات بعد واحد.هذه رؤية يعززها لهف ترامب المحموم تصوير نفسه صانع سلام على نحو يؤهله للفوز بجائزة نوبل! فلقاء زيورخ جاء مباغتا على نحو واسع.


هذه الفجائية الأميركية المباغتة على خط الحرب في السودان لا تربك من يدرك مزاجية ادارة ترامب في ادارة الأزمات على الصعيد الدولي.أكثر من أؤلئك من يستوعب لمحات من تاريخ العلاقات بين واشنطن والخرطوم .فبعد رحيل نظام عبود خرجت العلاقات السودانية مع أميركا عن إطار المصالح العليا و الاحترام المتبادل إلى أجواء يكتنفها التشويش، التوتر والارتباك.ارتجاج المشهد السوداني الداخلي تحت أدخنة الحروب زاد العلاقات المرتبكة تعقيداً.الحرب في الجنوب ظلت على مدى سنين محوراً لذلك الارتباك تتأرجح بين التجاهل والعداء،التناقض والتناطح.هذا التذبذب تصاعد مع استيلاء الاسلاميين على السلطة فكثيرا ما خرج عن القنوات الثنائية الى المنابر الإفريقية و أروقة المنظمة الأممية .


   تعيين بيل كلينتون مبعوثا شخصيا الى السودان وترحيب نظام البشير لم يحدث انفراجة في التوتر المشترك.على النقيض حرمت الادارة الاميركية السودان من شغل المقعد الافريقي في مجلس ألأمن داعمةً عبر حملة دبلوماسية داخل أروقة الامم المتحدة موريشيوس . كلينتون ذهب أبعد من ذلك إذ وقع قبيل نهاية ولايته تمديد العقوبات المفروضة على السودان منذ العام ١٩٩٧.كما أمر بحجز أرصدة الخرطوم  لدى المصارف الأميركية.إهالةً لمزيد من ركام التوتر على العلاقات أقر  مجلس النواب الاميركي ما بات يعرف ب(سلام السودان).الخرطوم لم تر في زيارة سوزان رايس مساعدة وزير الخارجية الى إحدى مناطق سيطرة جون غرنغ  فقط دعماً للتمرد بل خرقاً للسيادة.رداً على ذلك ألغت  الخرطوم  تأشيرات القائم بالاعمال الأميركي ودبلوماسيين آخرين .

كولين باول وزير الخارجية في إدارة جورج بوش الإبن أحبط رهانات الخرطوم على امكانية تبدل الحال إذ اشترط وقف القصف في الجنوب،تصفية المنظمات الارهابية للنظر في فرص تحسين العلاقات الثنائية. نظام البشير أبدى تجاوبا مع باول إذ اعلن وقف القصف إلا أن الخارجية الاميركية أبقت النظام السوداني على قائمة (الدول الداعمة للارهاب).بوش صب زيتاً على النار حينما وصف السودان بأنه(بلد كوارث لحقوق الانسان).العلاقات الثنائية ظلت تتصاعد وتهبط ايجابا وسلبا على ايقاع الحرب في الجنوب حتى اتفاق نيفاشا. في ضحى ثورة ديسمبر حدث تقارب بين الخرطوم وواشنطن انعكس صداه على جبهات عدة. الانقلاب على الثورة يبدو في السياق الأميركي ردةً إلى نظام البشير ومشروعه الحضاري. تلك رؤية سودانية في الأصل راكمت سحب الشكوك على احتمالات حدوث وفاق وطني .كذلك انحسرت فرص تطوير العلاقات الأميركية السودانية الثنائية.


هكذا يبدو جليا إلى أي مدى تتعامل واشنطن من موقع رد الفعل .ذلك التوجه ليس وقفا على الشأن السوداني لمن يحاول قياسه على الصعيد الدولي.لذلك فإن القول بوجود مشروع سلام حمله مسعد إلى زيورخ يجافي الواقع أكثر مما يجانب المنطق.ربط اللقاء بشغف ترامب انتزاع جائزة صانع السلام أقرب إلى القبول. رجال الرئيس الأميركي لا يتحركون بفهم متكامل لتعقيدات المشهد السوداني . غير ان الادارة الاميركية لا تقارب المشهد وشخوصه بعيدا عن حلفائها الاقليميين. هكذا ينبغي فهم لقاء زيورخ الثاني .البرهان يتزعم معسكر رفض وقف الحرب.هناك شبه اجماع على أن الحرب بلغت مرحلة انهكت كل اطرافها. الأطراف الأخرى لا تمانع بل هي مستعدة للتجاوب مع أصوات السلام .تحت هذه الضغوط المتراكبة قبل البرهان لقاء المسؤول الأميركي.تحت الضغوط ذاتها حمل مسعد رسالة الى زيورخ محورها حتمية التجاوب مع نداءات السلام الصادرة من الجهات الأربع.


اذا استوعب البرهان ومعسكره لهف ترامب فمن غير المستبعد مطالبتهم بجزرة السلام.لكن من غير المحتمل ان يكون مسعد لوّح بالعصا في زيورخ.

لكن ذلك لا يقلل من أهمية الرسالة الاميركية.
نقلا عن العربي الحديد

عن عمر العمر

عمر العمر

شاهد أيضاً

السودان وإيران في مرايا التاريخ

بقلم عمر العمرنقلا عن العربي الجديدaloomar@gmail.com في مرايا التاريخ كثيرٌ من المشاهد ذات الملامح المتشابهة …