إدوارد كورنيليو
المثقف والسلطة علاقة قديمة قدم السلطة نفسها، لكننا اعتدنا أن نراها كعلاقة صراع فردي بين كاتب شجاع وحاكم مستبد. هذه الصورة الرومانسية تخفي الحقيقة الأعمق. المثقف ليس كائنا يحلق فوق المجتمع، هو جزء من آلة إنتاج كاملة، ومن يملك المصنع يملك في النهاية من يكتب عنه.
كل سلطة في التاريخ لم تكتف بامتلاك الأرض أو الجيش أو المال. كان عليها أن تمتلك الطريقة التي يفكر بها الناس. من يسيطر على وسائل العيش المادي يجد نفسه مضطرا للسيطرة أيضا على وسائل إنتاج المعنى. هنا يأتي دور المثقف. وظيفته الموضوعية، شاء أم أبى، هي تحويل مصلحة فئة قليلة إلى حقيقة عامة تخص الجميع. عندما يتحدث خبير اقتصادي عن ضرورة التقشف أو يتحدث كاتب عن أولوية الاستقرار على العدالة، فهو لا يقدم فكرة مجردة، هو يترجم حاجة اقتصادية لطبقة حاكمة إلى لغة تبدو محايدة وعلمية.
ولذلك تنقسم الساحة الثقافية دائما إلى نوعين من المثقفين لا يمكن الخلط بينهما. هناك أولا ذلك المثقف الذي يرث مكانة اجتماعية جاهزة. الأستاذ الجامعي المرموق، رجل الدين الرسمي، الروائي الذي تفتح له القاعات. هذا النمط يعيش على وهم الاستقلالية. يظن أنه فوق الانقسامات وأنه يمثل الضمير الإنساني المجرد. والحقيقة أن هذا الوهم هو بالضبط ما يجعله مفيدا. لأنه عندما يقدم أفكار السلطة بوصفها أفكارا فوقية ومحايدة، تصبح أكثر قبولا من لو قدمها وزير أو رجل أعمال.
في المقابل، هناك نمط ثان لا يولد جاهزا بل تصنعه كل قوة صاعدة وهي تشق طريقها. كل مجموعة بشرية لها مصالح مشتركة في الحياة، سواء كانت تملك الشركات أو تعمل فيها، لا بد أن تخلق ألسنتها الخاصة. تخلق كتابها وصحفييها ومحاميها وفنانيها الذين يفهمون العالم من زاوية معاناتها. المثقف هنا ليس فردا عبقريا، بل هو تعبير مركز عن تجربة جماعية. الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج عندما صعدت لم تحتج إلى شعراء يمدحونها فقط، احتاجت إلى جيش كامل من خبراء القانون والاقتصاد والصحافة ليجعلوا منطق السوق يبدو كقانون طبيعي. والطبقات التي تعيش من عمل يديها، عندما تريد أن تتحرر، تحتاج بدورها إلى مثقفيها الذين يأتون من بينها ويتحدثون بلغتها.
كيف تستمر سلطة ما دون أن ترسل جنديا إلى كل بيت. الجواب هو أنها لا تحكم بالعنف وحده، فالعنف مكلف وقصير النفس. الحكم المستقر هو الذي يجعل الناس يوافقون على أوضاعهم وكأنها قدر. أن يقتنع الفقير أن فقره نتيجة كسله لا نتيجة نظام يسرق جهده، وأن تقتنع المرأة أن دونيتها طبيعة، وأن يقتنع الشاب أن البطالة قدر شخصي لا نتيجة سياسة اقتصادية. هذا الاقتناع لا يصنعه خطاب رسمي، تصنعه المدرسة والجامعة والجريدة والمسلسل والجائزة الأدبية. هذه كلها ليست مؤسسات محايدة للمعرفة، هي أجهزة دقيقة لإنتاج الموافقة. المثقف الذي يعمل داخلها ويقبل قواعدها يتحول تدريجيا إلى موظف ينتج الموافقة. يكافأ بالمنصب والظهور والتمويل، والذي يرفض يجد نفسه بلا منبر، متهما بأنه غير موضوعي أو عدمي أو صاحب أجندة.
من هنا يأتي الاغتراب الخاص الذي يعيشه المثقف. العامل يبيع قوة ساعده ولا يملك ما ينتجه، والمثقف يبيع قوة عقله ولا يملك ما ينتجه أيضا. المقال الذي يكتبه لا يعود ملكه، بل يعود ملك الصحيفة التي يمولها رجل أعمال، والبحث الذي ينجزه يموله صندوق له أهداف سياسية. فيجد نفسه يكتب اليوم شيئا وضده غدا حسب جهة التمويل. يصعد اجتماعيا بالتعليم فيبتعد عن بيئته الأصلية، لكنه لا يدخل أبدا في نادي الكبار الذين يملكون القرار الحقيقي، فيظل معلقا في الوسط، قلقا، يبحث عن اعتراف.
لهذا لا يوجد شيء اسمه مثقف محايد يقف في المنتصف. في مجتمع منقسم بين من يملك ومن لا يملك، بين من يقرر ومن ينفذ، فإن ادعاء الحياد هو في حد ذاته انحياز. أن تقول أنا لا أتدخل بينما ترى الظلم أمامك، فأنت عمليا تسمح له بالاستمرار. أن تحول قضية صراع على الأجر والسكن والصحة إلى قضية ثقافية عامة عن أزمة القيم أو أزمة الأخلاق، فأنت تخفي السبب الحقيقي.
عند مفترق الحسم، المثقف أمام طريقين واضحين. إما أن يقبل دور الكاهن الذي يبارك الواقع. يزينه بالكلمات، يبرر الاستغلال بأنه تنمية، ويبرر القمع بأنه استقرار، ويحول غضب الناس إلى شكوى فردية. وإما أن يختار الطريق الأصعب، أن ينزل من منصة الخطابة إلى حيث يعيش الناس فعلا. أن يستخدم معرفته ليس لتفسير العالم بطريقة جميلة، بل لكشف كيف يعمل هذا العالم ضد أغلبيته. السلطة عبر التاريخ كانت تسجن هذا النوع الثاني ليس لأنه يكتب كلاما جميلا، بل لأنه يكسر احتكارها الأهم، احتكارها لإنتاج المعنى.
