قراءة في دراسة ماي حسن وأحمد كدودة حول دور البيروقراطية في إعادة إنتاج شبكات النفوذ خلال الفترة الانتقالية (2019 – 2021)
نقلا عن مجلة قضايا فكرية مارس 2026
بقلم : عاطف عبدالله
مقدمة
في بحث أكاديمي رصين قدّمته الباحثة الأمريكية السودانية الأصل ماي حسن، الأستاذة بقسم العلوم السياسية في Massachusetts Institute of Technology ، بالتعاون مع الباحث المستقل أحمد كدودة، جرى تناول واحدة من أعقد قضايا المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2018: إصلاح الخدمة المدنية وتفكيك إرث نظام الثلاثين من يونيو الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً عبر شبكة متشابكة من التمكين السياسي والحزبي والإداري والاقتصادي.
تحمل الدراسة عنوان:
” تفكيك روابط التمكين القديمة أم صنع روابط جديدة؟ إصلاح الخدمة المدنية في السودان بعد الانتفاضة”
وتسعى للإجابة عن سؤال ظل مطروحاً منذ سقوط النظام السابق: لماذا تعثّرت عملية تفكيك التمكين رغم التفويض الشعبي الواسع، ورغم الإجماع النظري داخل القوى المدنية على ضرورة إصلاح الدولة؟
تكمن أهمية هذه الدراسة في أنها تتجاوز التفسيرات السطحية التي تُرجع الفشل إلى ضعف الإرادة السياسية أو إلى مقاومة الإسلاميين وحدهم، لتقدّم تحليلاً أعمق يركّز على البيروقراطية ذاتها بوصفها فاعلاً سياسياً نشطاً، يمتلك أدوات المعرفة والخبرة داخل مؤسسات الدولة، ويملك القدرة على إعادة تشكيل شبكات النفوذ بدل تفكيكها.
فيما يلي عرض تحليلي مكثف لأهم ما ورد في الدراسة، مع قراءة نقدية تُبرز دلالاتها على مستقبل أي مشروع إصلاح مؤسسي في السودان.
أولاً: خلفية نظرية – لماذا تفشل إصلاحات الخدمة المدنية بعد الانتفاضات؟
تستعرض الدراسة أدبيات واسعة حول إصلاح الخدمة المدنية وسياسات مكافحة الفساد، وتشير إلى أن أغلب النظريات التقليدية تركز على مصالح النخب السياسية: فالأحزاب التي تصل إلى الحكم تميل إلى الحفاظ على شبكات موالين داخل الدولة لضمان النفوذ واستدامة السيطرة.
لكن هذه المقاربة تصبح قاصرة في سياق الثورات الشعبية، كما في السودان 2018، حيث يصل الفاعلون الجدد إلى السلطة تحت ضغط شعبي يطالب بإزالة النظام السابق بالكامل. هنا تطرح الدراسة سؤالاً محورياً: لماذا لا يحدث الإصلاح الجذري رغم توفر الشرعية الثورية؟
تقدم الدراسة فرضية بديلة مفادها أن البيروقراطيين أنفسهم يتحولون في لحظات الانتقال الهش إلى فاعلين سياسيين. فهم لا يكتفون بتنفيذ أوامر السياسيين، بل يعيدون تشكيل التحالفات داخل الدولة.
وتستند الدراسة إلى مفهوم “المِتِس”(Metis) ، أي المعرفة العملية المتراكمة داخل الجهاز البيروقراطي – معرفة غير مكتوبة لكنها حاسمة في تشغيل الدولة. هذه المعرفة تمنح الموظفين قدرة على التعطيل أو التمكين أو إعادة توجيه السياسات دون مواجهة مباشرة. وهنا يصبح الإصلاح المؤسسي معركة على المعرفة بقدر ما هو معركة على السلطة.
ثانياً: السودان قبل الثورة – ثلاثون عاماً من إعادة هندسة الدولة
تؤكد الدراسة أن نظام الثلاثين من يونيو (1989–2019) لم يكن مجرد نظام سياسي، بل مشروعاً لإعادة هندسة الدولة عبر:
دمج الحزب الحاكم في مؤسسات الدولة؛
تصفية غير الموالين وإحلال عناصر موالية؛
إنشاء شبكات اقتصادية موازية؛
بناء جهاز أمني قوي يتحكم في مفاصل الدولة؛
برامج تأهيل تنظيمي وعقائدي للموظفين.
وبذلك تحولت الخدمة المدنية من جهاز مهني إلى شبكة ولاء سياسي. هذه الخلفية جعلت مهمة التفكيك شديدة التعقيد، لأن التمكين لم يكن سطحياً، بل بنيوياً ومتشعباً.
ثالثاً: لجنة تفكيك التمكين – تفويض واسع وسند هش
بعد سقوط النظام، صدر قانون تفكيك نظام الثلاثين من يونيو في ديسمبر 2019، ومنح اللجنة صلاحيات واسعة تشمل مراجعة التعيينات والترقيات، واسترداد الأموال، وإنشاء لجان قطاعية داخل الوزارات.
غير أن الدراسة تكشف أن التفويض القانوني لم يُترجم إلى غطاء سياسي ثابت. فقد عملت اللجان القطاعية – خصوصاً في وزارة المالية – دون دعم حقيقي من القيادات التنفيذية أو من التحالف الحاكم.
رابعاً: وزارة المالية كنموذج للصراع المؤسسي
اختارت الدراسة وزارة المالية باعتبارها مركزاً استراتيجياً للصراع، لأنها:
- تتحكم في الميزانية والإيرادات؛
- كانت من أكثر المؤسسات اختراقاً خلال العقود السابقة؛
- تضم كوادر تمتلك معرفة تقنية حساسة؛
- يشكل إصلاحها تهديداً مباشراً لشبكات المصالح.
وقد أعدت اللجنة القطاعية قائمة بـ420 موظفاً اعتبروا مستفيدين من التمكين، لكن لم يُفصل أي منهم حتى انقلاب 25 أكتوبر 2021.
خامساً: آليات التعطيل داخل الوزارة
· إعادة التموضع وصناعة روابط جديدة
قام عدد من الموظفين بإعادة تقديم أنفسهم بوصفهم داعمين للثورة، ونسجوا علاقات مع سياسيين جدد، ما أدى إلى تشكل شبكات ولاء جديدة. وهكذا لم يُفكك التمكين، بل أُعيد تشكيله.
· التعطيل التقني والإجرائي
استخدمت اللوائح والإجراءات كسلاح للمماطلة: تأخير الملفات، إغراق اللجنة في المخاطبات الشكلية، حجب البيانات الإلكترونية. وقد أظهرت هذه الممارسات قوة “المِتِس” بوصفها أداة مقاومة فعالة.
· غياب الدعم السياسي
لم يُعقد تنسيق منتظم بين اللجنة والقيادات التنفيذية، بل تدخل بعض السياسيين لتعطيل قرارات بعينها. وتشير الدراسة إلى أن ضعف الانسجام داخل التحالف المدني أضر بعملية الإصلاح بقدر ما أضرتها مقاومة الدولة العميقة.
· استغلال الانقسامات السياسية
تحول بعض البيروقراطيين إلى وسطاء معلومات بين مكونات التحالف الحاكم، فغذّوا الخلافات، وأعادوا تأكيد أهميتهم كحَمَلة للمعرفة الحساسة.
· أسطورة “الكفاءة التي لا بديل لها”
رُوّج لفكرة أن إبعاد بعض الموظفين سيشل الدولة. غير أن الدراسة تُظهر أن غياب برامج تدريب وإحلال مدروسة جعل هذه الحجة مقنعة، رغم أنها أخفت مصالح سياسية وبيروقراطية.
سادساً: نتائج تحليلية أعمق
- البيروقراطيون كانوا فاعلين سياسيين لا مجرد منفذين.
- لجنة التفكيك كانت محاصرة بين مقاومة داخلية وغياب دعم سياسي واستهداف إعلامي.
- الفشل كان نتيجة تفاعل هشاشة التحالف المدني، ومقاومة الدولة العميقة، وضعف القدرات المؤسسية، وخلق شبكات تمكينية جديدة.
- عملية التفكيك ساهمت، دون قصد، في إعادة إنتاج التمكين بصيغ محدثة.
وتكشف تجربة السودان عن نمط يتكرر في دول ما بعد السلطوية: فالثورات قد تُسقط رأس النظام، لكنها لا تُسقط بالضرورة شبكات الإدارة العميقة. غير أن خصوصية الحالة السودانية تكمن في أن البيروقراطية لم تكتفِ بالمقاومة السلبية، بل أعادت تموضعها سريعاً داخل التحالف الجديد مستفيدة من هشاشته.
سابعاً: الانقلاب بوصفه ذروة المسار
لم يكن انقلاب 25 أكتوبر 2021 حدثاً معزولاً، بل نتيجة مسار من تآكل السلطة المدنية. فعندما تفشل القوى السياسية في بسط سيطرتها المؤسسية على جهاز الدولة، وفي بناء تحالف متماسك حول مشروع إصلاحي واضح، يُفتح المجال لعودة القوى الأكثر تنظيماً – أي المؤسسة العسكرية المتحالفة مع شبكات الدولة العميقة.
خلاصة تحليلية
تكشف الدراسة أن معركة الانتقال في السودان لم تكن بين مدنيين وعسكريين فقط، ولا بين ثوار وإسلاميين فحسب، بل كانت أيضاً صراعاً صامتاً داخل جهاز الدولة نفسه. وعندما لم يُحسم هذا الصراع مؤسسياً، أعادت البيروقراطية تشكيل نفسها، وتحول التفكيك إلى إعادة توزيع للنفوذ، وانتهى المسار بانقلاب أطاح بالتجربة الانتقالية.
إن الدرس الأهم الذي تقدمه هذه الدراسة هو أن إصلاح الدولة في السودان لا يمكن أن يكون إجراءً قانونياً أو إدارياً فحسب، بل هو مشروع سياسي مؤسسي طويل الأمد. فالدولة ليست أداة محايدة بيد من يحكم، بل ساحة صراع تتقاطع فيها المصالح، والشبكات، والمعرفة، والسلطة. وأي مشروع انتقالي لا يُدرك هذه الحقيقة محكوم عليه بالتآكل من الداخل قبل أن يُسقطه خصومه من الخارج.
بهذا المعنى، فإن فهم دور البيروقراطية ليس ترفاً أكاديمياً، بل شرط لازم لأي محاولة جادة لبناء دولة مدنية مستقرة في السودان.
الدراسة الأصلية يجري نشرها تباعا على أجزاء بمجلة (قضايا فكرية) اعتباراً من العدد الثامن مارس 2026 باللغة الإنجليزية وذلك اسهاماً في إشراك الجيل المتحدث بالإنجليزية في القضايا السودانية.
atifgassim@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم