لماذا لا يكفي التحليل الثقافي لتفسير السودان؟ نقد لمنهج محمد جلال هاشم وإعادة بناء تفسير متعدد العوامل لأزمات الدولة والحرب والاقتصاد والهوية
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول المقال سؤالاً مركزياً هو لماذا لا يكفي التحليل الثقافي لتفسير السودان، وينتقد المنهج الذي طوره محمد جلال هاشم منذ ثمانينيات القرن العشرين، مع إعادة بناء تفسير متعدد العوامل لأزمات الدولة والحرب والاقتصاد والهوية. يبدأ من الإقرار بأن التحليل الثقافي مهم في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لأنه يلفت النظر إلى المعاني والرموز والقيم واللغات والهويات والذاكرة والتصورات المتوارثة، وقد أسهمت مدارس متعددة في تطويره. لكن الاعتراف بأهمية الثقافة لا يعني منطقياً اعتبارها العامل الأساسي أو الأعلى تفسيراً لكل أزمة. المشكلة ليست في دراسة الثقافة أو اللغة أو الهوية أو التهميش الثقافي، بل في انتقال التحليل من القول بأن الثقافة أحد العوامل المؤثرة إلى افتراض أنها الإطار التفسيري المركزي الذي يعاد من خلاله تفسير الاقتصاد والمؤسسات والجيش والحرب والموارد والدولة والنخب والسياسة الخارجية. ويؤكد المقال أن السودان يقدم حالة قوية ضد أي تفسير أحادي، لأنه مجتمع متعدد الثقافات، ودولة ذات تاريخ طويل من الحكم العسكري وضعف المؤسسات والتفاوت الإقليمي والاقتصاد السياسي للموارد وتضخم الأجهزة الأمنية والاقتصاد غير الرسمي والصراعات على الأرض والمياه والرعي والتدخلات الإقليمية والدولية وضعف القدرة المالية والحروب الأهلية والديون والتضخم والفقر والتغير المناخي والانهيار الإداري وضعف الخدمات. لذلك يحتاج تفسير أزماته إلى نموذج سببي متعدد المستويات لا إلى عدسة ثقافية واحدة. ويستشهد المقال ببيانات اقتصادية حديثة تظهر انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنحو 29.4% في 2023 و14% إضافية في 2024، ثم نمو تقديري 3.1% في 2025 من قاعدة منخفضة، وارتفاع الفقر المدقع من 48% في 2023 إلى نحو 59% في 2025، وهبوط الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024-2025. ويضيف أن نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41% من السكان، واجهوا انعدام أمن غذائي حاد بين فبراير ومايو 2026، منهم نحو 135 ألفاً في المرحلة الخامسة، وأكثر من خمسة ملايين في المرحلة الرابعة، ونحو 14 مليوناً في المرحلة الثالثة. كما سجلت مصفوفة تتبع النزوح نحو 8.62 مليون نازح داخلياً في يوليو 2026، مقابل ذروة تجاوزت 11.5 مليون خلال 2025، مع نحو 4.93 مليون عائد. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية في 2026، وأن 21 مليوناً بحاجة إلى دعم صحي، وأن 37% من المرافق الصحية ظلت غير عاملة، مع توثيق 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ 15 أبريل 2023 حتى أبريل 2026، أسفرت عن 2052 وفاة و810 إصابات. وهذه نتائج مؤسساتية وعسكرية واقتصادية ومادية قابلة للرصد والقياس، ومن ثم فإن السؤال العلمي ليس هل للثقافة دور، بل ما مقدار ما تستطيع الثقافة تفسيره بصورة مستقلة، وما الذي لا تستطيع تفسيره، وكيف تتغير قوتها التفسيرية عند وضع المؤسسات والاقتصاد السياسي والعسكرة والموارد والديموغرافيا والبيئة والتدخلات الخارجية إلى جانبها. ويصبح التحليل الثقافي ضعيفاً ومضللاً عندما يتحول من متغير ضمن شبكة سببية إلى إطار شامل يعاد تفسير بقية المتغيرات من داخله.
في الفصل الأول، يعرض المقال كيف نشأ التحليل الثقافي ولماذا لا تكفي جذوره لتأسيس نظرية شاملة للأزمات. فقد نشأ من اعتراضات على اختزال المجتمعات في الاقتصاد أو البنية السياسية أو التطور البيولوجي. حاول تايلور دراسة الثقافة بوصفها كلاً مركباً يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات، ونقل بواس الدراسة من التصنيفات التطورية الجامدة إلى التاريخ الخاص للمجتمعات، وركز مالينوفسكي على الوظائف الاجتماعية للمؤسسات والممارسات الثقافية. ثم جعل غيرتز الثقافة شبكة من المعاني تحتاج إلى تفسير كثيف، وقدم غرامشي الهيمنة الثقافية، وأضاف بورديو الرأسمال الثقافي والرمزي وإعادة الإنتاج، وجعلت الدراسات الثقافية التمثيل والخطاب والهوية مركزية، وأدخل سعيد العلاقة بين المعرفة والسلطة والاستعمار. لكن هذه المدارس لا تقدم نظرية واحدة متجانسة، فالتحليل الرمزي يختلف عن الوظيفي، والماركسي للهيمنة يختلف عن الخطابي، والدراسات الثقافية تختلف عن الأنثروبولوجيا التاريخية، والنظريات الحديثة تؤكد أن العلاقة بين الثقافة والمؤسسات تفاعلية لا سببية أحادية. وتظهر المشكلة المنهجية الأولى في أن مصطلح الثقافة واسع إلى درجة يفقد معها قيمته التفسيرية. فإذا شملت الثقافة اللغة والدين والعادات والقيم والفنون والممارسات والمؤسسات ووسائل كسب العيش، كما في عرض هاشم لمنهجه، فإنها تصبح تقريباً مرادفاً للمجتمع نفسه. وعندما يصبح المتغير شاملاً لكل شيء يصعب تحديد ما الذي يفسره تحديداً وما الذي يقع خارج نطاقه وكيف يمكن اختبار فرضياته أو دحضها. وهذه ليست مشكلة لغوية بل مشكلة في السببية، لأن القول إن الثقافة تفسر الفقر والجيش والمؤسسات قد يتحول إلى إعادة تسمية للظاهرة بدلاً من تفسيرها. أما التفسير العلمي فيحتاج إلى متغيرات قابلة للتحديد وعلاقات سببية قابلة للاختبار وآليات واضحة وتوقعات يمكن مقارنتها بالبيانات. وقد أصبحت هذه المشكلة موضع نقاش واسع في أدبيات الاقتصاد السياسي، بين مدافع عن أهمية الثقافة ومحذر من استخدامها كمتغير متبقٍ يفسر كل ما تعجز المتغيرات الأخرى عن تفسيره. وبذلك فإن النقد العلمي للتحليل الثقافي لا يعني رفض الثقافة، بل رفض تحويلها إلى تفسير شامل غير قابل للضبط.
في الفصل الثاني، ينتقل المقال من الثقافة بوصفها عاملاً إلى الثقافة بوصفها تفسيراً لكل شيء، ويعرض حدود المنهج ومشكلاته السببية. المشكلة الثانية هي الخلط بين الارتباط والسببية. فقد نجد مجموعة تعاني من التهميش اللغوي والفقر وضعف الخدمات والنزاع المسلح في الوقت نفسه، لكن هذا لا يثبت أن الثقافة سبب الفقر أو الحرب. فقد يكون الفقر نتيجة لضعف البنية التحتية أو الحرب أو الضرائب غير الفعالة أو نهب الموارد أو غياب الأسواق أو ضعف الدولة، ثم تصبح هذه الظروف مولدة لهويات احتجاجية وثقافات سياسية جديدة. وهذه العلاقة السببية العكسية مهمة في السودان، فالدولة التي تفشل في توفير التعليم والصحة والطرق والمياه والعدالة يمكن أن تنتج إحساساً بالتهميش، وبالتالي قد تكون الثقافة السياسية والهوية الاحتجاجية نتيجة جزئية لفشل الدولة وليس العكس. ومن هنا فإن القول إن ثقافة الهامش أدت إلى الاحتجاج قد يقلب السلسلة السببية إذا لم يثبت الباحث كيف نشأت هذه الثقافة ولماذا ظهرت في وقت معين ولماذا تغيرت. وتؤكد الأدبيات المقارنة حول الحروب الأهلية أن التنوع الإثني أو الديني في حد ذاته لم يجعل البلدان أكثر عرضة للحرب الأهلية بصورة عامة بعد التحكم في الدخل والنمو، بينما ارتبط خطر الحرب بظروف أخرى مثل الفقر وضعف الدولة وعدم الاستقرار السياسي والتضاريس التي تساعد التمرد وحجم السكان. وهذا لا يعني أن الهوية غير مهمة في السودان، فالعنف في دارفور قد يتخذ أشكالاً إثنية واضحة، وقد تكون الهوية وسيلة للتعبئة والاستهداف والحشد، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير نشوء الحرب أو استمرارها. وتظهر المشكلة الثالثة في مفهوم المركز والهامش. فالمفهوم قوي كاستعارة تحليلية لوصف اختلال توزيع السلطة والثروة والخدمات، لكنه يصبح ضعيفاً عندما يتحول إلى ثنائية صلبة تختزل المجتمع إلى مركز متجانس وهامش متجانس. المركز نفسه يحتوي على طبقات ومؤسسات ومصالح متعارضة، والهامش يحتوي على نخب ومزارعين ورعاة ومدن وأرياف ونساء وشباب وجماعات مسلحة ورجال أعمال وإدارات أهلية وأحزاب ومجموعات ذات مصالح متباينة. وحتى في صياغة هاشم يظهر أن المركز والهامش ليسا مجرد موقعين جغرافيين، فقد عرضهما في أعماله المبكرة ضمن صراع ثقافي، وربط المركز بتكوين إسلاموعروبي والهامش بتكوين أفريقي، ثم طور استخدام المصطلحين في الطبعات اللاحقة. وقد ورد في نص منشور له أن المركز ليس إلا مجموعة من الصفوة المعاد إنتاجها ثقافياً وأيديولوجياً داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية عبر الأدلجة والتشكيل، وأن المركز مركز سلطوي صفوي يحتكر السلطة والثروة ويسخر الثقافة والعرق والدين والجغرافيا لتأمين مصالحه، وأن المركز مركز سلطوي والهامش هامش سلطوي. كما يقول إن مصطلحي المركز والهامش أصبحا الأكثر شيوعاً عند تحليل أوجه الصراع الثقافي والسلطوي في السودان خاصة بعد الألفية الثانية. لكن الاختبار التجريبي للسودان يكشف أن الحدود بين المركز والهامش أكثر سيولة بكثير من الصورة الثنائية. فقد خرجت حركات سياسية وعسكرية من مناطق الهامش لكنها أنتجت داخلها بدورها نخباً وقوى مسلحة ومراكز جديدة للسلطة. وظهرت نخب من مناطق خارج الخرطوم داخل الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والأحزاب والإدارة. وفي المقابل توجد داخل الخرطوم ووسط السودان فئات فقيرة ومهمشة سياسياً واقتصادياً. لذلك لا يمكن اختزال الجغرافيا في طبقة سياسية ولا الطبقة السياسية في جغرافيا. أما المشكلة الرابعة فهي الجوهرانية. عندما توصف جماعة بأنها عربية أو أفريقية أو مركزية أو هامشية يصبح هناك خطر التعامل مع هذه التصنيفات وكأنها هويات ثابتة ذات سلوك سياسي محدد. لكن الهوية في الواقع قابلة للتغير وإعادة التعريف، وتتداخل مع الطبقة والمهنة والجنس والموقع الجغرافي والمصلحة الاقتصادية والانتماء السياسي. وهذا يفسر لماذا يمكن للشخص نفسه أن يكون هامشياً ثقافياً في سياق وعضواً في نخبة اقتصادية أو عسكرية في سياق آخر، أو أن ينتقل بين هويات سياسية متعددة وفق الحوافز والمؤسسات. والمشكلة الخامسة هي صعوبة التنبؤ. فإذا كان المنهج قادراً على تفسير كل نتيجة بعد وقوعها لكنه لا يحدد بدقة متى تحدث النتيجة وأين ومن سيقودها وما الشروط اللازمة لها، فإن قوته التفسيرية تكون أقرب إلى التفسير اللاحق منها إلى النموذج السببي القابل للاختبار. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن مركز الدراسات السودانية يذكر أن هاشم ظل منذ الثمانينيات يتوقع اندلاع ثورة شعبية، وأن أعماله السابقة على ثورة ديسمبر تضمنت توقعات بشأن الثورة ومخاطرها. لكن حتى لو صح أن بعض توقعاته أصابت الواقع، فإن إصابة التوقعات لا تثبت وحدها صحة كل الآليات السببية للنظرية، إذ يجب تقييم التنبؤات الناجحة والفاشلة معاً وتحديد شروطها ومقارنة تفسيرها بتفسيرات منافسة.
في الفصل الثالث، يعرض المقال مدرسة محمد جلال هاشم؛ النشأة والمسير والمحطات الرئيسية ومجال الإسهام الحقيقي. نشأت المدرسة في سياق فكري وسياسي سوداني شهد نقاشات مكثفة حول الهوية والقومية والديمقراطية والعلاقة بين العروبة والأفريقانية. وتشير الروايات إلى أن نقاشات مؤتمر الطلاب المستقلين في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات أسهمت في بلورة الحركة الفكرية التي ارتبطت لاحقاً بما سمي مدرسة التحليل الثقافي، وأن محاضرة قدمها هاشم في جامعة الجزيرة في شتاء 1986 شكلت أساساً مبكراً لكتاب منهج التحليل الثقافي. وتصف رواية منشورة أن المحاضرة سجلت على أشرطة وتداولها طلاب جامعة الخرطوم قبل أن تتحول إلى مادة مكتوبة. ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب في 1986، ثم صدرت طبعات لاحقة في 1988 و1996 و1999، قبل أن تظهر الطبعة الثامنة عام 2018 تحت عنوان يتعلق بمشروع الدولة الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية. كما ارتبط بالمشروع كتاب منهج التحليل الثقافي: صراع الهامش ضد المركز في 2014، ثم سلسلة مفاكرات حول منهج التحليل الثقافي التي أعيد تنظيمها في طبعة ثانية عام 2021. ويذكر مركز الدراسات السودانية أن طبعة 2020-2021 جاءت منقحة ومزيدة وأن الكتاب نظم لاحقاً في ستة فصول بدلاً من مادته الأولى المتفرقة. ويعرف هاشم الثقافة تعريفاً واسعاً بوصفها كلاً مركباً يضم العادات والتقاليد والمعتقدات والفنون والممارسات والمؤسسات ووسائل كسب العيش، ويصف منهجه بأنه ينظر إلى الثقافة باعتبارها عملية جدلية وصراعاً واصطراعاً. وقد ورد هذا التعريف في نص منشور حيث يقول إن المنظور الذي من خلاله ستعالج هذه المسائل يسمى منهج التحليل الثقافي، وهو ينظر إلى الثقافة على أنها عملية جدلية أي عملية صراع واصطراع. كما ينقل هاشم تعريف تايلور للثقافة ويوسعه. وتكمن قوة هذا التعريف في أنه يمنع اختزال الثقافة في الرقص والموسيقى والعادات الشعبية، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب للمشكلة الكبرى: إذا دخلت المؤسسات ووسائل كسب العيش وكل أنشطة المجتمع في تعريف الثقافة، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الثقافة وأين يبدأ الاقتصاد أو السياسة أو علم الاجتماع أو التاريخ أو الاقتصاد السياسي. ويتمحور المشروع حول مفاهيم مترابطة: الدولة الوطنية، القومية السودانية، الهوية، الثقافة، المركز، الهامش، العروبة، الأفريقانية، الثورة، الديمقراطية، الأيديولوجيا، والاستقلالية. ويعرض هاشم في سلسلة مفاكرات العلاقة بين الثقافة والدولة والديمقراطية والاستقلالية والأيديولوجيا والأفروعُمومية، ثم يربط سؤال الهوية السوداني بالتوتر بين العروبة والأفريقانية. وقد ورد في نص منشور له الحديث عن حالة التأرجح هذه بموجب نظرية مركز الهوية وهامشها. وهنا ينبغي تسجيل إسهام حقيقي للمشروع قبل نقده: لقد ساعد على جعل قضايا الثقافة واللغة والهوية جزءاً من النقاش حول الدولة السودانية، ولم يسمح بأن تختزل مشكلة السودان في الاقتصاد أو في الانقلاب العسكري وحده. كما قدم لغة تحليلية أصبحت واسعة التداول وخاصة مفردتي المركز والهامش. لكن انتشار المفهوم لا يساوي إثباته علمياً، فالمفاهيم قد تصبح مؤثرة سياسياً وثقافياً قبل أن تصبح مثبتة تجريبياً. وهذا التمييز مهم لأن مصطلحي المركز والهامش أصبحا في الخطاب السوداني من أكثر المصطلحات شيوعاً، وقد استخدمهما هاشم في وقت مبكر ثم جرى تطويرهما عند كتاب سودانيين آخرين، ومنهم أبكر آدم إسماعيل، كما دخلت مفردات قريبة منهما في كتابات منصور خالد وعبد الغفار محمد أحمد وغيرهما. وتوضح الأدبيات السودانية أن مفهوم المركز والهامش لم يكن ملكاً فكرياً حصرياً لمدرسة واحدة، بل أصبح جزءاً من حقل أوسع من النقاش السوداني حول الدولة والهوية والسلطة. ويصف الجزء الخاص بالمنهج أن الثقافة ليست مجرد فنون وعادات وتقاليد، بل هي الكل المركب الذي يشمل نشاطات المجتمع من عادات وتقاليد ومعتقدات وفنون وممارسات ومؤسسات ووسائل كسب العيش. والمنهج لا يتعامل مع الثقافة كشيء ثابت أو منفصل عن السلطة والاقتصاد والمجتمع، بل يعتبرها عملية جدلية متعددة الأقطاب تتضمن الأطروحة والأنقوضة والأجموعة، ولا تختزل في ثنائية واحدة. والثقافة في هذا المنهج هي مصدر توليد السلطة والفضاء الذي تدور فيه وتدار، وهي التي تصنع الوعي والحياة، بينما الأيديولوجيا تصنع الوهم وتزييف الوعي. ويؤكد المنهج أن الثقافة تفاعلية ديناميكية ومتعددة المصادر، أما الأيديولوجيا فتميل إلى الأحادية والإقصاء والانغلاق. ويستخدم مفهوم محركات الثقافة لتحليل العناصر التي تتحرك داخل الحقل الثقافي وتتنازع وتتفاعل، مثل اللغة والدين والاقتصاد والقرابة والجغرافيا والبيئة والسلطة. ويقوم المنهج على التمييز الصارم بين الثقافة والأيديولوجيا، فالثقافة قابلة للحوار والتعدد والتفاعل، والأيديولوجيا وعي زائف يختطف الثقافة ويتخفى داخلها. ويصف هاشم الأيديولوجيا بأنها فيروس يعيش داخل الثقافة ويعمل على تزييف الواقع وخلق الوهم ثم ينتهي إلى تدمير الحياة. أما الثقافة فتبقى في الغالب قادرة على الصمود والتجدد والانتصار في نهاية المطاف، لأنها تصنع الحياة وتنتجها، بينما الأيديولوجيا تقتل الحياة وتشل حركتها. ويضيف المنهج أن الثقافة ليست ساكنة بل في حالة تشكل مستمر، وتتغير عبر التعليم والهجرة والمدن والإعلام والاقتصاد والحرب والتكنولوجيا. ويعتمد المنهج على مفهوم الميم بوصفه المكمل لنظرية الجين، فالميم هو وحدة الانتقال الثقافي ويؤثر في الجين ويجعل البقاء للأجمل أو للأصلح ثقافياً لا للأقوى مادياً فقط. ويشرح المنهج كيف تتشكل القوالب السلوكية من الفكرة والشكل الأدائي والنتيجة والتكرار ثم تتراكم لتنتج العادات والتقاليد والأعراف، وهي ما يسميه كيمياء الثقافة. وهذه القوالب ليست ثابتة بل تتغير وتتفاعل وتتطور وتنتقل بين المجتمعات عبر التثاقف. وفي تحليل السلطة يرى المنهج أن الدولة هي الإطار المؤسسي لتحقيق الحداثة، وأن الديمقراطية والثورة وسيلتان لتحقيق الذات الوطنية. ويستخدم مفهوم تعزيز السلطة لتحليل كيفية تحويل السلطات الفردية والقاعدية إلى سلطة سياسية مركزية ثم إعادة توزيعها في شكل خدمات وتنمية. ويؤكد أن الدولة الوطنية وفق الشروط الويستفالية تقوم على المواطنة المتساوية لا على السلالة أو المعتقد أو الوضعية الاجتماعية. ويعد مفهوم المركز والهامش من أهم أدوات المنهج. فالمركز ليس موقعاً جغرافياً فقط بل مركز سلطوي يحتكر السلطة والثروة، والهامش هامش سلطوي أيضاً. ويشرح هاشم أن المركز يستخدم الثقافة والعرق والدين والجغرافيا لتأمين مصالحه. ويضيف أن لكل هوية مركزاً وهامشاً وآخر، وأن الاعتراف بالهوية يمر عبر مركز الهوية وآخرها. ويستخدم المنهج هذا المفهوم لتحليل الصراعات السودانية مع تحذير من تحويله إلى ثنائية صلبة تختزل تعقيدات المجتمع. ويولي المنهج أهمية خاصة للفولكلور بوصفه مادة ثقافية حية، فيدرسه عبر تعريفاته المتعددة ووظائفه وسياقه ونصه وأدائه وعلاقته بالثقافة والأيديولوجيا. ويؤكد أن الفولكلور ليس مجرد موروث شعبي بل مرآة تعكس ثقافة المجتمع وتناقضاته. ويستخدم المنهج الفولكلور لتحليل الطقوس والرموز والسرديات والهوية. وينتقد المنهج الحداثة وما بعد الحداثة من منظور ثقافي، فيرى أن الحداثة ليست مجرد منتجات مادية بل بنية وعي جديدة. ويستخدم مفهوم النسبية في ما بعد الحداثة لتفكيك الأحكام المطلقة لكنه يرفض النسبية المطلقة التي تلغي القيم. ويستشرف المنهج عصر ما بعد الحداثة عبر إعادة قراءة الثقافة والدولة والديمقراطية والهوية. وأخيراً فإن المنهج في تطبيقه على السودان يقرأ الظواهر السودانية من خلال مفاهيم مثل إنسان سنار، وإنسان أمدرمان، والبديرية، والجنجويد، والأيديولوجيا الإسلالموعروبية، والهوية المأزومة، والدولة ما بعد الاستعمارية. ويخلص إلى أن الثقافة جزء مهم من تفسير السودان لكنها ليست التفسير الوحيد، لأن الاقتصاد السياسي والمؤسسات والعسكرة والبيئة والديموغرافيا والعلاقات الدولية تتفاعل معها في تشكيل الأزمات.
في الفصل الرابع، يقدم المقال نقداً لمنهج محمد جلال هاشم؛ تفكيك الأسس النظرية والمنهجية للتحليل الثقافي. يستحق المنهج نقداً منهجياً شاملاً لا يقتصر على الملاحظات المتفرقة، لأن المنهج تحول في الخطاب السوداني إلى ما يشبه المرجعية التفسيرية الشاملة. ويمكن تصنيف نقاط الضعف إلى محاور مترابطة. أولاً نقد اتساع مفهوم الثقافة وفقدانه القيمة التفسيرية. فحين تشمل الثقافة المؤسسات ووسائل كسب العيش ومجمل النشاط الاجتماعي يصبح من السهل تفسير أي ظاهرة باعتبارها ظاهرة ثقافية. وهذه مشكلة معروفة في النظريات التي تستخدم مفهوماً شاملاً دون تعريفات تشغيلية دقيقة. وقد أشار الناقد تاج السر عثمان بابو إلى أن هاشم يضيق واسعاً عندما يجعل الثقافة مرادفاً للتشكيلة الاجتماعية بكاملها، لأن التشكيلة الاجتماعية تتضمن البنية التحتية والبنية الفوقية والعلاقات الاجتماعية والطبقية، بينما الثقافة ليست سوى جزء من هذه البنية الفوقية. وهذا يعني أن المنهج يخلط بين الثقافة والمجتمع ويجعل من الصعب تحديد ما هو ثقافي وما هو غير ثقافي في أي ظاهرة. وقد حذر تاج السر عثمان من أن منهج التحليل الثقافي يعجز عن تفسير التحولات في المجتمع، عكس المفهوم المادي للتاريخ الذي يرى أن التحولات الاجتماعية في التاريخ تكمن في اقتصاد العصر المعين. فعندما يفسر هاشم كل التحولات بالعامل الثقافي فإنه يقع في النظرة الضيقة للآحادية. وهذا يعني أن المنهج لا يقدم آلية سببية واضحة بل يكتفي بإعادة تسمية الظواهر بدلاً من تفسيرها. ثانياً نقد إنكار الصراع الطبقي واستبداله بصراع الثقافات. من أبرز نقاط النقد الموجهة لمنهج هاشم إنكاره للصراع الطبقي واستبداله بصراع الثقافات. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم ينكر الصراع الطبقي ويستبدله بصراع الثقافات وصراع الإنسان ضد الإنسان بدلاً عن الصراع الطبقي، ويرسخ مبدأ الذاتية والفردية والوسطية بين الرأسمالية والاشتراكية. وهذا يعني أن المنهج يتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والإثنية. وقد ذهب تاج السر عثمان إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن نظرية منهج التحليل الثقافي الذي يركز على البعد الثقافي ويتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والأثنية تسهم في تغبيش الوعي الطبقي والسياسي للكادحين وعدم تبصيرهم بأسباب وجذور التدهور والتخلف الأساسية. وهذا يعني أن المنهج ليس مجرد منهج أكاديمي ناقص بل قد يكون له تأثير سياسي سلبي في إخفاء الأسباب الحقيقية للتخلف والصراع. ويضيف تاج السر عثمان أن هاشم ينكر وجود طبقة رأسمالية في السودان حتى الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية، وهذا الإنكار يمثل امتداداً لخطاب يرفض تحليل الصراع الطبقي في السودان. وهذا يعني أن المنهج يتجاهل البعد الطبقي ليس فقط في تحليله للثقافة بل في تحليله للاقتصاد أيضاً. ثالثاً نقد ثنائية المركز والهامش واختزالها تعقيدات المجتمع. المشكلة الثانية هي أن مفهوم المركز والهامش يميل إلى إعادة تنظيم التاريخ السوداني داخل ثنائية قوية بينما الواقع أكثر تعدداً. فالخرطوم ليست كتلة سياسية واحدة، والغرب ليس كتلة واحدة، والشمال ليس كتلة واحدة، والشرق ليس كتلة واحدة، والجنوب السابق لم يكن كتلة واحدة قبل الاستقلال. داخل كل منطقة توجد طبقات اجتماعية ونخب ومصالح وحركات وأجيال ومدن وأرياف. وقد أشار الناقد صالح حاجر داوي إلى أن هاشم يشترك مع مساهمات مهمة أخرى في نقد التراتب الاجتماعي والتهميش السياسي، لكن مساهمته تهدف إلى استعادة دور الثقافة الذي قلل من أهميته المنظور الماركسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الثقافة هي العامل الأوحد. ومع ذلك فإن المنهج في تطبيقاته العملية يميل إلى تحويل المركز والهامش من أداة وصفية إلى تصنيف شامل يختزل تعقيدات المجتمع السوداني. وقد أشار الفاتح محمد إلى أن نظرية المركز والهامش التي طرحها أبكر آدم إسماعيل قدمت في بدايتها إطاراً تحليلياً مهماً لفهم التهميش البنيوي داخل الدولة السودانية، وسعت لتفكيك البنى العميقة للصراع والتمييز. غير أن هذه النظرية رغم طابعها التحرري الظاهري حملت في بعض تأويلاتها نزعة تعميمية أقرب إلى العنصرية العكسية، حين اختزلت المركز في مكون عرقي وثقافي محدد وشيطنته بشكل جماعي بما يتعارض مع مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية. ومع مرور الوقت انزلقت من كونها أداة نقدية تحررية إلى خطاب يستخدم لتبرير تحالفات سلطوية مشبوهة. ويضيف الفاتح محمد أن تحالف بعض الحركات المسلحة مع الدعم السريع يشكل انقلاباً على القيم التي قامت من أجلها ثورات الهامش. وهذا يعني أن ثنائية المركز والهامش لم تعد قادرة على تفسير المسارات السياسية المعقدة بل أصبحت هي نفسها جزءاً من الأزمة. وقد أشار الحزب الشيوعي السوداني إلى أن النظريات التي قامت على تفسير ديني أو عنصري أو قبلي أو إثني أو ثقافي أو صراع مركز وهامش أو صراع هويات قادت البشرية إلى كوارث ونتجت عنها أنظمة صادرت حقوق الإنسان وإبادة جماعية كما حدث في بعض البلدان. وهذا يعني أن ثنائية المركز والهامش ليست مجرد منهج ناقص بل قد تكون خطراً سياسياً وأخلاقياً إذا تحولت إلى خطاب تعبوي. رابعاً نقد غياب الآلية الكمية لتحديد مقدار أثر الهوية. المشكلة الثالثة أن النموذج لا يقدم بصورة كافية آلية كمية لتحديد مقدار أثر الهوية مقارنة بالدخل أو التعليم أو الثروة أو السلاح أو الموارد. فإذا كان المركز ينتج التهميش فما المتغير الذي يقيس المركزية؟ هل هو نصيب الإقليم من الإنفاق العام؟ أم عدد الوظائف الحكومية؟ أم الإنفاق على الطرق؟ أم تمثيل السكان في الجيش؟ أم ملكية الشركات؟ أم عدد الجامعات؟ أم متوسط الدخل؟ من دون تحويل المفهوم إلى مؤشرات يصبح القياس مستحيلاً. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن تعريف الطبقة عند هاشم بأنها منظومة ثقافية تشمل النشاط الاقتصادي تعريف غير دقيق، لأن الطبقة الاجتماعية تتحدد بموقعها في الإنتاج ووعيها الطبقي ونصيبها من الثروة وليس فقط بسماتها الثقافية. خامساً نقد إعادة تفسير المصالح المادية من خلال الثقافة. المشكلة الرابعة أن المنهج قد يميل إلى إعادة تفسير المصالح المادية من خلال الثقافة بدلاً من تحليلها مباشرة. فإذا سيطر فاعل على منجم ذهب لأنه يريد الإيرادات والتمويل والسلاح فلا يكفي القول إن ذلك تعبير عن ثقافة المركز أو ثقافة الجماعة. يجب تحليل ملكية المنجم والضرائب وسلسلة التصدير والأسعار والشبكات المالية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم ينكر وجود طبقة رأسمالية في السودان حتى الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية. وقد أشار إلى أن منهج التحليل الثقافي يركز على البعد الثقافي ويتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والأثنية. وهذا يعني أن المنهج يخفي المصالح المادية التي تدفع الفاعلين إلى استخدام الخطاب الثقافي كأداة للتعبئة والشرعنة. ويزداد هذا القصور وضوحاً في تحليل الصراعات السودانية المعاصرة حيث أصبح الذهب مورداً استراتيجياً لتمويل الحرب، وارتبطت شبكات التعدين والتجارة والتهريب بفاعلين إقليميين ودوليين. ومن ثم فإن تحليل هذه الصراعات يحتاج إلى اقتصاد سياسي للموارد لا إلى تفسير ثقافي يختزل الصراع في صراع هويات. سادساً نقد الخلط بين الثقافة والنخبة والخلط بين الهوية والمصلحة. المشكلة الخامسة هي خطر الخلط بين الثقافة والنخبة. فليس كل ما تقوم به النخبة المركزية ناتجاً عن ثقافة المركز. قد تكون النخبة مدفوعة بمصلحة مالية أو أمنية أو أيديولوجية أو شخصية أو مؤسسية. وقد يتصرف شخص من الهامش وفق مصالح نخبة بينما يعارضه شخص من المركز لأسباب ديمقراطية أو اجتماعية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم يتحدث عن المثقفين وكأنهم خارج الصراع الطبقي. وهذا يعني أن المنهج يتعامل مع النخبة كفاعل موحد ومتجانس بينما الواقع أكثر تعقيداً. وهذا يعني أن تحليل سلوك النخبة لا يمكن أن يختزل في ثقافتها المزعومة بل يحتاج إلى تفكيك المصالح والموقع في بنية السلطة والاقتصاد. كما أن المنهج معرض للخلط بين الهوية والمصلحة. فقد يستخدم الفاعل خطاباً هوياتياً للحصول على الموارد أو السلطة وليس بالضرورة لأن الهوية هي السبب النهائي لسلوكه. ويمكن للمصالح الاقتصادية والمؤسساتية أن تستخدم الثقافة كوسيلة للتعبئة والشرعنة. لذلك يجب تحليل من يستفيد مادياً من الصراع ومن يملك القدرة على استخدام السلاح ومن يتحكم في الموارد ومن يحدد القواعد إلى جانب تحليل الخطاب الذي يستخدم لتبرير ذلك. سابعاً نقد ضعف المقارنة المضادة والميل إلى التعميم. المشكلة السادسة هي ضعف المقارنة المضادة. لو كانت الثقافة المركزية هي السبب الحاسم فكيف نفسر وجود مجتمعات متنوعة ثقافياً نجحت في بناء مؤسسات مستقرة نسبياً، ومجتمعات متجانسة نسبياً شهدت انهيارات وحروباً؟ ولو كانت الهوية هي العامل الحاسم فلماذا لا تتطابق نتائج البلدان ذات التركيبة الإثنية المتقاربة؟ هذا هو نوع الأسئلة الذي جعل أدبيات الحروب الأهلية تنتقل من التفسير الإثني البسيط إلى دراسة قدرة الدولة والفقر والجغرافيا والمؤسسات والحوافز. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن منهج التحليل الثقافي يعجز عن تفسير التحولات في المجتمع. وهذا يعني أن المنهج لا يقدم تفسيرات قابلة للاختبار أو للمقارنة بل يكتفي بسرد تاريخي يفسر كل شيء بعد وقوعه. وقد أشارت الأدبيات المقارنة حول الحروب الأهلية إلى أن التنوع الإثني أو الديني لا يكفي وحده لتفسير الحرب، وأن الفقر وضعف الدولة وعدم الاستقرار السياسي والجغرافيا وقدرة المتمردين على العمل عوامل مهمة في تفسير مخاطر الحرب. وهذا يعني أن المنهج الثقافي يحتاج إلى دمج هذه العوامل في تحليله وليس الاكتفاء بالعامل الثقافي وحده. ثامناً نقد تحويل النموذج من تفسير اجتماعي إلى خطاب معياري. المشكلة السابعة هي أن النموذج قد يتحول بسهولة من تفسير اجتماعي إلى خطاب معياري. فعندما توصف مجموعة بأنها مركزية وأخرى أنها هامشية يمكن أن يتحول التحليل إلى تقسيم سياسي وأخلاقي للمجتمع، وهو ما يهدد الموضوعية إذا لم يضبط بمؤشرات مستقلة. وقد حذر الناقد صالح حاجر داوي من أن قيمة الفكر تكمن في أنه يساعدنا على أن ننظم وعينا ونطور ضوابط إدارة الاختلاف في الرأي والمصلحة بعيداً عن التعصب العقائدي المؤدي للعنف وتهديد المجتمع والدولة، وهو ما ينطبق على المنهج نفسه إذا تحول إلى أيديولوجيا جديدة. وقد أشار الفاتح محمد إلى أن نظرية المركز والهامش انزلقت من كونها أداة نقدية تحررية إلى خطاب يستخدم لتبرير تحالفات سلطوية مشبوهة. وهذا يعني أن المنهج ليس محايداً بل يمكن توظيفه سياسياً لخدمة أجندات معينة. تاسعاً نقد نجاح المفردات في الخطاب العام كبديل عن الاختبار العلمي. المشكلة الثامنة أن نجاح المفردات في الخطاب العام قد يصبح بديلاً عن الاختبار العلمي. انتشار المركز والهامش في الأدبيات السياسية السودانية مهم تاريخياً لكنه لا يثبت أن المصطلح يمثل أفضل تفسير سببي. المفهوم قد يكون مفيداً كخريطة خطابية لكنه يحتاج إلى اختبار كمي ومقارن قبل تحويله إلى نظرية شاملة. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم يحاول أن يطرح منهج التحليل الثقافي بديلاً للمنهج الماركسي، وليس هناك مشكلة في ذلك، ولكن ليس على حساب تشويه المنهج الماركسي وعرضه بطريقة خاطئة، فضلاً عن أنه ينكر وجود الطبقات والصراع الطبقي ويقدم عرضاً مشوهاً للمفهوم المادي للتاريخ باعتباره منهجاً قاصراً عن دراسة الواقع. وقد أشار الحزب الشيوعي السوداني إلى أن هذه النظريات قادت البشرية إلى كوارث. وهذا يعني أن التحذير من هذا المنهج ليس تحذيراً أكاديمياً فقط بل تحذير من عواقب سياسية وأخلاقية. عاشراً نقد إغفال التغذية الراجعة والعلاقات الدائرية. المشكلة التاسعة هي أن المنهج لا يعطي وزناً كافياً للتغذية الراجعة. فالهوية قد تؤثر في المؤسسة لكن المؤسسة أيضاً تعيد إنتاج الهوية. والجيش قد يستخدم خطاباً إثنياً لكن امتلاك الجيش للسلاح والميزانية هو الذي يمنحه القدرة على تحويل الخطاب إلى قوة. والاقتصاد قد يؤثر في الثقافة والثقافة قد تؤثر في الاقتصاد. ولذلك فإن العلاقة الدائرية لا تعني أن الثقافة هي نقطة البداية دائماً. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن المنهج لا يخرج عن تلك النظريات الكبرى التي طرحها مفكرون مثل ماركس بعد إفراغها من مضمونها وتقطيع أوصالها وتشويهها، واستبدال المنهج الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في تطورها وحركتها وشمولها وتبدلها وانفتاحه على التطورات الجديدة بذهن مفتوح، بالمنهج الانتقائي الغيبي الذي ينظر للظواهر في سكونها وعزلتها عن السياق العام. وهذا يعني أن المنهج لا يقدم تفسيراً ديناميكياً للعلاقات الاجتماعية بل يقدم تفسيراً سكونياً يفتقر إلى البعد الجدلي. حادي عشر نقد ضعف التفريق بين مستويات التحليل. المشكلة العاشرة هي ضعف التفريق بين مستويات التحليل. فهناك مستوى الفرد ومستوى الجماعة ومستوى المؤسسة ومستوى الدولة ومستوى الإقليم ومستوى النظام الدولي. وما يفسر سلوك الفرد لا يفسر بالضرورة سلوك الدولة. وما يفسر الهوية المحلية لا يفسر بالضرورة قرار مؤسسة عسكرية أو دولة أجنبية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن المنهج يقدم عرضاً مشوهاً للمفهوم المادي للتاريخ باعتباره منهجاً قاصراً عن دراسة الواقع. وهذا يعني أن المنهج لا يقدم أدوات تحليلية كافية للتمييز بين هذه المستويات بل يخلط بينها في تحليل واحد. ثاني عشر نقد إغفال البعد الأفريقي والمقارن. من الملاحظات النقدية المهمة أن منهج هاشم رغم تركيزه على الهوية والثقافة لم يعط وزناً كافياً للبعد الأفريقي في تحليله للسودان. فالسودان جزء من القارة الأفريقية ويتشابه في كثير من أزماته مع دول أفريقية أخرى عانت من الاستعمار وضعف الدولة والصراعات على الموارد. ومن ثم فإن تحليل السودان يحتاج إلى منظور مقارن أفريقي لا إلى تفسير ثقافي داخلي مغلق. وقد أشارت بعض المراجعات إلى أن منهج هاشم يستخدم منهجية التحليل الثقافي التي ابتكرها يورغن هابرماس وميشيل فوكو وبيتر بيرغر وماري دوغلاس وآخرون في الثمانينيات لتفكيك الأزمة السودانية. لكن هذه المنهجية رغم أهميتها لا تقدم إطاراً مقارناً كافياً لفهم السودان في سياقه الأفريقي. ثالث عشر نقد إغفال العوامل العسكرية والمؤسسية والاقتصادية والبيئية والدولية. من أبرز نقاط القصور في منهج التحليل الثقافي أنه لا يعطي وزناً كافياً للعوامل العسكرية والمؤسسية والاقتصادية والبيئية والدولية. فتاريخ السودان الحديث حافل بالانقلابات العسكرية وضعف المؤسسات وتضخم دور الأجهزة الأمنية والاقتصاد السياسي للموارد والتفاوت التنموي والصراعات على الأرض والمياه والتدخلات الإقليمية والدولية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن المطلوب هو النظرة الشاملة التي تقود إلى مجتمع أساسه المواطنة وتتوفر فيه احتياجات الإنسان الأساسية. وهذا يعني أن المنهج الثقافي وحده لا يكفي لتفسير أزمات السودان بل يحتاج إلى منهج متعدد المستويات يدمج كل هذه العوامل. وخلاصة النقد أن منهج التحليل الثقافي لمحمد جلال هاشم يعاني من قصور منهجي متعدد المستويات. فهو يعجز عن تفسير التحولات الاجتماعية بسبب اتساع مفهوم الثقافة وإنكار الصراع الطبقي. وهو يختزل تعقيدات المجتمع السوداني في ثنائية المركز والهامش التي تحولت إلى خطاب معياري وأيديولوجي. وهو يتجاهل المصالح المادية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية. وهو يفتقر إلى المقارنة المضادة والمؤشرات القابلة للقياس. وهو لا يقدم أدوات كافية للتمييز بين مستويات التحليل المختلفة. وكل هذه العوامل تجعل منهج التحليل الثقافي أداة مفيدة لفهم بعض جوانب الواقع السوداني لكنها لا تكفي لتفسير أزماته المعقدة والمتعددة الأبعاد. وعليه فإن النقد الجذري للمنهج لا ينبغي أن يكون رفضاً للثقافة بل رفضاً لتضخيمها إلى درجة تبتلع الاقتصاد والسياسة والمؤسسات والتاريخ والبيئة.
في الفصل الخامس، يتساءل المقال أين ينجح التحليل الثقافي في السودان وأين يفشل، عبر اختبار مباشر أمام الوقائع التاريخية والسياسية. يمكن للتحليل الثقافي أن يساعد في تفسير ثلاثة أنواع من الظواهر السودانية بدرجة معقولة. أولها اللغة والتمثيل الرمزي، فاللغة ليست مجرد وسيلة اتصال وإنما قد ترتبط بالتعليم والإدارة وفرص الوصول إلى الدولة. وثانيها بناء الهوية السياسية، فالسياسيون والحركات المسلحة يستطيعون استخدام سرديات العروبة والأفريقانية والدين والجهوية لتعبئة المؤيدين. وثالثها الذاكرة التاريخية، إذ يمكن للذاكرة الجماعية للرق والعبودية والاستعمار والحروب والاستعلاء الاجتماعي أن تؤثر في الثقة بين الجماعات. لكن حتى في هذه المجالات يجب الحذر من تحويل الارتباط إلى سببية. فمثلاً لا يكفي إثبات وجود تفاوت في اللغة لكي نستنتج أن اللغة سبب مستقل للتفاوت الاقتصادي. يجب قياس التعليم والدخل والإنفاق الحكومي والبنية التحتية وسوق العمل وموقع الإقليم في شبكات التجارة والوصول إلى رأس المال، ثم معرفة ما إذا كانت اللغة تظل ذات أثر بعد التحكم في هذه العوامل. كما أن التحليل الثقافي يجد صعوبة أكبر في تفسير أحداث ذات محفزات مؤسسية مباشرة. فاندلاع حرب 15 أبريل 2023 ارتبط بصورة مباشرة بالنزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول السلطة وترتيبات الإصلاح الأمني وموعد وطريقة دمج الدعم السريع في الجيش، في سياق عملية انتقالية مدنية متعثرة. وقد سبقت الحرب خلافات على القيادة والسيطرة والإصلاح العسكري وليس مجرد خلاف حول الهوية الثقافية. بل إن الأزمة المؤسسية كانت واضحة قبل الحرب: انقلاب أكتوبر 2021 أطاح بالترتيبات الانتقالية، وتعطلت عملية بناء حكومة مدنية، وتواصلت الصراعات حول إصلاح قطاع الأمن. وتوثق الأدبيات الدولية أن السودان عانى تاريخياً من تكرار الانقلابات العسكرية، وأن الانتقال السياسي ظل عرضة للتعطيل بواسطة الفاعلين المسلحين. وهنا تظهر محدودية المنهج الثقافي بصورة حادة. فلو كانت الثقافة هي العامل المهيمن لوجب أن تفسر بصورة أفضل لماذا دخل فاعلان مسلحان من مؤسسات الدولة وشبه الدولة في حرب في أبريل 2023، ولماذا وقع الخلاف في ذلك التوقيت تحديداً، ولماذا كان موضوع الدمج العسكري محورياً، ولماذا لم تنفجر حرب مماثلة في مراحل سابقة بالصيغة نفسها. أما الاقتصاد السياسي فيقدم تفسيراً إضافياً بالغ الأهمية. فقد خلصت دراسات حديثة إلى أن التنافس على الذهب والموارد الاقتصادية كان عاملاً مهماً في انقلاب 2021 وفي الحرب اللاحقة، وأن الذهب أصبح أحد أهم مصادر تمويل الطرفين المتحاربين. وتوضح دراسة تشاتام هاوس أن الاقتصاد العسكري توسع خلال عقود، وأن القوات المسلحة والدعم السريع والأجهزة الأمنية طورت مصالح في الذهب والتجارة والشركات، وأن محاولات الحكومة الانتقالية إخضاع الشركات العسكرية للرقابة المالية وإعادة هيكلة اقتصاد التمكين اصطدمت بمصالح قوية. وفي هذا السياق فإن تفسير الحرب باعتبارها صراعاً ثقافياً بين مركز وهامش يصبح ناقصاً بصورة واضحة، لأن جانباً مهماً من الصراع يدور حول السيطرة على الدولة ومواردها ومؤسساتها ومنافذها التجارية وأصولها وشبكات الذهب والتمويل والسلاح. ولا يعني ذلك أن العامل الثقافي غائب. فالذهب نفسه يوجد في مناطق ذات تركيبات إثنية وتاريخية مختلفة، وتدخل الهوية في التعبئة والحماية والاستهداف. لكن الثقافة هنا تعمل داخل اقتصاد سياسي مسلح وليس خارجه.
في الفصل السادس، يشرح المقال لماذا تفشل العدسة الثقافية أمام الاقتصاد السياسي للسودان؛ المال والذهب والدولة والتمكين. من أكثر مواطن ضعف التحليل الثقافي عندما يستخدم لتفسير السودان أنه لا يعطي الاقتصاد السياسي الوزن الذي يتناسب مع حجم أثره المادي. فقد ظلت الدولة السودانية تعاني منذ عقود من اختلالات مالية ونقدية واقتصادية وتضخم وضعف الإيرادات واعتماد واسع على الاقتصاد غير الرسمي ومشكلات في إدارة الموارد والديون، بينما توسعت المصالح الاقتصادية للأجهزة العسكرية والأمنية. قبل الحرب كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية. فقد قدر صندوق النقد الدولي انكماش الناتج الحقيقي بنحو 2.5% في 2019، مع عجز مالي بلغ نحو 10.8% من الناتج المحلي في العام نفسه، في ظل اختلالات اقتصادية كلية وضعف القدرة التنافسية ومشكلات الحوكمة والفساد. وكانت أزمة الدين الخارجي عميقة إلى درجة أن السودان بلغ نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في 2021، مع إمكان خفض صافي القيمة الحالية للدين الخارجي بأكثر من 50 مليار دولار، أي أكثر من 90% من الدين الخارجي، إذا استكملت الشروط اللازمة. هذه الوقائع لا يمكن تفسيرها بثنائية المركز والهامش وحدها. فالدين وسعر الصرف والإيرادات والدعم والقطاع المصرفي والشركات العسكرية والتهريب والأسواق العالمية وسياسات الحكومة والعقوبات والعلاقات الدولية كلها متغيرات لها آليات مستقلة نسبياً. ويزداد ذلك وضوحاً في ملف الذهب. فوفق تشاتام هاوس يمثل الذهب مورداً أساسياً للطرفين المتحاربين، وتربط تجارة الذهب السودان بالإمارات ومصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان وغيرها، كما أصبحت شبكات التعدين والتجارة والتهريب جزءاً من اقتصاد الحرب. كما خلص مركز الدراسات المتقدمة في مجال الدفاع إلى أن القوات المسلحة والدعم السريع يعتمدان على إيرادات المعادن لتمويل العمليات، وأن تحليل سلسلة الذهب يحتاج إلى تتبع المناجم والتجارة والكيانات والشبكات المالية وليس الهوية الثقافية وحدها. وذكرت تشاتام هاوس أن الطرفين استخدما نفوذهما الأمني والسياسي لتوسيع حضورهما في الذهب، وأن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني كان يخرج عبر شبكات إقليمية، بينما أصبحت السيطرة على قطاع الذهب جزءاً من الصراع على الدولة. وهذا يغير السؤال جذرياً. بدلاً من سؤال أي ثقافة تهيمن يصبح السؤال: من يملك الموارد؟ من يسيطر على المناجم؟ من يفرض الضرائب؟ من يتحكم في التصدير؟ من يملك الشركات؟ من يملك السلاح؟ من يملك القدرة على حماية التجارة؟ ومن يستفيد من انهيار الرقابة المالية؟ هذه أسئلة أكثر قابلية للقياس. ويمكن مثلاً تتبع قيمة الذهب المصدر، وحصة الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وحجم الإيرادات، وأسماء الشركات، وشبكات الملكية، والتدفقات المصرفية، ومسارات التهريب. أما الثقافة فلا تصبح متغيراً قابلاً للاختبار إلا إذا جرى تحويلها إلى مؤشرات محددة. وتؤكد التجربة السودانية كذلك أن التمكين لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية. فقد كان نظاماً سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً شمل الملكية والوظائف والشركات والأجهزة الأمنية والموارد، ولذلك فإن تفكيكه يحتاج إلى إصلاح ملكية الشركات والمالية العامة والجهاز الإداري والقضاء والأمن، لا إلى تغيير الخطاب الثقافي فقط.
في الفصل السابع، يبين المقال أن العامل العسكري والمؤسسي يتقدم تفسيرياً على التفسير الثقافي في فهم الانقلابات والحرب. ظل الجيش لاعباً سياسياً مركزياً في السودان منذ الاستقلال. وتصف دراسات تاريخ السودان الحديث البلاد بأنها عاشت دورات متكررة من الحكم العسكري والانقلابات، بحيث أصبح الوصول إلى السلطة بالقوة ظاهرة بنيوية وليست مجرد انعكاس لخلاف ثقافي. ويؤكد تحليل كارنيغي أن الجيش السوداني عاش انقسامات داخلية متعددة، وأن نظام عمر البشير استخدم التجزئة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية للحفاظ على الولاء، ثم ظهرت لاحقاً المنافسة بين القوات المسلحة والدعم السريع، مع استمرار تأثير بقايا النظام السابق. وهذا يجعل متغير العسكرة أكثر مباشرة في تفسير السياسة السودانية من متغير ثقافي عام. فالسؤال الذي يفسر الانقلاب ليس فقط لماذا يختلف السودانيون ثقافياً، وإنما لماذا يمتلك الجيش القدرة التنظيمية والسلاح والموارد والشركات، ولماذا لا تخضع القوات المسلحة بصورة كاملة للسلطة المدنية، ولماذا توجد قوات مسلحة موازية، ولماذا فشلت محاولات الإصلاح الأمني. وفي عام 2023 تحديداً كان النزاع حول إصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة أحد المحاور المباشرة للأزمة التي انتهت إلى الحرب. ومن هنا يمكن صياغة اختبار حاسم للمنهج الثقافي: لو كان الصراع الثقافي هو العامل المركزي، فهل يستطيع النموذج أن يفسر لماذا دخلت قوتان عسكريتان في صراع على القيادة والسيطرة والموارد في 2023؟ ولماذا كان جدول الدمج العسكري وحجم القوة وسلسلة القيادة والموارد الاقتصادية وموقع كل قوة داخل الدولة عناصر حاسمة؟ إذا لم يقدم النموذج إجابات قابلة للاختبار لهذه الأسئلة فهو لا يفسر الحرب بل يقدم سياقاً ثقافياً جزئياً لها.
في الفصل الثامن، يعالج المقال الفقر واللامساواة والتنمية غير المتوازنة؛ لماذا لا يجوز تحويل النتائج الاقتصادية إلى ثقافة. يظل التفاوت الإقليمي من أهم الحقائق في تاريخ السودان، لكن تفسيره يحتاج إلى تمييز بين النتيجة وسبب النتيجة. فاختلاف مستويات التعليم والصحة والبنية التحتية والدخل بين الأقاليم لا يثبت بذاته أن ثقافة المركز هي التي أنتجته. هناك تاريخ طويل من السياسات العامة غير المتوازنة، وضعف الاستثمار في بعض المناطق، وتفاوت الوصول إلى الأسواق، والحروب التي دمرت البنية التحتية، وتوزيع غير متساوٍ للموارد العامة. كما أن طبيعة الجغرافيا والمسافات والطرق والمياه والمناخ وأنماط الاستيطان والرعي والزراعة أثرت في تكاليف تقديم الخدمات. وتوضح الأدبيات المؤسسية في الاقتصاد السياسي أن المؤسسات تحدد الحوافز والقيود التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين، وأن الاختلاف في المؤسسات يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في تفسير اختلاف التنمية. وفي الوقت نفسه لا ينبغي الوقوع في خطأ معاكس يتمثل في إلغاء الثقافة تماماً؛ فالأدبيات الحديثة تدرس بصورة متزايدة التفاعل بين الثقافة والمؤسسات لا استبدال أحدهما بالآخر. لكن في الحالة السودانية فإن وجود هذا التفاعل لا يعطي التحليل الثقافي أولوية تلقائية، بل يعني أن الثقافة يجب أن تدخل في نموذج متعدد العوامل. والأرقام الاقتصادية الحالية تؤكد ذلك. فقد قدر البنك الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 29.4% في 2023 ثم 14% في 2024، مع عودة نمو ضعيف قدره 3.1% في 2025 بسبب قاعدة الانكماش السابقة وعودة بعض السكان إلى مناطق أكثر استقراراً، بينما ظل التضخم مرتفعاً وبلغ 68% على أساس سنوي في ديسمبر 2024، وانخفضت الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج في 2024-2025. ولا يمكن أن تكون هذه الأرقام مجرد نتيجة لاختلافات ثقافية؛ فالحرب دمرت المصانع والأسواق وشبكات النقل، وأعاقت الزراعة، وأوقفت الإنتاج، وقطعت سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل، وأضعفت العملة، وخفضت الإيرادات. ولهذا فإن التحليل الثقافي الذي يبدأ من الهوية وينتهي إليها معرض لخطر تجاهل ما يمكن تسميته المحددات الصلبة للأزمة: السلاح، المال، المؤسسات، الأرض، المياه، الغذاء، البنية التحتية، الضرائب، الديون، الأسواق، التجارة، الحدود، والتمويل الخارجي.
في الفصل التاسع، يعرض المقال البيئة والديموغرافيا والنزوح والصحة؛ المجالات التي تكشف حدود التفسير الثقافي بأوضح صورة. يمثل العامل البيئي مثالاً مهماً على حدود التفسير الثقافي. فالسودان يتعرض لتقلبات كبيرة في الأمطار والجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي وارتفاع الحرارة، وهي عوامل تؤثر في الزراعة والرعي والنزوح والدخل والأمن الغذائي. وتوضح وثائق البنك الدولي أن تقلب الأمطار وتغير المناخ وتدهور الأراضي من المخاطر التي تقيد سبل العيش والاستقرار الاقتصادي في السودان. ومن ثم فإن النزاع بين الرعاة والمزارعين لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره نزاعاً ثقافياً أو إثنياً. فالهوية قد تكون وسيلة لتنظيم الأطراف، لكن الضغط على الأرض والمياه والمسارات الرعوية والتغير المناخي وانهيار الإدارة المحلية والسلاح والتهجير وسياسات الأرض كلها يمكن أن تكون عوامل سببية. والأمر نفسه ينطبق على النزوح. فقد بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 11.59 مليوناً في يناير 2025، ثم انخفض إلى 8.62 مليوناً في يوليو 2026 بسبب عودة ملايين الأشخاص، لكنه ظل أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب. كما سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سبتمبر 2026 أكثر من 11.3 مليون شخص في وضع النزوح القسري المرتبط بالأزمة، بينهم نحو 6.41 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3.68 مليون لاجئ وطالب لجوء وصلوا إلى الخارج منذ أبريل 2023، إلى جانب عائدين من اللجوء والنزوح. هذه الحركة السكانية الواسعة لا يمكن فهمها ثقافياً فقط. فالناس نزحوا بسبب القتال والقصف والقتل وانعدام الأمن وتدمير المنازل وفقدان مصادر الدخل وانهيار الخدمات والخوف من التجنيد والعنف الجنسي والمجاعة. وقد عاد بعضهم عندما تحسنت الظروف الأمنية، لا لأن الثقافة تغيرت، بل لأن تكلفة البقاء في النزوح تغيرت مقارنة بتكلفة العودة. أما الأزمة الصحية فتقدم اختباراً أكثر صرامة. ففي 2026 احتاج 21 مليون شخص إلى دعم صحي، وظلت 37% من المرافق الصحية غير عاملة، وجرى التحقق من 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ بداية الحرب حتى أبريل 2026، أدت إلى أكثر من ألفي وفاة ومئات الإصابات. وتزامنت الحرب مع تفشي الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة والتهاب الكبد الوبائي هـ والدفتيريا وغيرها، في سياق تدهور المياه والصرف الصحي والتطعيم والرقابة الوبائية. لا توجد آلية ثقافية مباشرة تستطيع بمفردها تفسير لماذا يصبح مستشفى غير عامل، أو لماذا تتوقف سلسلة الإمداد الدوائي، أو لماذا يقتل عامل صحي، أو لماذا ينتشر وباء في منطقة تضررت فيها المياه والصرف الصحي. الثقافة قد تؤثر في سلوك طلب العلاج أو الثقة في المؤسسات، لكنها ليست بديلاً عن علم الوبائيات أو اقتصاديات الصحة أو تحليل الحرب أو إدارة النظام الصحي.
في الفصل العاشر، يتناول المقال العامل الإقليمي والدولي؛ السودان ليس نظاماً ثقافياً مغلقاً. من أكبر نقاط الضعف في أي تفسير ثقافي مغلق للسودان أنه قد يتعامل مع البلد كأنه وحدة مستقلة تنتج أزماتها داخلياً. لكن السودان يقع في قلب منظومة إقليمية تشمل مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر والخليج، كما تتداخل فيه مصالح دولية مرتبطة بالذهب والموانئ والأمن والهجرة والزراعة والمياه. وتوضح تشاتام هاوس أن الذهب يربط الحرب السودانية بشبكات إقليمية من المنتجين والتجار والمهربين والحكومات، وأن مصر والإمارات تمتلكان نفوذاً مهماً في الصراع، مع اعتماد الطرفين المتحاربين بدرجات مختلفة على شبكات مالية وتجارية خارجية. كما توضح دراسة أخرى أن القوات المسلحة السودانية ترتبط تاريخياً بمصر، وأن الدعم السريع طور علاقات مهمة مع الإمارات، وأن التجارة والذهب والتدخلات الخارجية تشكل جزءاً من اقتصاد الحرب. وهذا يعني أن الحرب لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الثقافة السودانية، لأن بعض موارد الحرب وآليات تمويلها وسلاسل الإمداد فيها تتجاوز حدود السودان. كما أن الحدود الطويلة والمفتوحة نسبياً تسمح بمرور الأشخاص والأسلحة والذهب والسلع، وتربط الحرب السودانية بصراعات في تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا ومنطقة الساحل. وقد وصفت تشاتام هاوس الحرب بأنها جزء من منظومة صراعات عابرة للحدود تشمل حركة اللاجئين والجماعات المسلحة والتجارة. ومن ثم فإن النموذج التفسيري الأكثر واقعية يجب أن يضع السودان داخل شبكة إقليمية، لا أن يفسر كل شيء باعتباره صراعاً ثقافياً داخلياً.
في الفصل الحادي عشر، يقدم المقال مقارنة تفسيرية كمية وكيفية بين التحليل الثقافي وبقية أسباب أزمات السودان. لا توجد في الأدبيات المتاحة قاعدة بيانات تجريبية تسمح بإسناد نسب سببية دقيقة إلى الثقافة والاقتصاد والجيش والمؤسسات والبيئة والتدخل الخارجي بالنسبة المئوية. ولذلك فإن إعطاء أرقام مثل الثقافة تفسر 30% أو الاقتصاد يفسر 40% سيكون اختلاقاً منهجياً لا تدعمه البيانات. والمقارنة العلمية الأفضل هي استخدام مؤشرات قابلة للرصد وبيان نوع العلاقة السببية التي يستطيع كل منهج تفسيرها. عند تطبيق هذا الاختبار على الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023 نجد أن التفسير الثقافي يفسر بصورة أفضل الخلفية المتعلقة بالهوية والتمثيل والسرديات، بينما يفسر التحليل المؤسسي بصورة مباشرة مسألة انهيار الانتقال المدني وتعدد مراكز القوة، ويشرح التحليل العسكري النزاع حول القيادة والدمج وسلسلة القيادة، ويشرح الاقتصاد السياسي المنافسة على الذهب والشركات والموارد، ويشرح التحليل الإقليمي التمويل والدعم والشبكات العابرة للحدود، ويشرح التحليل البيئي بعض النزاعات على الأرض والمياه والتنقل، ويشرح التحليل الاقتصادي الانكماش والتضخم وانهيار الإنتاج والخدمات. أما من الناحية الكمية فإن الأدلة المتاحة تقدم مؤشرات قوية للغاية خارج المجال الثقافي. فهناك انكماش اقتصادي بلغ 29.4% في 2023 و14% في 2024، ونمو 3.1% في 2025 من قاعدة منخفضة؛ وارتفاع الفقر المدقع التقديري من 48% في 2023 إلى 59% في 2025؛ وانخفاض الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج في 2024-2025. وهناك أيضاً 19.5 مليون شخص في مراحل انعدام الأمن الغذائي الحاد من الثالثة إلى الخامسة في الفترة فبراير-مايو 2026، منهم 135 ألفاً في المرحلة الخامسة. وهناك 8.62 مليون نازح داخلياً في يوليو 2026، و4.93 مليون عائد. وهناك أكثر من 11.3 مليون شخص في حالة نزوح قسري وفق بيانات سبتمبر 2026. وهناك أيضاً 217 هجوماً موثقاً على الرعاية الصحية، و2052 وفاة و810 إصابات حتى أبريل 2026. وهذه الأرقام تقيس نتائج الحرب لكنها في الوقت نفسه تكشف طبيعة الأسباب: العنف المسلح، انهيار المؤسسات، تدمير البنية التحتية، ضعف التمويل، النزوح، انهيار سلاسل الإمداد، والقيود على الوصول الإنساني. وعند المقارنة النوعية فإن التحليل الثقافي يملك قدرة تفسيرية أعلى في فهم كيفية إنتاج خطاب نحن وهم، وكيف تتحول اللغة والدين والهوية إلى أدوات تعبئة، وكيف تتشكل الذاكرة السياسية، لكنه أضعف في تفسير توقيت الحرب وآليات تمويلها وحجم الانكماش الاقتصادي وحركة السكان وانهيار النظام الصحي وتوزيع الأسلحة وعلاقات الشركات وشبكات الذهب وسلوك الدول الخارجية. ومن ثم يمكن القول إن الثقافة عامل مهم لكنها ليست العامل الذي ينبغي أن يبتلع بقية العوامل. وكلما اقترب السؤال من الأحداث المادية القابلة للقياس تراجعت قدرة التفسير الثقافي الأحادي وزادت أهمية الاقتصاد السياسي والمؤسسات والأمن والبيئة والعوامل الدولية.
في الفصل الثاني عشر، ينتقل المقال من التحليل الثقافي الأحادي إلى منهج سوداني متعدد العوامل؛ ما الذي ينبغي فعله عملياً؟ الدرس الأول للسودان هو ضرورة الانتقال من منهج التحليل الثقافي إلى منهج التحليل متعدد المستويات. الثقافة تدخل فيه ولكن إلى جانب المؤسسات والاقتصاد السياسي والعسكرة والديموغرافيا والبيئة والعلاقات الدولية. ويبدأ هذا المنهج بتحديد المشكلة بدقة. فإذا كانت المشكلة حرباً يجب البدء بتحديد الأطراف المسلحة وسلسلة القيادة والموارد ومصادر التمويل والانتشار الجغرافي والتحالفات والمصالح والحوافز، ثم تحليل الهوية والخطاب باعتبارهما جزءاً من عملية التعبئة والشرعنة. وإذا كانت المشكلة تهميشاً إقليمياً يجب قياس الإنفاق الحكومي للفرد وعدد المدارس والمستشفيات ونسب الفقر والطرق والكهرباء والمياه وفرص العمل والتمثيل السياسي والعسكري وحيازة الأرض قبل استنتاج أن السبب ثقافي. وإذا كانت المشكلة هوية يجب إجراء دراسات اجتماعية تجريبية تقيس كيف يعرف السودانيون أنفسهم فعلياً وكيف تتغير هويتهم حسب العمر والتعليم والمكان والطبقة والنوع الاجتماعي والحضر والريف، بدلاً من افتراض وجود هوية ثابتة. وإذا كانت المشكلة النزاع الأهلي ينبغي جمع بيانات عن الحوادث والأسلحة والموارد والأراضي والأمطار والهجرة وأسعار السلع والطرق والنزوح والقيادة المحلية والخطاب الإعلامي. ويمكن استخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وتحليل الشبكات والتحليل النصي والمسوح الأسرية ودراسات الحالات والمقابلات النوعية. وهنا يمكن الاحتفاظ بأفضل ما في التحليل الثقافي مثل دراسة الخطاب والرموز واللغة والذاكرة، لكن وضعه داخل تصميم بحثي أقوى. وفي بناء الدولة بعد الحرب ينبغي أن تتحول الدروس إلى سياسات قابلة للقياس. فالاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي مهم لكن يجب أن يتحول إلى سياسات تعليم وإعلام وخدمة مدنية. وإصلاح المناهج مهم لكنه يجب أن يستند إلى تاريخ موثق ومناهج نقدية لا إلى استبدال سردية مركزية بسردية مضادة. واللامركزية مهمة لكنها لا تعني فقط نقل الخطاب من المركز إلى الأقاليم؛ بل تتطلب تحويل الموارد والصلاحيات والرقابة إلى مؤسسات محلية قابلة للمساءلة. والعدالة التنموية ينبغي أن تقاس بمؤشرات واضحة: الإنفاق للفرد، وفيات الأطفال، تغطية التطعيم، سنوات التعليم، الوصول إلى المياه والكهرباء، الطرق، الدخل، فرص العمل، والإنتاج الزراعي. أما العدالة الثقافية فينبغي أن تقاس بتمثيل اللغات في التعليم والإعلام، وحقوق الجماعات في ممارسة ثقافاتها، وتمثيل المناطق في مؤسسات الدولة، وعدم التمييز. وفي إصلاح القطاع الأمني يجب عدم استبدال المشكلة الأمنية بتفسير ثقافي. الحرب أثبتت أن تعدد القوات المسلحة يمثل مشكلة مؤسسية مباشرة. لذلك ينبغي أن يكون الهدف هو وجود مؤسسة عسكرية وطنية واحدة خاضعة للسلطة المدنية والقانون، مع ترتيبات واضحة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمساءلة، وأن يكون إصلاح الاقتصاد العسكري جزءاً من الإصلاح السياسي. وفي مجال الاقتصاد السياسي يجب إخضاع الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية للشفافية والتدقيق والموازنة العامة، وإنشاء قواعد واضحة لملكية الموارد الطبيعية والذهب، وتتبع سلاسل التصدير، ومنع تمويل الحرب من الموارد الطبيعية. وتؤكد الدراسات الحديثة حول الذهب أن التحكم في هذا القطاع ليس مسألة اقتصادية فحسب بل عنصر من عناصر بنية الحرب نفسها. وفي مجال التنمية يجب استعادة القدرة المالية للدولة. فهبوط الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج المحلي في 2024-2025 يوضح أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح من خلال الخطاب السياسي وحده. ولا بد من إصلاح الضرائب والجمارك والجهاز المصرفي والإنفاق العام والديون. وفي الأمن الغذائي ينبغي الانتقال من معالجة الطوارئ فقط إلى إعادة بناء الزراعة والري والأسواق وسلاسل الإمداد. فوجود 19.5 مليون شخص في المرحلة الثالثة أو أسوأ خلال الأشهر الأولى من 2026 يدل على أن المشكلة ليست ثقافية بل أزمة إنتاج ووصول وأمن وأسعار وخدمات وصحة. وفي الصحة ينبغي إعادة بناء النظام الصحي باعتباره بنية دولة. فوجود 37% من المرافق الصحية غير عاملة وتوثيق أكثر من ألفي وفاة مرتبطة بالهجمات على الرعاية الصحية حتى أبريل 2026 يوضح أن إعادة الإعمار الصحي يجب أن تشمل المنشآت والعاملين والإمداد والتمويل والمعلومات والترصد الوبائي والحماية القانونية. وفي التعامل مع النزوح يجب عدم الخلط بين النزوح وفقدان السكان. فقد انخفض عدد النازحين داخلياً من ذروة تجاوزت 11.5 مليون إلى نحو 8.62 مليون في يوليو 2026، لكن ذلك يعكس جزئياً عودة ملايين الأشخاص وليس اختفاء السكان. وهذا مثال واضح على ضرورة أن يكون التحليل الديموغرافي قائماً على البيانات لا على الانطباعات الثقافية. وفي إدارة التنوع ينبغي كذلك تجنب إعادة إنتاج ثنائية العرب مقابل الأفارقة أو المركز مقابل الهامش باعتبارها خريطة نهائية للمجتمع. المطلوب هو الانتقال إلى مفهوم المواطنة المتساوية مع الاعتراف بالتعدد، من دون تحويل التعدد إلى نظام ثابت من الجماعات السياسية. أما الثقافة نفسها فينبغي أن تعامل بوصفها متغيراً ديناميكياً. فالثقافة ليست سجيناً للماضي؛ إنها تتغير عبر التعليم والهجرة والمدن والإعلام والاقتصاد والحرب والتكنولوجيا. وتؤكد الأدبيات الحديثة أن السمات الثقافية قد يعاد ربطها وإعادة تفسيرها بسرعة عندما تتغير المؤسسات والتوازنات السياسية. وهذا يقود إلى درس مهم: لا ينبغي أن تسأل الدولة السودانية كيف نغير ثقافة السودانيين، بل كيف نبني مؤسسات تجعل التعاون والمواطنة وسيادة القانون والمساءلة أكثر منفعة وأقل تكلفة من العنف والمحسوبية. فالمؤسسات تستطيع تغيير الحوافز، وتستطيع الحوافز بمرور الزمن تغيير السلوك، ويمكن للسلوك الجديد أن يغير الثقافة السياسية نفسها.
وفي الخاتمة النقدية، يؤكد المقال أن الثقافة جزء من تفسير السودان وليست تفسير السودان. تكشف المراجعة التاريخية والنظرية والتجريبية أن التحليل الثقافي قدم إسهاماً حقيقياً في توسيع مجال النظر إلى السودان، خصوصاً في موضوعات الهوية واللغة والتمثيل والرموز والذاكرة والتهميش. كما أن مشروع محمد جلال هاشم كان مهماً في تاريخ الفكر السوداني لأنه جعل هذه الموضوعات جزءاً مركزياً من النقاش حول الدولة الوطنية والقومية السودانية والديمقراطية والثورة، وطور منذ 1986 مفردات أصبحت شديدة الحضور في الخطاب السوداني وفي مقدمتها المركز والهامش. لكن أهمية المشروع الفكرية لا تكفي لإثبات كفايته العلمية. فالتحليل الثقافي يعاني عندما يجعل الثقافة مفهوماً واسعاً يشمل تقريباً كل النشاط الاجتماعي، وعندما يحول المركز والهامش من مفهوم تحليلي مرن إلى ثنائية تفسيرية شاملة، وعندما لا يميز بصورة صارمة بين الارتباط والسببية، وعندما لا يقدم قياسات واضحة لحجم الأثر الثقافي مقارنة بالاقتصاد والمؤسسات والعسكرة والبيئة والعلاقات الدولية. والأدلة السودانية الحديثة تجعل هذا القصور أكثر وضوحاً. فالحرب الحالية اندلعت في سياق صراع مؤسسي وعسكري على السلطة وإصلاح القطاع الأمني، بينما كان الاقتصاد السياسي للذهب والموارد جزءاً مهماً من المنافسة، وتدخلت الشبكات الإقليمية في التمويل والتجارة، وانكمش الاقتصاد بنسب غير مسبوقة، وتراجع الإيراد الحكومي، وانهارت الخدمات، ونزح ملايين السكان، ووصل انعدام الأمن الغذائي إلى 19.5 مليون شخص، وأصيب النظام الصحي بأضرار واسعة. ولهذا فإن التفسير الثقافي الأحادي لا يستطيع أن يحمل العبء التفسيري الكامل للأزمة السودانية. إنه يشرح جزءاً من الصورة، وفي بعض الأسئلة يشرح جزءاً مهماً، لكنه يصبح مضللاً عندما يقدم نفسه باعتباره المفتاح العام الذي يفسر الدولة والحرب والاقتصاد والجيش والتنمية. والدرس الأكثر واقعية ليس إلغاء الثقافة، لأن ذلك سيكون خطأً منهجياً معاكساً، وإنما إخراجها من موقع التفسير الأعلى ووضعها في مكانها الصحيح داخل نموذج متعدد العوامل. الثقافة تؤثر في المؤسسات، والمؤسسات تؤثر في الثقافة؛ الاقتصاد يؤثر في الهوية، والهوية تؤثر في الاقتصاد؛ الحرب تغير الثقافة، والثقافة يمكن أن تستخدم لتعبئة الحرب؛ البيئة تؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يغير البيئة؛ والدولة تشكل المجتمع، لكن المجتمع يستطيع إعادة تشكيل الدولة. وبذلك يصبح التحليل الأنسب للسودان هو تحليل سببي متعدد المستويات يجمع التاريخ السياسي، والاقتصاد السياسي، والمؤسسات، والعسكرة، والموارد الطبيعية، والديموغرافيا، والبيئة، والهوية، والخطاب، والعلاقات الدولية، مع إعطاء كل عامل وزنه بناءً على الأدلة لا بناءً على جاذبية النظرية. والقاعدة المنهجية الحاسمة هي أن الثقافة ينبغي أن تفسر ما تستطيع البيانات إثبات قدرتها على تفسيره، لا أن تصبح اسماً آخر لكل ما لا نعرف كيف نفسره. فإذا كان الهدف هو بناء السودان، فإن المطلوب ليس تغيير العقل السوداني أولاً، وإنما بناء مؤسسات عادلة وفعالة، وإنهاء اقتصاد الحرب، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة بناء المالية العامة، وتوزيع التنمية والخدمات بصورة عادلة، وإدارة الأرض والموارد، وحماية التنوع اللغوي والثقافي، وإقامة دولة مواطنة وسيادة قانون. وبعد ذلك يمكن دراسة كيف تتغير الثقافة السياسية نتيجة لهذه التحولات. وهذا هو الدرس العملي الأهم: لا يمكن بناء سلام مستدام في السودان بتغيير السرديات وحدها، ولا بإعادة كتابة الهوية وحدها، ولا بإدانة المركز أو تمجيد الهامش، ولا باستبدال ثقافة مهيمنة بثقافة مضادة. السلام يحتاج إلى مؤسسات، والديمقراطية تحتاج إلى قواعد، والتنمية تحتاج إلى موارد وإدارة، والجيش يحتاج إلى قيادة مدنية، والعدالة تحتاج إلى قضاء، والاقتصاد يحتاج إلى شفافية، والصحة تحتاج إلى نظام صحي، والغذاء يحتاج إلى إنتاج وأسواق ووصول، وإدارة التنوع تحتاج إلى مواطنة متساوية. أما الثقافة فتبقى عاملاً مهماً داخل هذه المنظومة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عنها.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: من تفسير الثقافة للأزمة إلى تفسير الأزمة بالثقافة
أصبح التحليل الثقافي واحداً من المناهج المهمة في العلوم الاجتماعية والإنسانية، لأنه ينبه إلى أن البشر لا يتصرفون وفق المصالح المادية والمؤسسات الرسمية وحدها، وإنما يتحركون أيضاً داخل منظومات من المعاني والرموز والقيم واللغات والهويات والذاكرة والتصورات المتوارثة. وقد أسهمت أعمال إدوارد تايلور وفرانز بواس وبرونيسلاف مالينوفسكي وكليفورد غيرتز وأنطونيو غرامشي وبيير بورديو وستيوارت هول وإدوارد سعيد وغيرهم في تطوير طرق مختلفة لفهم الثقافة بوصفها منتجاً اجتماعياً وآلية لإنتاج المعنى والسلطة والهوية (Tylor, 1871؛ Boas, 1911؛ Malinowski, 1922؛ Geertz, 1973؛ Gramsci, 1971؛ Bourdieu, 1986؛ Hall, 1997؛ Said, 1978).
لكن الاعتراف بأن الثقافة مهمة لا يؤدي منطقياً إلى اعتبارها العامل الأساسي أو الأعلى تفسيراً لكل أزمة اجتماعية أو سياسية. وهذه هي النقطة المركزية التي ينطلق منها هذا المقال في نقد منهج التحليل الثقافي عموماً وفي السودان خصوصاً، مع التركيز على الصيغة التي طورها الدكتور محمد جلال هاشم منذ ثمانينيات القرن العشرين. فالمشكلة ليست في دراسة الثقافة، ولا في دراسة اللغة أو الهوية أو الرموز أو التهميش الثقافي، بل في انتقال التحليل من القول المعقول بأن الثقافة أحد العوامل المؤثرة إلى افتراض أن الثقافة يمكن أن تصبح الإطار التفسيري المركزي الذي يعاد من خلاله تفسير الاقتصاد والمؤسسات والجيش والحرب والموارد والدولة والنخب والسياسة الخارجية.
وتزداد أهمية هذا النقد في الحالة السودانية لأن السودان يقدم حالة تجريبية قوية ضد أي تفسير أحادي. فالسودان ليس فقط مجتمعاً متعدد الثقافات، بل هو أيضاً دولة ذات تاريخ طويل من الحكم العسكري، وضعف المؤسسات، والتفاوت الإقليمي، والاقتصاد السياسي للموارد، وتضخم دور الأجهزة الأمنية والعسكرية، والاقتصاد غير الرسمي، والصراعات على الأرض والمياه والرعي، والتدخلات الإقليمية والدولية، وضعف القدرة المالية للدولة، والحروب الأهلية، والديون، والتضخم، والفقر، والتغير المناخي، والانهيار الإداري، وضعف الخدمات العامة. ولذلك فإن تفسير أزمات السودان يحتاج إلى نموذج سببي متعدد المستويات، لا إلى عدسة ثقافية واحدة.
وتوضح البيانات الاقتصادية الحديثة حجم المشكلة. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي للسودان بنحو 29.4% في 2023 وبنحو 14% إضافية في 2024، قبل أن يسجل نمواً تقديرياً قدره 3.1% في 2025 من قاعدة منخفضة للغاية. كما ارتفع تقدير الفقر المدقع من 48% في 2023 إلى نحو 59% في 2025، بينما هبطت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025 (World Bank, 2026). وهذه أرقام لا يمكن تفسيرها تفسيراً مقنعاً بمجرد الحديث عن الهوية أو الثقافة أو العلاقة بين المركز والهامش.
وبالمثل، فإن نحو 19.5 مليون سوداني، أي قرابة 41% من السكان، واجهوا مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد بين فبراير ومايو 2026، منهم نحو 135 ألفاً في المرحلة الخامسة، وأكثر من خمسة ملايين في المرحلة الرابعة، ونحو 14 مليوناً في المرحلة الثالثة وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC, 2026). كما سجلت مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة نحو 8.62 مليون نازح داخلياً في يوليو 2026، مقابل ذروة تجاوزت 11.5 مليون خلال 2025، مع تسجيل نحو 4.93 مليون عائد إلى مناطقهم حتى يوليو 2026 (IOM, 2026).
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 33.7 مليون شخص كانوا بحاجة إلى مساعدات إنسانية في 2026، وأن 21 مليوناً بحاجة إلى دعم صحي، وأن 37% من المرافق الصحية ظلت غير عاملة، مع توثيق 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ 15 أبريل 2023 حتى أبريل 2026، أسفرت عن 2052 وفاة و810 إصابات (WHO, 2026). وهذه النتائج لا تمثل مجرد “تعبيرات ثقافية”؛ إنها نتائج مؤسساتية وعسكرية واقتصادية ومادية قابلة للرصد والقياس.
ومن ثم فإن السؤال العلمي ليس: هل للثقافة دور في أزمة السودان؟ فالجواب نعم. السؤال الأدق هو: ما مقدار ما تستطيع الثقافة تفسيره بصورة مستقلة؟ وما الذي لا تستطيع تفسيره؟ وكيف تتغير قوة تفسيرها عندما نضع إلى جانبها المؤسسات والاقتصاد السياسي والعسكرة والموارد والديموغرافيا والبيئة والتدخلات الخارجية؟ هذا المقال يجادل بأن التحليل الثقافي يصبح ضعيفاً ومضللاً عندما يتحول من متغير ضمن شبكة سببية إلى إطار شامل يعاد تفسير بقية المتغيرات من داخله.
الفصل الأول: كيف نشأ التحليل الثقافي، ولماذا لا تكفي جذوره لتأسيس نظرية شاملة للأزمات
نشأ التحليل الثقافي الحديث من اعتراضات مهمة على النظرة التي اختزلت المجتمعات في الاقتصاد أو البنية السياسية أو التطور البيولوجي. فقد حاول تايلور دراسة الثقافة بوصفها “كلاً مركباً” يضم المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقانون والعادات وغيرها، بينما نقل بواس دراسة الثقافة من التصنيفات التطورية الجامدة إلى دراسة التاريخ الخاص للمجتمعات، وركز مالينوفسكي على الوظائف الاجتماعية للمؤسسات والممارسات الثقافية (Tylor, 1871؛ Boas, 1911؛ Malinowski, 1922).
ثم جاء غيرتز ليجعل الثقافة شبكة من المعاني التي يحتاج الباحث إلى تفسيرها تفسيراً كثيفاً، وليس مجرد عدّها أو تصنيفها (Geertz, 1973). وقدم غرامشي مفهوم الهيمنة الثقافية لتفسير كيف تستطيع الطبقات المهيمنة إنتاج القبول والشرعية وليس مجرد استخدام القسر (Gramsci, 1971). وأضاف بورديو مفاهيم الرأسمال الثقافي والرمزي وإعادة الإنتاج، موضحاً كيف يمكن للمدرسة واللغة والذوق والمعرفة أن تتحول إلى موارد غير متساوية (Bourdieu, 1986). وفي الدراسات الثقافية الحديثة أصبح تحليل التمثيل والخطاب والهوية مركزياً لدى ستيوارت هول، كما أدخل سعيد العلاقة بين المعرفة والسلطة والاستعمار إلى صلب تحليل الثقافة (Hall, 1997؛ Said, 1978).
غير أن هذه المدارس لا تقدم نظرية واحدة متجانسة تسمح بإسناد كل تفسير إلى الثقافة. فالتحليل الرمزي يختلف عن التحليل الوظيفي، والتحليل الماركسي للهيمنة يختلف عن التحليل الخطابي، والدراسات الثقافية تختلف عن الأنثروبولوجيا التاريخية، والنظريات الحديثة للثقافة والمؤسسات تؤكد بصورة متزايدة أن العلاقة بين الثقافة والمؤسسات علاقة تفاعلية وليست علاقة سببية أحادية الاتجاه (Acemoglu & Robinson, 2025).
وهنا تظهر المشكلة المنهجية الأولى: مصطلح “الثقافة” واسع إلى درجة قد يفقد معها قيمته التفسيرية. فإذا شملت الثقافة اللغة والدين والعادات والقيم والفنون والممارسات والمؤسسات وحتى وسائل كسب العيش، كما يوضح محمد جلال هاشم في عرضه لمنهجه، فإن الثقافة تصبح تقريباً مرادفاً للمجتمع نفسه (هاشم، 2020). وعندما يصبح المتغير شاملاً لكل شيء، يصبح من الصعب تحديد ما الذي يفسره تحديداً، وما الذي يقع خارج نطاقه، وكيف يمكن اختبار فرضياته أو دحضها.
هذه ليست مشكلة لغوية بسيطة، بل مشكلة في السببية. فإذا كان الفقر ثقافة، والمؤسسة ثقافة، والجيش ثقافة، واللغة ثقافة، والدين ثقافة، والاقتصاد ثقافة، فإن القول إن “الثقافة تفسر الفقر والجيش والمؤسسات” قد يتحول إلى إعادة تسمية للظاهرة بدلاً من تفسيرها. أما التفسير العلمي فيحتاج إلى متغيرات قابلة للتحديد، وعلاقات سببية قابلة للاختبار، وآليات واضحة، وتوقعات يمكن مقارنة تحققها بالبيانات.
وقد أصبحت هذه المشكلة موضع نقاش واسع في أدبيات الاقتصاد السياسي. فبعض الباحثين يدافعون عن أهمية الثقافة ويرون أن إقصاءها يضعف التفسير، بينما يحذر آخرون من استخدام “الثقافة” كمتغير متبقٍ يفسر كل ما تعجز المتغيرات الأخرى عن تفسيره (Dzionek-Kozlowska & Matera, 2021؛ Ensley & Munger, 2001).
وبذلك فإن النقد العلمي للتحليل الثقافي لا يعني رفض الثقافة، بل رفض تحويلها إلى تفسير شامل غير قابل للضبط.
الفصل الثاني: من الثقافة بوصفها عاملاً إلى الثقافة بوصفها تفسيراً لكل شيء؛ حدود المنهج ومشكلاته السببية
المشكلة الثانية هي الخلط بين الارتباط والسببية. قد نجد أن مجموعة ما تعاني من التهميش اللغوي، وفي الوقت نفسه تعاني من الفقر أو ضعف الخدمات أو النزاع المسلح. لكن هذا لا يثبت أن الثقافة هي سبب الفقر أو الحرب. فقد يكون الفقر نتيجة لضعف البنية التحتية، أو الحرب، أو الضرائب غير الفعالة، أو نهب الموارد، أو غياب الأسواق، أو ضعف الدولة، ثم تصبح هذه الظروف نفسها مولدةً لهويات احتجاجية وثقافات سياسية جديدة.
وهذه العلاقة السببية العكسية مهمة جداً في السودان. فالدولة التي تفشل في توفير التعليم والصحة والطرق والمياه والعدالة يمكن أن تنتج إحساساً بالتهميش؛ وبالتالي قد تكون الثقافة السياسية والهوية الاحتجاجية نتيجة جزئية لفشل الدولة، وليس العكس. ومن هنا فإن القول إن “ثقافة الهامش” أدت إلى الاحتجاج قد يقلب السلسلة السببية إذا لم يثبت الباحث كيف نشأت هذه الثقافة ولماذا ظهرت في وقت معين ولماذا اختفت أو تغيرت في أوقات أخرى.
وتؤكد الأدبيات المقارنة حول الحروب الأهلية هذه المشكلة. فقد وجد فيرون ولايتن، في دراسة كمية واسعة، أنه بعد التحكم في مستوى الدخل والنمو فإن التنوع الإثني أو الديني في حد ذاته لم يجعل البلدان أكثر عرضة للحرب الأهلية بصورة عامة، بينما ارتبط خطر الحرب بظروف أخرى مثل الفقر، وضعف الدولة، وعدم الاستقرار السياسي، والتضاريس التي تساعد التمرد، وحجم السكان (Fearon & Laitin, 2003).
وهذه النتيجة لا تعني أن الهوية غير مهمة في السودان؛ فالعنف في دارفور، مثلاً، قد يتخذ أشكالاً إثنية واضحة، وقد تكون الهوية وسيلة للتعبئة والاستهداف والحشد. لكنها تعني أن الهوية لا تكفي وحدها لتفسير نشوء الحرب أو استمرارها.
وتظهر المشكلة الثالثة في مفهوم “المركز والهامش”. فالمفهوم قوي بوصفه استعارة تحليلية لوصف اختلال توزيع السلطة والثروة والخدمات، لكنه يصبح ضعيفاً عندما يتحول إلى ثنائية صلبة تختزل المجتمع إلى مركز متجانس وهامش متجانس. المركز نفسه يحتوي على طبقات ومؤسسات ومصالح متعارضة، والهامش يحتوي على نخب ومزارعين ورعاة ومدن وأرياف ونساء وشباب وجماعات مسلحة ورجال أعمال وإدارات أهلية وأحزاب ومجموعات ذات مصالح متباينة.
وحتى في صياغة هاشم نفسه، يظهر أن “المركز” و”الهامش” ليسا مجرد موقعين جغرافيين. فقد عرض في أعماله المبكرة المركز والهامش ضمن صراع ثقافي، وربط المركز بتكوين إسلاموعروبي والهامش بتكوين أفريقي، ثم طور استخدام المصطلحين في الطبعات اللاحقة (هاشم، 1986؛ هاشم، 1999). وقد ورد في نص منشور له: “المركز ليس إلا مجموعة من الصفوة المعاد إنتاجها ثقافيًا-ومن ثم أيديولوجيا-داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية عبر عمليّة من الأدلجة والتشكيل… فالمركز مركز سلطوي صفوي يحتكر السلطة والثروة، وفي سبيل تأمين مصالحه يسخّر الثقافة والعرق والدين والجغرافيا” (هاشم، 2022). كما يقول: “فالمركز مركز سلطوي والهامش هامش سلطوي” (هاشم، 2022). ويضيف: “يجوز القول بأن مصطلحي (المركز) centre و(الهامش) Margin أصبحا الأكثر شيوعاعند تحليل أوجه الصراع الثقافي والسلطوي في السودان، خاصة بعد الألفية الثانية” (هاشم، 2022). كما يوضح عرض تاريخ المدرسة أن الطبعة الأولى ظهرت في 1986، وأن الطبعات اللاحقة وسعت المفاهيم، ثم ظهر كتاب مستقل عن صراع الهامش والمركز في 2014، قبل إعادة نشر وتوسيع المشروع في مؤلفات لاحقة (هاشم، 2014؛ هاشم، 2018).
لكن الاختبار التجريبي للسودان يكشف أن الحدود بين المركز والهامش أكثر سيولة بكثير من الصورة الثنائية. فقد خرجت حركات سياسية وعسكرية من مناطق الهامش، لكنها أنتجت داخلها بدورها نخباً وقوى مسلحة ومراكز جديدة للسلطة. كما ظهرت نخب من مناطق خارج الخرطوم داخل الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والأحزاب والإدارة. وفي المقابل توجد داخل الخرطوم ووسط السودان فئات فقيرة ومهمشة سياسياً واقتصادياً. لذلك لا يمكن اختزال الجغرافيا في طبقة سياسية، ولا اختزال الطبقة السياسية في جغرافيا.
أما المشكلة الرابعة فهي الجوهرانية. عندما توصف جماعة بأنها “عربية” أو “أفريقية” أو “مركزية” أو “هامشية”، يصبح هناك خطر التعامل مع هذه التصنيفات وكأنها هويات ثابتة ذات سلوك سياسي محدد. لكن الهوية في الواقع السياسي والاجتماعي قابلة للتغير وإعادة التعريف، وتتداخل مع الطبقة والمهنة والجنس والموقع الجغرافي والمصلحة الاقتصادية والانتماء السياسي (Brubaker, 2004).
وهذا يفسر لماذا يمكن للشخص نفسه أن يكون “هامشياً” ثقافياً في سياق، وعضواً في نخبة اقتصادية أو عسكرية في سياق آخر، أو أن ينتقل بين هويات سياسية متعددة وفق الحوافز والمؤسسات.
المشكلة الخامسة هي صعوبة التنبؤ. إذا كان المنهج قادراً على تفسير كل نتيجة بعد وقوعها، لكنه لا يحدد بدقة متى تحدث النتيجة، وأين، ومن سيقودها، وما الشروط اللازمة لها، فإن قوته التفسيرية تكون أقرب إلى التفسير اللاحق منها إلى النموذج السببي القابل للاختبار.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن مركز الدراسات السودانية يذكر أن هاشم ظل منذ الثمانينيات يتوقع اندلاع ثورة شعبية، وأن أعماله السابقة على ثورة ديسمبر تضمنت توقعات بشأن الثورة ومخاطرها (هاشم، 2020). لكن حتى لو صح أن بعض توقعاته أصابت الواقع، فإن إصابة التوقعات لا تثبت وحدها صحة كل الآليات السببية للنظرية؛ إذ يجب تقييم التنبؤات الناجحة والفاشلة معاً، وتحديد شروطها، ومقارنة تفسيرها بتفسيرات منافسة.
الفصل الثالث: مدرسة محمد جلال هاشم؛ النشأة والمسير والمحطات الرئيسية ومجال الإسهام الحقيقي
نشأت مدرسة التحليل الثقافي المرتبطة بمحمد جلال هاشم في سياق فكري وسياسي سوداني شهد نقاشات مكثفة حول الهوية والقومية والديمقراطية والعلاقة بين العروبة والأفريقانية. وتشير الروايات المتاحة إلى أن نقاشات مؤتمر الطلاب المستقلين في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات أسهمت في بلورة الحركة الفكرية التي ارتبطت لاحقاً بما سمي مدرسة التحليل الثقافي، وأن محاضرة قدمها هاشم في جامعة الجزيرة في شتاء 1986 شكلت أساساً مبكراً لكتاب “منهج التحليل الثقافي” (هاشم، 1986). وتصف رواية منشورة عن التجربة أن المحاضرة سُجلت على أشرطة وتداولها طلاب جامعة الخرطوم، قبل أن تتحول إلى مادة مكتوبة (هاشم، 1986).
ظهرت الطبعة الأولى من الكتاب في 1986، ثم صدرت طبعات لاحقة في 1988 و1996 و1999، قبل أن تظهر الطبعة الثامنة عام 2018 تحت عنوان يتعلق بمشروع الدولة الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية (هاشم، 1986؛ هاشم، 1999؛ هاشم، 2018). كما ارتبط بالمشروع كتاب “منهج التحليل الثقافي: صراع الهامش ضد المركز” في 2014، ثم سلسلة “مفاكرات حول منهج التحليل الثقافي” التي أعيد تنظيمها في طبعة ثانية عام 2021 (هاشم، 2014؛ هاشم، 2021). ويذكر مركز الدراسات السودانية أن طبعة 2020/2021 جاءت منقحة ومزيدة وأن الكتاب نظم لاحقاً في ستة فصول بدلاً من مادته الأولى المتفرقة (هاشم، 2021).
ويعرف هاشم الثقافة تعريفاً واسعاً بوصفها “كلاً مركباً” يضم العادات والتقاليد والمعتقدات والفنون والممارسات والمؤسسات ووسائل كسب العيش، ويصف منهجه بأنه ينظر إلى الثقافة باعتبارها عملية جدلية وصراعاً واصطراعاً (هاشم، 1986). وقد ورد هذا التعريف في نص منشور حيث يقول: “إن المنظور الذي من خلاله سنعالج هذه المسائل نسميه (منهج التحليل الثقافي)، وهو ينظر إلي الثقافة علي أنها عملية جدلية، أي هي عملية صراع وإصطراع” (هاشم، 2020). كما ينقل هاشم تعريف تايلور للثقافة ويوسّعه: “الثّقافة، أو الحضارة، بتناولها في معناها الإثنوقرافي الواسع، هي ذلك الكلّ المركّب الذي يشمل المعرفة، المعتقد، الفنّ، الأخلاق، القانون، التقاليد، وأيّ قدرات أو عادات أخرى يكتسبها الإنسان بوصفه عضواً في مجتمعٍ ما” (هاشم، 2020).
وتكمن قوة هذا التعريف في أنه يمنع اختزال الثقافة في الرقص والموسيقى والعادات الشعبية. لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب للمشكلة الكبرى التي تواجه المنهج: إذا دخلت المؤسسات ووسائل كسب العيش وكل أنشطة المجتمع في تعريف الثقافة، يصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الثقافة وأين يبدأ الاقتصاد أو السياسة أو علم الاجتماع أو التاريخ أو الاقتصاد السياسي.
ويتمحور المشروع حول مجموعة مترابطة من المفاهيم: الدولة الوطنية، القومية السودانية، الهوية، الثقافة، المركز، الهامش، العروبة، الأفريقانية، الثورة، الديمقراطية، الأيديولوجيا، والاستقلالية. ويعرض هاشم في سلسلة “مفاكرات” العلاقة بين الثقافة والدولة والديمقراطية والاستقلالية والأيديولوجيا والأفروعُمومية، ثم يربط سؤال الهوية السوداني بالتوتر بين العروبة والأفريقانية (هاشم، 2020؛ هاشم، 2021). وقد ورد في نص منشور له: “وكم هي المرّات التي ناقشنا فيها حالة التأرجح هذه بموجب نظريّة مركز الهويّة وهامشها” (هاشم، 2020).
وهنا ينبغي تسجيل إسهام حقيقي للمشروع قبل نقده: لقد ساعد على جعل قضايا الثقافة واللغة والهوية جزءاً من النقاش حول الدولة السودانية، ولم يسمح بأن تُختزل مشكلة السودان في الاقتصاد أو في الانقلاب العسكري وحده. كما قدم لغة تحليلية أصبحت واسعة التداول، وخاصة مفردتي المركز والهامش. لكن انتشار المفهوم لا يساوي إثباته علمياً؛ فالمفاهيم قد تصبح مؤثرة سياسياً وثقافياً قبل أن تصبح مثبتة تجريبياً.
وهذا التمييز مهم لأن مصطلحي المركز والهامش أصبحا في الخطاب السوداني من أكثر المصطلحات شيوعاً، وقد استخدمهما هاشم في وقت مبكر ثم جرى تطويرهما عند كتاب سودانيين آخرين، ومنهم أبكر آدم إسماعيل، كما دخلت مفردات قريبة منهما في كتابات منصور خالد وعبد الغفار محمد أحمد وغيرهما (هاشم، 1999؛ خالد، 1993؛ أحمد، 1988؛ إسماعيل، 1997). وتوضح الأدبيات السودانية المتاحة أن مفهوم المركز والهامش لم يكن ملكاً فكرياً حصرياً لمدرسة واحدة، بل أصبح جزءاً من حقل أوسع من النقاش السوداني حول الدولة والهوية والسلطة.
وصف منهج التحليل الثقافي وفق محمد جلال هاشم
الجزء الخاص بمنهج التحليل الثقافي في كتاب محمد جلال هاشم المرفق يقوم على أن الثقافة ليست مجرد فنون وعادات وتقاليد، بل هي الكل المركب الذي يشمل نشاطات المجتمع من عادات وتقاليد ومعتقدات وفنون وممارسات ومؤسسات ووسائل كسب العيش. والمنهج لا يتعامل مع الثقافة كشيء ثابت أو منفصل عن السلطة والاقتصاد والمجتمع، بل يعتبرها عملية جدلية متعددة الأقطاب، تتضمن الأطروحة والأنقوضة والأجموعة، ولا تختزل في ثنائية واحدة. والثقافة في هذا المنهج هي مصدر توليد السلطة والفضاء الذي تدور فيه وتدار، وهي التي تصنع الوعي والحياة، بينما الأيديولوجيا تصنع الوهم وتزييف الوعي. ويؤكد المنهج أن الثقافة تفاعلية ديناميكية ومتعددة المصادر، أما الأيديولوجيا فتميل إلى الأحادية والإقصاء والانغلاق. ويستخدم المنهج مفهوم محركات الثقافة لتحليل العناصر التي تتحرك داخل الحقل الثقافي وتتنازع وتتفاعل، مثل اللغة والدين والاقتصاد والقرابة والجغرافيا والبيئة والسلطة.
ويقوم المنهج على التمييز الصارم بين الثقافة والأيديولوجيا، فالثقافة قابلة للحوار والتعدد والتفاعل، والأيديولوجيا وعي زائف يختطف الثقافة ويتخفى داخلها. ويصف هاشم الأيديولوجيا بأنها فيروس يعيش داخل الثقافة، ويعمل على تزييف الواقع وخلق الوهم، ثم ينتهي إلى تدمير الحياة. أما الثقافة فتبقى في الغالب قادرة على الصمود والتجدد والانتصار في نهاية المطاف، لأنها تصنع الحياة وتنتجها، بينما الأيديولوجيا تقتل الحياة وتشل حركتها. ويضيف المنهج أن الثقافة ليست ساكنة، بل هي في حالة تشكل مستمر، وتتغير عبر التعليم والهجرة والمدن والإعلام والاقتصاد والحرب والتكنولوجيا.
ويعتمد المنهج على مفهوم الميم بوصفه المكمل لنظرية الجين، فالميم هو وحدة الانتقال الثقافي، ويؤثر في الجين، ويجعل البقاء للأجمل أو للأصلح ثقافياً، لا للأقوى مادياً فقط. ويشرح المنهج كيف تتشكل القوالب السلوكية من الفكرة والشكل الأدائي والنتيجة والتكرار، ثم تتراكم لتنتج العادات والتقاليد والأعراف، وهي ما يسميه كيمياء الثقافة. وهذه القوالب ليست ثابتة، بل تتغير وتتفاعل وتتطور، وتنتقل بين المجتمعات عبر التثاقف.
وفي تحليل السلطة، يرى المنهج أن الدولة هي الإطار المؤسسي لتحقيق الحداثة، وأن الديمقراطية والثورة وسيلتان لتحقيق الذات الوطنية. ويستخدم مفهوم تعزيز السلطة لتحليل كيفية تحويل السلطات الفردية والقاعدية إلى سلطة سياسية مركزية، ثم إعادة توزيعها في شكل خدمات وتنمية. ويؤكد أن الدولة الوطنية وفق الشروط الويستفالية تقوم على المواطنة المتساوية، لا على السلالة أو المعتقد أو الوضعية الاجتماعية.
ويعد مفهوم المركز والهامش من أهم أدوات المنهج. فالمركز ليس موقعاً جغرافياً فقط، بل مركز سلطوي يحتكر السلطة والثروة، والهامش هامش سلطوي أيضاً. ويشرح هاشم أن المركز يستخدم الثقافة والعرق والدين والجغرافيا لتأمين مصالحه. ويضيف أن لكل هوية مركزاً وهامشاً وآخر، وأن الاعتراف بالهوية يمر عبر مركز الهوية وآخرها. ويستخدم المنهج هذا المفهوم لتحليل الصراعات السودانية، مع تحذير من تحويله إلى ثنائية صلبة تختزل تعقيدات المجتمع.
ويولي المنهج أهمية خاصة للفولكلور بوصفه مادة ثقافية حية، فيدرسه عبر تعريفاته المتعددة، ووظائفه، وسياقه، ونصه، وأدائه، وعلاقته بالثقافة والأيديولوجيا. ويؤكد أن الفولكلور ليس مجرد موروث شعبي، بل هو مرآة تعكس ثقافة المجتمع وتناقضاته. ويستخدم المنهج الفولكلور لتحليل الطقوس والرموز والسرديات والهوية.
وينتقد المنهج الحداثة وما بعد الحداثة من منظور ثقافي، فيرى أن الحداثة ليست مجرد منتجات مادية، بل هي بنية وعي جديدة. ويستخدم مفهوم النسبية في ما بعد الحداثة لتفكيك الأحكام المطلقة، لكنه يرفض النسبية المطلقة التي تلغي القيم. ويستشرف المنهج عصر ما بعد الحداثة عبر إعادة قراءة الثقافة والدولة والديمقراطية والهوية.
وأخيراً، فإن المنهج في تطبيقه على السودان يقرأ الظواهر السودانية من خلال مفاهيم مثل إنسان سنار، وإنسان أمدرمان، والبديرية، والجنجويد، والأيديولوجيا الإسلالموعروبية، والهوية المأزومة، والدولة ما بعد الاستعمارية. ويخلص إلى أن الثقافة جزء مهم من تفسير السودان، لكنها ليست التفسير الوحيد، لأن الاقتصاد السياسي والمؤسسات والعسكرة والبيئة والديموغرافيا والعلاقات الدولية تتفاعل معها في تشكيل الأزمات.
الفصل الرابع: نقد منهج محمد جلال هاشم؛ تفكيك الأسس النظرية والمنهجية للتحليل الثقافي
يستحق منهج محمد جلال هاشم نقداً منهجياً شاملاً لا يقتصر على الملاحظات المتفرقة، بل يتناول أسسه النظرية والمنهجية بصورة منظمة. وتكمن أهمية هذا النقد في أن المنهج قد تحول في الخطاب السوداني إلى ما يشبه المرجعية التفسيرية الشاملة، مما يستدعي فحصاً دقيقاً لبناه المفاهيمية وآلياته السببية وحدود تطبيقه. ويمكن تصنيف نقاط الضعف في هذا المنهج إلى محاور مترابطة، كل منها يمثل مدخلاً لفهم القصور البنيوي في قدرته التفسيرية.
أولاً: نقد اتساع مفهوم الثقافة وفقدانه القيمة التفسيرية
المشكلة الأولى في منهج هاشم هي اتساع مفهوم الثقافة إلى درجة تهدد قابلية الاختبار. فحين تشمل الثقافة المؤسسات ووسائل كسب العيش ومجمل النشاط الاجتماعي، يصبح من السهل تفسير أي ظاهرة باعتبارها ظاهرة ثقافية. وهذه مشكلة معروفة في النظريات التي تستخدم مفهوماً شاملاً دون تعريفات تشغيلية دقيقة (Ensley & Munger, 2001). وقد أشار الناقد تاج السر عثمان بابو إلى أن هاشم “يضيّق واسعاً” عندما يجعل الثقافة مرادفاً للتشكيلة الاجتماعية بكاملها، لأن التشكيلة الاجتماعية تتضمن البنية التحتية والبنية الفوقية والعلاقات الاجتماعية والطبقية، بينما الثقافة ليست سوى جزء من هذه البنية الفوقية (بابو، بدون تاريخ؛ عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج يخلط بين الثقافة والمجتمع، ويجعل من الصعب تحديد ما هو ثقافي وما هو غير ثقافي في أي ظاهرة. وقد حذر تاج السر عثمان من أن منهج التحليل الثقافي “يعجز عن تفسير التحولات في المجتمع، عكس المفهوم المادي للتاريخ الذي يرى أن التحولات الاجتماعية في التاريخ تكمن في اقتصاد العصر المعين” (عثمان، 2017). فعندما يفسر هاشم كل التحولات بالعامل الثقافي، فإنه يقع في “النظرة الضيقة للآحادية” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج لا يقدم آلية سببية واضحة، بل يكتفي بإعادة تسمية الظواهر بدلاً من تفسيرها.
ثانياً: نقد إنكار الصراع الطبقي واستبداله بصراع الثقافات
من أبرز نقاط النقد الموجهة لمنهج هاشم إنكاره للصراع الطبقي واستبداله بصراع الثقافات. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم “ينكر الكاتب الصراع الطبقي، ويستبدله بصراع الثقافات، وصراع الإنسان ضد الإنسان، بدلا عن الصراع الطبقي، ويرسخ مبدأ الذاتية والفردية، والوسطية بين الرأسمالية والاشتراكية” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج يتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والإثنية. وقد ذهب تاج السر عثمان إلى أبعد من ذلك عندما أكد أن “نظرية منهج التحليل الثقافي الذي يركز علي البعد الثقافي ويتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والأثنية” تسهم في “تغبيش الوعي الطبقي والسياسي للكادحين، وعدم تبصيرهم بأسباب وجذور التدهور والتخلف الأساسية” (عثمان، 2024). وهذا يعني أن المنهج ليس مجرد منهج أكاديمي ناقص، بل قد يكون له تأثير سياسي سلبي في إخفاء الأسباب الحقيقية للتخلف والصراع. ويضيف تاج السر عثمان أن هاشم “ينكر وجود طبقة رأسمالية في السودان”، حتى الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية، في معرض مناقشته لكتاب د. فاطمة بابكر محمود “الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية”، وهذا الإنكار يمثل امتداداً لخطاب يرفض تحليل الصراع الطبقي في السودان (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج يتجاهل البعد الطبقي ليس فقط في تحليله للثقافة، بل في تحليله للاقتصاد أيضاً.
ثالثاً: نقد ثنائية المركز والهامش واختزالها تعقيدات المجتمع
المشكلة الثانية هي أن مفهوم المركز والهامش يميل إلى إعادة تنظيم التاريخ السوداني داخل ثنائية قوية، بينما الواقع أكثر تعدداً. فالخرطوم ليست كتلة سياسية واحدة، والغرب ليس كتلة واحدة، والشمال ليس كتلة واحدة، والشرق ليس كتلة واحدة، والجنوب السابق لم يكن كتلة واحدة قبل الاستقلال. داخل كل منطقة توجد طبقات اجتماعية ونخب ومصالح وحركات وأجيال ومدن وأرياف. وقد أشار الناقد صالح حاجر داوي إلى أن هاشم يشترك مع مساهمات مهمة أخرى في نقد التراتب الاجتماعي والتهميش السياسي، لكن مساهمته تهدف إلى “استعادة دور الثقافة الذي قلّل من أهميته المنظور الماركسي”، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الثقافة هي العامل الأوحد (داوي، 2025). ومع ذلك، فإن المنهج في تطبيقاته العملية يميل إلى تحويل المركز والهامش من أداة وصفية إلى تصنيف شامل يختزل تعقيدات المجتمع السوداني. وقد أشار الفاتح محمد إلى أن “نظرية المركز والهامش التي طرحها أبكر آدم إسماعيل قدّمت في بدايتها إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم التهميش البنيوي داخل الدولة السودانية، وسعت لتفكيك البنى العميقة للصراع والتمييز. غير أن هذه النظرية، رغم طابعها التحرري الظاهري، حملت في بعض تأويلاتها نزعة تعميمية أقرب إلى العنصرية العكسية، حين اختزلت المركز في مكون عرقي وثقافي محدد، وشيطنته بشكل جماعي، بما يتعارض مع مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية” (محمد، 2025). ومع مرور الوقت، “انزلقت من كونها أداة نقدية تحررية إلى خطاب يُستخدم لتبرير تحالفات سلطوية مشبوهة” (محمد، 2025). ويضيف الفاتح محمد أن “تحالف بعض الحركات المسلحة مع الدعم السريع يشكّل انقلابًا على القيم التي قامت من أجلها ثورات الهامش” (محمد، 2025). وهذا يعني أن ثنائية المركز والهامش لم تعد قادرة على تفسير المسارات السياسية المعقدة، بل أصبحت هي نفسها جزءاً من الأزمة. وقد أشار الحزب الشيوعي السوداني إلى أن “النظريات التي قامت علي تفسير ديني أو عنصري أو قبلي أو إثني أو ثقافي أو صراع مركز وهامش، أو صراع هوّيات. الخ، قادت البشرية الي كوارث، ونتجت عنها أنظمة صادرت حقوق الإنسان وإبادة جماعية كما حدث في بعض البلدان” (الحزب الشيوعي السوداني، 2017). وهذا يعني أن ثنائية المركز والهامش ليست مجرد منهج ناقص، بل قد تكون خطراً سياسياً وأخلاقياً إذا تحولت إلى خطاب تعبوي.
رابعاً: نقد غياب الآلية الكمية لتحديد مقدار أثر الهوية
المشكلة الثالثة أن النموذج لا يقدم بصورة كافية آلية كمية لتحديد مقدار أثر الهوية مقارنة بالدخل أو التعليم أو الثروة أو السلاح أو الموارد. فإذا كان المركز ينتج التهميش، فما المتغير الذي يقيس “المركزية”؟ هل هو نصيب الإقليم من الإنفاق العام؟ أم عدد الوظائف الحكومية؟ أم الإنفاق على الطرق؟ أم تمثيل السكان في الجيش؟ أم ملكية الشركات؟ أم عدد الجامعات؟ أم متوسط الدخل؟ من دون تحويل المفهوم إلى مؤشرات يصبح القياس مستحيلاً. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن تعريف الطبقة عند هاشم بأنها “منظومة ثقافية تشمل النشاط الاقتصادي” تعريف غير دقيق، لأن الطبقة الاجتماعية تتحدد بموقعها في الإنتاج ووعيها الطبقي ونصيبها من الثروة، وليس فقط بسماتها الثقافية (بابو، بدون تاريخ).
خامساً: نقد إعادة تفسير المصالح المادية من خلال الثقافة
المشكلة الرابعة أن المنهج قد يميل إلى إعادة تفسير المصالح المادية من خلال الثقافة بدلاً من تحليلها مباشرة. فإذا سيطر فاعل على منجم ذهب لأنه يريد الإيرادات والتمويل والسلاح، فلا يكفي القول إن ذلك تعبير عن ثقافة المركز أو ثقافة الجماعة. يجب تحليل ملكية المنجم والضرائب وسلسلة التصدير والأسعار والشبكات المالية. وقد أشار الناقد تاج السر عثمان إلى أن هاشم “ينكر وجود طبقة رأسمالية في السودان”، حتى الرأسمالية الطفيلية الإسلاموية، في معرض مناقشته لكتاب د. فاطمة بابكر محمود “الرأسمالية السودانية: أطليعة للتنمية”، وهذا الإنكار يمثل امتداداً لخطاب يرفض تحليل الصراع الطبقي في السودان (بابو، بدون تاريخ). وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن منهج التحليل الثقافي “يركز علي البعد الثقافي ويتجاهل المصالح الطبقية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية والدينية والأثنية” (عثمان، 2024). وهذا يعني أن المنهج يخفي المصالح المادية التي تدفع الفاعلين إلى استخدام الخطاب الثقافي كأداة للتعبئة والشرعنة. ويزداد هذا القصور وضوحاً في تحليل الصراعات السودانية المعاصرة، حيث أصبح الذهب مورداً استراتيجياً لتمويل الحرب، وارتبطت شبكات التعدين والتجارة والتهريب بفاعلين إقليميين ودوليين. ومن ثم فإن تحليل هذه الصراعات يحتاج إلى اقتصاد سياسي للموارد، لا إلى تفسير ثقافي يختزل الصراع في صراع هويات.
سادساً: نقد الخلط بين الثقافة والنخبة والخلط بين الهوية والمصلحة
المشكلة الخامسة هي خطر الخلط بين الثقافة والنخبة. فليس كل ما تقوم به النخبة المركزية ناتجاً عن “ثقافة المركز”. قد تكون النخبة مدفوعة بمصلحة مالية أو أمنية أو أيديولوجية أو شخصية أو مؤسسية. وقد يتصرف شخص من الهامش وفق مصالح نخبة، بينما يعارضه شخص من المركز لأسباب ديمقراطية أو اجتماعية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم “يتحدث عن المثقفين وكأنهم خارج الصراع الطبقي” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج يتعامل مع النخبة كفاعل موحد ومتجانس، بينما الواقع أكثر تعقيداً. وهذا يعني أن تحليل سلوك النخبة لا يمكن أن يختزل في ثقافتها المزعومة، بل يحتاج إلى تفكيك المصالح والموقع في بنية السلطة والاقتصاد. كما أن المنهج معرض للخلط بين الهوية والمصلحة. فقد يستخدم الفاعل خطاباً هوياتياً للحصول على الموارد أو السلطة، وليس بالضرورة لأن الهوية هي السبب النهائي لسلوكه. ويمكن للمصالح الاقتصادية والمؤسساتية أن تستخدم الثقافة كوسيلة للتعبئة والشرعنة. لذلك يجب تحليل من يستفيد مادياً من الصراع، ومن يملك القدرة على استخدام السلاح، ومن يتحكم في الموارد، ومن يحدد القواعد، إلى جانب تحليل الخطاب الذي يستخدم لتبرير ذلك.
سابعاً: نقد ضعف المقارنة المضادة والميل إلى التعميم
المشكلة السادسة هي ضعف المقارنة المضادة. لو كانت الثقافة المركزية هي السبب الحاسم، فكيف نفسر وجود مجتمعات متنوعة ثقافياً نجحت في بناء مؤسسات مستقرة نسبياً، ومجتمعات متجانسة نسبياً شهدت انهيارات وحروباً؟ ولو كانت الهوية هي العامل الحاسم، فلماذا لا تتطابق نتائج البلدان ذات التركيبة الإثنية المتقاربة؟ هذا هو نوع الأسئلة الذي جعل أدبيات الحروب الأهلية تنتقل من التفسير الإثني البسيط إلى دراسة قدرة الدولة والفقر والجغرافيا والمؤسسات والحوافز (Fearon & Laitin, 2003). وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن منهج التحليل الثقافي “يعجز عن تفسير التحولات في المجتمع” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج لا يقدم تفسيرات قابلة للاختبار أو للمقارنة، بل يكتفي بسرد تاريخي يفسر كل شيء بعد وقوعه. وقد أشارت الأدبيات المقارنة حول الحروب الأهلية إلى أن التنوع الإثني أو الديني لا يكفي وحده لتفسير الحرب، وأن الفقر وضعف الدولة وعدم الاستقرار السياسي والجغرافيا وقدرة المتمردين على العمل عوامل مهمة في تفسير مخاطر الحرب (فيرون ولايتن، 2003). وهذا يعني أن المنهج الثقافي يحتاج إلى دمج هذه العوامل في تحليله، وليس الاكتفاء بالعامل الثقافي وحده.
ثامناً: نقد تحويل النموذج من تفسير اجتماعي إلى خطاب معياري
المشكلة السابعة هي أن النموذج قد يتحول بسهولة من تفسير اجتماعي إلى خطاب معياري. فعندما توصف مجموعة بأنها مركزية وأخرى أنها هامشية، يمكن أن يتحول التحليل إلى تقسيم سياسي وأخلاقي للمجتمع، وهو ما يهدد الموضوعية إذا لم يُضبط بمؤشرات مستقلة. وقد حذر الناقد صالح حاجر داوي من أن قيمة الفكر تكمن في “أنه يساعدنا على أن ننظم وعينا ونطوّر ضوابط إدارة الاختلاف في الرأي والمصلحة، بعيداً عن التعصّب العقائدي المؤدي للعنف وتهديد المجتمع والدولة”، وهو ما ينطبق على المنهج نفسه إذا تحول إلى أيديولوجيا جديدة (داوي، 2025). وقد أشار الفاتح محمد إلى أن نظرية المركز والهامش “انزلقت من كونها أداة نقدية تحررية إلى خطاب يُستخدم لتبرير تحالفات سلطوية مشبوهة” (محمد، 2025). وهذا يعني أن المنهج ليس محايداً، بل يمكن توظيفه سياسياً لخدمة أجندات معينة.
تاسعاً: نقد نجاح المفردات في الخطاب العام كبديل عن الاختبار العلمي
المشكلة الثامنة أن نجاح المفردات في الخطاب العام قد يصبح بديلاً عن الاختبار العلمي. انتشار “المركز والهامش” في الأدبيات السياسية السودانية مهم تاريخياً، لكنه لا يثبت أن المصطلح يمثل أفضل تفسير سببي. المفهوم قد يكون مفيداً كخريطة خطابية، لكنه يحتاج إلى اختبار كمي ومقارن قبل تحويله إلى نظرية شاملة. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن هاشم “يحاول أن يطرح منهج التحليل الثقافي بديلاً للمنهج الماركسي، وليس هناك مشكلة في ذلك، ولكن ليس على حساب تشويه المنهج الماركسي وعرضه بطريقة خاطئة، فضلاً عن أنه ينكر وجود الطبقات والصراع الطبقي، ويقدم عرضاً مشوهاً للمفهوم المادي للتاريخ باعتباره منهجاً قاصراً عن دراسة الواقع” (بابو، بدون تاريخ). وقد أشار الحزب الشيوعي السوداني إلى أن هذه النظريات “قادت البشرية الي كوارث” (الحزب الشيوعي السوداني، 2017). وهذا يعني أن التحذير من هذا المنهج ليس تحذيراً أكاديمياً فقط، بل تحذير من عواقب سياسية وأخلاقية.
عاشراً: نقد إغفال التغذية الراجعة والعلاقات الدائرية
المشكلة التاسعة هي أن المنهج لا يعطي وزناً كافياً للتغذية الراجعة. فالهوية قد تؤثر في المؤسسة، لكن المؤسسة أيضاً تعيد إنتاج الهوية. والجيش قد يستخدم خطاباً إثنياً، لكن امتلاك الجيش للسلاح والميزانية هو الذي يمنحه القدرة على تحويل الخطاب إلى قوة. والاقتصاد قد يؤثر في الثقافة، والثقافة قد تؤثر في الاقتصاد. ولذلك فإن العلاقة الدائرية لا تعني أن الثقافة هي نقطة البداية دائماً. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن المنهج “لا يخرج عن تلك النظريات الكبري التي طرحها مفكرون مثل ماركس بعد افراغها من مضمونها وتقطيع أوصالها وتشويهها، واستبدال المنهج الديالكتيكي الذي ينظر للظواهر في تطورها وحركتها وشمولها وتبدلها وإنفتاحه علي التطورات الجديدة بذهن مفتوح، بالمنهج الانتقائي الغيبي الذي ينظر للظواهر في سكونها وعزلتها عن السياق العام” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج لا يقدم تفسيراً ديناميكياً للعلاقات الاجتماعية، بل يقدم تفسيراً سكونياً يفتقر إلى البعد الجدلي.
حادي عشر: نقد ضعف التفريق بين مستويات التحليل
المشكلة العاشرة هي ضعف التفريق بين مستويات التحليل. فهناك مستوى الفرد، ومستوى الجماعة، ومستوى المؤسسة، ومستوى الدولة، ومستوى الإقليم، ومستوى النظام الدولي. وما يفسر سلوك الفرد لا يفسر بالضرورة سلوك الدولة. وما يفسر الهوية المحلية لا يفسر بالضرورة قرار مؤسسة عسكرية أو دولة أجنبية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن المنهج “يقدم عرضا مشوها للمفهوم المادي للتاريخ باعتباره منهج قاصر عن دراسة الواقع” (عثمان، 2017). وهذا يعني أن المنهج لا يقدم أدوات تحليلية كافية للتمييز بين هذه المستويات، بل يخلط بينها في تحليل واحد.
ثاني عشر: نقد إغفال البعد الأفريقي والمقارن
من الملاحظات النقدية المهمة أن منهج هاشم، رغم تركيزه على الهوية والثقافة، لم يعطِ وزناً كافياً للبعد الأفريقي في تحليله للسودان. فالسودان جزء من القارة الأفريقية، ويتشابه في كثير من أزماته مع دول أفريقية أخرى عانت من الاستعمار وضعف الدولة والصراعات على الموارد. ومن ثم فإن تحليل السودان يحتاج إلى منظور مقارن أفريقي، لا إلى تفسير ثقافي داخلي مغلق. وقد أشارت بعض المراجعات إلى أن منهج هاشم “يستخدم منهجية التحليل الثقافي التي ابتكرها يورغن هابرماس وميشيل فوكو وبيتر بيرغر وماري دوغلاس وآخرون في الثمانينيات لتفكيك الأزمة السودانية” (Research Africa Reviews, 2021). لكن هذه المنهجية، رغم أهميتها، لا تقدم إطاراً مقارناً كافياً لفهم السودان في سياقه الأفريقي.
ثالث عشر: نقد إغفال العوامل العسكرية والمؤسسية والاقتصادية والبيئية والدولية
من أبرز نقاط القصور في منهج التحليل الثقافي أنه لا يعطي وزناً كافياً للعوامل العسكرية والمؤسسية والاقتصادية والبيئية والدولية. فتاريخ السودان الحديث حافل بالانقلابات العسكرية، وضعف المؤسسات، وتضخم دور الأجهزة الأمنية، والاقتصاد السياسي للموارد، والتفاوت التنموي، والصراعات على الأرض والمياه، والتدخلات الإقليمية والدولية. وقد أشار تاج السر عثمان إلى أن “المطلوب هو النظرة الشاملة التي تقود إلي مجتمع أساسه المواطنة وتتوفر فيه احتياجات الانسان الأساسية” (الحزب الشيوعي السوداني، 2017). وهذا يعني أن المنهج الثقافي وحده لا يكفي لتفسير أزمات السودان، بل يحتاج إلى منهج متعدد المستويات يدمج كل هذه العوامل.
خلاصة النقد
بناءً على ما سبق، يتضح أن منهج التحليل الثقافي لمحمد جلال هاشم يعاني من قصور منهجي متعدد المستويات. فهو يعجز عن تفسير التحولات الاجتماعية بسبب اتساع مفهوم الثقافة وإنكار الصراع الطبقي (عثمان، 2017). وهو يختزل تعقيدات المجتمع السوداني في ثنائية المركز والهامش التي تحولت إلى خطاب معياري وأيديولوجي (محمد، 2025). وهو يتجاهل المصالح المادية الكامنة وراء الدعاوى الثقافية (عثمان، 2024). وهو يفتقر إلى المقارنة المضادة والمؤشرات القابلة للقياس. وهو لا يقدم أدوات كافية للتمييز بين مستويات التحليل المختلفة. وكل هذه العوامل تجعل منهج التحليل الثقافي أداة مفيدة لفهم بعض جوانب الواقع السوداني، لكنها لا تكفي لتفسير أزماته المعقدة والمتعددة الأبعاد.
وعليه فإن النقد الجذري للمنهج لا ينبغي أن يكون رفضاً للثقافة، بل رفضاً لتضخيمها إلى درجة تبتلع الاقتصاد والسياسة والمؤسسات والتاريخ والبيئة.
الفصل الخامس: أين ينجح التحليل الثقافي في السودان وأين يفشل؟ اختبار مباشر أمام الوقائع التاريخية والسياسية
يمكن للتحليل الثقافي أن يساعد في تفسير ثلاثة أنواع من الظواهر السودانية بدرجة معقولة. أولها اللغة والتمثيل الرمزي؛ فاللغة ليست مجرد وسيلة اتصال، وإنما قد ترتبط بالتعليم والإدارة وفرص الوصول إلى الدولة. وثانيها بناء الهوية السياسية؛ فالسياسيون والحركات المسلحة يستطيعون استخدام سرديات العروبة والأفريقانية والدين والجهوية لتعبئة المؤيدين. وثالثها الذاكرة التاريخية؛ إذ يمكن للذاكرة الجماعية للرق والعبودية والاستعمار والحروب والاستعلاء الاجتماعي أن تؤثر في الثقة بين الجماعات.
لكن حتى في هذه المجالات يجب الحذر من تحويل الارتباط إلى سببية. فمثلاً، لا يكفي إثبات وجود تفاوت في اللغة لكي نستنتج أن اللغة سبب مستقل للتفاوت الاقتصادي. يجب قياس التعليم والدخل والإنفاق الحكومي والبنية التحتية وسوق العمل وموقع الإقليم في شبكات التجارة والوصول إلى رأس المال، ثم معرفة ما إذا كانت اللغة تظل ذات أثر بعد التحكم في هذه العوامل.
كما أن التحليل الثقافي يجد صعوبة أكبر في تفسير أحداث ذات محفزات مؤسسية مباشرة. فاندلاع حرب 15 أبريل 2023 ارتبط بصورة مباشرة بالنزاع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول السلطة وترتيبات الإصلاح الأمني وموعد وطريقة دمج الدعم السريع في الجيش، في سياق عملية انتقالية مدنية متعثرة (Carnegie Endowment, 2023). وقد سبقت الحرب خلافات على القيادة والسيطرة والإصلاح العسكري، وليس مجرد خلاف حول الهوية الثقافية.
بل إن الأزمة المؤسسية كانت واضحة قبل الحرب: انقلاب أكتوبر 2021 أطاح بالترتيبات الانتقالية، وتعطلت عملية بناء حكومة مدنية، وتواصلت الصراعات حول إصلاح قطاع الأمن. وتوثق الأدبيات الدولية أن السودان عانى تاريخياً من تكرار الانقلابات العسكرية، وأن الانتقال السياسي ظل عرضة للتعطيل بواسطة الفاعلين المسلحين (Ayferam, 2023).
وهنا تظهر محدودية المنهج الثقافي بصورة حادة. فلو كانت الثقافة هي العامل المهيمن، لوجب أن تفسر بصورة أفضل لماذا دخل فاعلان مسلحان من مؤسسات الدولة وشبه الدولة في حرب في أبريل 2023، ولماذا وقع الخلاف في ذلك التوقيت تحديداً، ولماذا كان موضوع الدمج العسكري محورياً، ولماذا لم تنفجر حرب مماثلة في مراحل سابقة بالصيغة نفسها.
أما الاقتصاد السياسي فيقدم تفسيراً إضافياً بالغ الأهمية. فقد خلصت دراسات حديثة إلى أن التنافس على الذهب والموارد الاقتصادية كان عاملاً مهماً في انقلاب 2021 وفي الحرب اللاحقة، وأن الذهب أصبح أحد أهم مصادر تمويل الطرفين المتحاربين (Soliman, 2025). وتوضح دراسة تشاتام هاوس أن الاقتصاد العسكري توسع خلال عقود، وأن القوات المسلحة والدعم السريع والأجهزة الأمنية طورت مصالح في الذهب والتجارة والشركات، وأن محاولات الحكومة الانتقالية إخضاع الشركات العسكرية للرقابة المالية وإعادة هيكلة اقتصاد التمكين اصطدمت بمصالح قوية (Soliman, 2025).
وفي هذا السياق فإن تفسير الحرب باعتبارها صراعاً ثقافياً بين مركز وهامش يصبح ناقصاً بصورة واضحة؛ لأن جانباً مهماً من الصراع يدور حول السيطرة على الدولة ومواردها ومؤسساتها ومنافذها التجارية وأصولها وشبكات الذهب والتمويل والسلاح.
ولا يعني ذلك أن العامل الثقافي غائب. فالذهب نفسه يوجد في مناطق ذات تركيبات إثنية وتاريخية مختلفة، وتدخل الهوية في التعبئة والحماية والاستهداف. لكن الثقافة هنا تعمل داخل اقتصاد سياسي مسلح، وليس خارجه.
الفصل السادس: لماذا تفشل العدسة الثقافية أمام الاقتصاد السياسي للسودان؟ المال والذهب والدولة والتمكين
من أكثر مواطن ضعف التحليل الثقافي عندما يستخدم لتفسير السودان أنه لا يعطي الاقتصاد السياسي الوزن الذي يتناسب مع حجم أثره المادي. فقد ظلت الدولة السودانية تعاني منذ عقود من اختلالات مالية ونقدية واقتصادية، وتضخم، وضعف الإيرادات، واعتماد واسع على الاقتصاد غير الرسمي، ومشكلات في إدارة الموارد والديون، بينما توسعت المصالح الاقتصادية للأجهزة العسكرية والأمنية.
قبل الحرب نفسها، كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة للغاية. فقد قدر صندوق النقد الدولي انكماش الناتج الحقيقي بنحو 2.5% في 2019، مع عجز مالي بلغ نحو 10.8% من الناتج المحلي في العام نفسه، في ظل اختلالات اقتصادية كلية وضعف القدرة التنافسية ومشكلات الحوكمة والفساد (IMF, 2020). وكانت أزمة الدين الخارجي عميقة إلى درجة أن السودان بلغ نقطة القرار في مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون في 2021، مع إمكان خفض صافي القيمة الحالية للدين الخارجي بأكثر من 50 مليار دولار، أي أكثر من 90% من الدين الخارجي، إذا استكملت الشروط اللازمة (World Bank, 2021).
هذه الوقائع لا يمكن تفسيرها بثنائية المركز والهامش وحدها. فالدين، وسعر الصرف، والإيرادات، والدعم، والقطاع المصرفي، والشركات العسكرية، والتهريب، والأسواق العالمية، وسياسات الحكومة، والعقوبات، والعلاقات الدولية، كلها متغيرات لها آليات مستقلة نسبياً.
ويزداد ذلك وضوحاً في ملف الذهب. فوفق تشاتام هاوس، يمثل الذهب مورداً أساسياً للطرفين المتحاربين، وتربط تجارة الذهب السودان بالإمارات ومصر وتشاد وليبيا وجنوب السودان وغيرها، كما أصبحت شبكات التعدين والتجارة والتهريب جزءاً من اقتصاد الحرب (Soliman, 2025). كما خلص مركز الدراسات المتقدمة في مجال الدفاع إلى أن القوات المسلحة والدعم السريع يعتمدان على إيرادات المعادن لتمويل العمليات، وأن تحليل سلسلة الذهب يحتاج إلى تتبع المناجم والتجارة والكيانات والشبكات المالية وليس الهوية الثقافية وحدها (C4ADS, 2025).
وذكرت تشاتام هاوس أن الطرفين استخدما نفوذهما الأمني والسياسي لتوسيع حضورهما في الذهب، وأن جزءاً كبيراً من الذهب السوداني كان يخرج عبر شبكات إقليمية، بينما أصبحت السيطرة على قطاع الذهب جزءاً من الصراع على الدولة (Soliman, 2025).
وهذا يغير السؤال جذرياً. بدلاً من سؤال “أي ثقافة تهيمن؟” يصبح السؤال: من يملك الموارد؟ من يسيطر على المناجم؟ من يفرض الضرائب؟ من يتحكم في التصدير؟ من يملك الشركات؟ من يملك السلاح؟ من يملك القدرة على حماية التجارة؟ ومن يستفيد من انهيار الرقابة المالية؟
هذه أسئلة أكثر قابلية للقياس. ويمكن مثلاً تتبع قيمة الذهب المصدر، وحصة الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، وحجم الإيرادات، وأسماء الشركات، وشبكات الملكية، والتدفقات المصرفية، ومسارات التهريب. أما “الثقافة” فلا تصبح متغيراً قابلاً للاختبار إلا إذا جرى تحويلها إلى مؤشرات محددة.
وتؤكد التجربة السودانية كذلك أن التمكين لم يكن مجرد ظاهرة ثقافية. فقد كان نظاماً سياسياً واقتصادياً ومؤسسياً شمل الملكية والوظائف والشركات والأجهزة الأمنية والموارد، ولذلك فإن تفكيكه يحتاج إلى إصلاح ملكية الشركات والمالية العامة والجهاز الإداري والقضاء والأمن، لا إلى تغيير الخطاب الثقافي فقط.
الفصل السابع: العامل العسكري والمؤسسي يتقدم تفسيرياً على التفسير الثقافي في فهم الانقلابات والحرب
ظل الجيش لاعباً سياسياً مركزياً في السودان منذ الاستقلال. وتصف دراسات تاريخ السودان الحديث البلاد بأنها عاشت دورات متكررة من الحكم العسكري والانقلابات، بحيث أصبح الوصول إلى السلطة بالقوة ظاهرة بنيوية وليست مجرد انعكاس لخلاف ثقافي (Ayferam, 2023).
ويؤكد تحليل كارنيغي أن الجيش السوداني عاش انقسامات داخلية متعددة، وأن نظام عمر البشير استخدم التجزئة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية للحفاظ على الولاء، ثم ظهرت لاحقاً المنافسة بين القوات المسلحة والدعم السريع، مع استمرار تأثير بقايا النظام السابق (Carnegie Endowment, 2021).
وهذا يجعل متغير “العسكرة” أكثر مباشرة في تفسير السياسة السودانية من متغير ثقافي عام. فالسؤال الذي يفسر الانقلاب ليس فقط لماذا يختلف السودانيون ثقافياً، وإنما لماذا يمتلك الجيش القدرة التنظيمية والسلاح والموارد والشركات، ولماذا لا تخضع القوات المسلحة بصورة كاملة للسلطة المدنية، ولماذا توجد قوات مسلحة موازية، ولماذا فشلت محاولات الإصلاح الأمني.
وفي عام 2023 تحديداً كان النزاع حول إصلاح القطاع الأمني ودمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة أحد المحاور المباشرة للأزمة التي انتهت إلى الحرب (Basher, 2023).
ومن هنا يمكن صياغة اختبار حاسم للمنهج الثقافي: لو كان الصراع الثقافي هو العامل المركزي، فهل يستطيع النموذج أن يفسر لماذا دخلت قوتان عسكريتان في صراع على القيادة والسيطرة والموارد في 2023؟ ولماذا كان جدول الدمج العسكري، وحجم القوة، وسلسلة القيادة، والموارد الاقتصادية، وموقع كل قوة داخل الدولة عناصر حاسمة؟ إذا لم يقدم النموذج إجابات قابلة للاختبار لهذه الأسئلة، فهو لا يفسر الحرب، بل يقدم سياقاً ثقافياً جزئياً لها.
الفصل الثامن: الفقر واللامساواة والتنمية غير المتوازنة؛ لماذا لا يجوز تحويل النتائج الاقتصادية إلى ثقافة
يظل التفاوت الإقليمي من أهم الحقائق في تاريخ السودان، لكن تفسيره يحتاج إلى تمييز بين النتيجة وسبب النتيجة. فاختلاف مستويات التعليم والصحة والبنية التحتية والدخل بين الأقاليم لا يثبت بذاته أن ثقافة المركز هي التي أنتجته.
هناك تاريخ طويل من السياسات العامة غير المتوازنة، وضعف الاستثمار في بعض المناطق، وتفاوت الوصول إلى الأسواق، والحروب التي دمرت البنية التحتية، وتوزيع غير متساوٍ للموارد العامة. كما أن طبيعة الجغرافيا والمسافات والطرق والمياه والمناخ وأنماط الاستيطان والرعي والزراعة أثرت في تكاليف تقديم الخدمات.
وتوضح الأدبيات المؤسسية في الاقتصاد السياسي أن المؤسسات تحدد الحوافز والقيود التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين، وأن الاختلاف في المؤسسات يمكن أن يكون عاملاً أساسياً في تفسير اختلاف التنمية (Acemoglu, Johnson & Robinson, 2004). وفي الوقت نفسه لا ينبغي الوقوع في خطأ معاكس يتمثل في إلغاء الثقافة تماماً؛ فالأدبيات الحديثة تدرس بصورة متزايدة التفاعل بين الثقافة والمؤسسات، لا استبدال أحدهما بالآخر (Acemoglu & Robinson, 2025).
لكن في الحالة السودانية، فإن وجود هذا التفاعل لا يعطي التحليل الثقافي أولوية تلقائية. بل يعني أن الثقافة يجب أن تدخل في نموذج متعدد العوامل.
والأرقام الاقتصادية الحالية تؤكد ذلك. فقد قدر البنك الدولي انكماش الاقتصاد بنسبة 29.4% في 2023 ثم 14% في 2024، مع عودة نمو ضعيف قدره 3.1% في 2025 بسبب قاعدة الانكماش السابقة وعودة بعض السكان إلى مناطق أكثر استقراراً، بينما ظل التضخم مرتفعاً وبلغ 68% على أساس سنوي في ديسمبر 2024، وانخفضت الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج في 2024–2025 (World Bank, 2026).
ولا يمكن أن تكون هذه الأرقام مجرد نتيجة لاختلافات ثقافية؛ فالحرب دمرت المصانع والأسواق وشبكات النقل، وأعاقت الزراعة، وأوقفت الإنتاج، وقطعت سلاسل الإمداد، ورفعت تكاليف النقل، وأضعفت العملة، وخفضت الإيرادات.
ولهذا فإن التحليل الثقافي الذي يبدأ من الهوية وينتهي إليها معرض لخطر تجاهل ما يمكن تسميته “المحددات الصلبة” للأزمة: السلاح، المال، المؤسسات، الأرض، المياه، الغذاء، البنية التحتية، الضرائب، الديون، الأسواق، التجارة، الحدود، والتمويل الخارجي.
الفصل التاسع: البيئة والديموغرافيا والنزوح والصحة؛ المجالات التي تكشف حدود التفسير الثقافي بأوضح صورة
يمثل العامل البيئي مثالاً مهماً على حدود التفسير الثقافي. فالسودان يتعرض لتقلبات كبيرة في الأمطار والجفاف والفيضانات وتدهور الأراضي وارتفاع الحرارة، وهي عوامل تؤثر في الزراعة والرعي والنزوح والدخل والأمن الغذائي. وتوضح وثائق البنك الدولي أن تقلب الأمطار وتغير المناخ وتدهور الأراضي من المخاطر التي تقيد سبل العيش والاستقرار الاقتصادي في السودان (World Bank, 2025).
ومن ثم فإن النزاع بين الرعاة والمزارعين لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره نزاعاً ثقافياً أو إثنياً. فالهوية قد تكون وسيلة لتنظيم الأطراف، لكن الضغط على الأرض والمياه والمسارات الرعوية والتغير المناخي وانهيار الإدارة المحلية والسلاح والتهجير وسياسات الأرض كلها يمكن أن تكون عوامل سببية.
والأمر نفسه ينطبق على النزوح. فقد بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 11.59 مليوناً في يناير 2025، ثم انخفض إلى 8.62 مليوناً في يوليو 2026 بسبب عودة ملايين الأشخاص، لكنه ظل أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب وفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح (IOM, 2026). كما سجلت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سبتمبر 2026 أكثر من 11.3 مليون شخص في وضع النزوح القسري المرتبط بالأزمة، بينهم نحو 6.41 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3.68 مليون لاجئ وطالب لجوء وصلوا إلى الخارج منذ أبريل 2023، إلى جانب عائدين من اللجوء والنزوح (UNHCR, 2026).
هذه الحركة السكانية الواسعة لا يمكن فهمها ثقافياً فقط. فالناس نزحوا بسبب القتال والقصف والقتل وانعدام الأمن وتدمير المنازل وفقدان مصادر الدخل وانهيار الخدمات والخوف من التجنيد والعنف الجنسي والمجاعة. وقد عاد بعضهم عندما تحسنت الظروف الأمنية، لا لأن “الثقافة” تغيرت، بل لأن تكلفة البقاء في النزوح تغيرت مقارنة بتكلفة العودة (IOM, 2026).
أما الأزمة الصحية فتقدم اختباراً أكثر صرامة. ففي 2026 احتاج 21 مليون شخص إلى دعم صحي، وظلت 37% من المرافق الصحية غير عاملة، وجرى التحقق من 217 هجوماً على الرعاية الصحية منذ بداية الحرب حتى أبريل 2026، أدت إلى أكثر من ألفي وفاة ومئات الإصابات (WHO, 2026). وتزامنت الحرب مع تفشي الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة والتهاب الكبد الوبائي “هـ” والدفتيريا وغيرها، في سياق تدهور المياه والصرف الصحي والتطعيم والرقابة الوبائية (WHO, 2026).
لا توجد آلية ثقافية مباشرة تستطيع بمفردها تفسير لماذا يصبح مستشفى غير عامل، أو لماذا تتوقف سلسلة الإمداد الدوائي، أو لماذا يقتل عامل صحي، أو لماذا ينتشر وباء في منطقة تضررت فيها المياه والصرف الصحي. الثقافة قد تؤثر في سلوك طلب العلاج أو الثقة في المؤسسات، لكنها ليست بديلاً عن علم الوبائيات أو اقتصاديات الصحة أو تحليل الحرب أو إدارة النظام الصحي.
الفصل العاشر: العامل الإقليمي والدولي؛ السودان ليس نظاماً ثقافياً مغلقاً
من أكبر نقاط الضعف في أي تفسير ثقافي مغلق للسودان أنه قد يتعامل مع البلد كأنه وحدة مستقلة تنتج أزماتها داخلياً. لكن السودان يقع في قلب منظومة إقليمية تشمل مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا والبحر الأحمر والخليج، كما تتداخل فيه مصالح دولية مرتبطة بالذهب والموانئ والأمن والهجرة والزراعة والمياه.
وتوضح تشاتام هاوس أن الذهب يربط الحرب السودانية بشبكات إقليمية من المنتجين والتجار والمهربين والحكومات، وأن مصر والإمارات تمتلكان نفوذاً مهماً في الصراع، مع اعتماد الطرفين المتحاربين بدرجات مختلفة على شبكات مالية وتجارية خارجية (Soliman, 2025). كما توضح دراسة أخرى أن القوات المسلحة السودانية ترتبط تاريخياً بمصر، وأن الدعم السريع طور علاقات مهمة مع الإمارات، وأن التجارة والذهب والتدخلات الخارجية تشكل جزءاً من اقتصاد الحرب (Soliman, 2024).
وهذا يعني أن الحرب لا يمكن تفسيرها فقط من خلال “الثقافة السودانية”، لأن بعض موارد الحرب وآليات تمويلها وسلاسل الإمداد فيها تتجاوز حدود السودان. كما أن الحدود الطويلة والمفتوحة نسبياً تسمح بمرور الأشخاص والأسلحة والذهب والسلع، وتربط الحرب السودانية بصراعات في تشاد وليبيا وجنوب السودان وإثيوبيا ومنطقة الساحل. وقد وصفت تشاتام هاوس الحرب بأنها جزء من منظومة صراعات عابرة للحدود تشمل حركة اللاجئين والجماعات المسلحة والتجارة (Soliman, 2024).
ومن ثم فإن النموذج التفسيري الأكثر واقعية يجب أن يضع السودان داخل شبكة إقليمية، لا أن يفسر كل شيء باعتباره صراعاً ثقافياً داخلياً.
الفصل الحادي عشر: مقارنة تفسيرية كمية وكيفية بين التحليل الثقافي وبقية أسباب أزمات السودان
لا توجد، في الأدبيات المتاحة، قاعدة بيانات تجريبية تسمح بإسناد نسب سببية دقيقة إلى الثقافة والاقتصاد والجيش والمؤسسات والبيئة والتدخل الخارجي بالنسبة المئوية. ولذلك فإن إعطاء أرقام مثل “الثقافة تفسر 30%” أو “الاقتصاد يفسر 40%” سيكون اختلاقاً منهجياً لا تدعمه البيانات. والمقارنة العلمية الأفضل هي استخدام مؤشرات قابلة للرصد وبيان نوع العلاقة السببية التي يستطيع كل منهج تفسيرها.
عند تطبيق هذا الاختبار على الحرب التي بدأت في 15 أبريل 2023، نجد أن التفسير الثقافي يفسر بصورة أفضل الخلفية المتعلقة بالهوية والتمثيل والسرديات، بينما يفسر التحليل المؤسسي بصورة مباشرة مسألة انهيار الانتقال المدني وتعدد مراكز القوة، ويشرح التحليل العسكري النزاع حول القيادة والدمج وسلسلة القيادة، ويشرح الاقتصاد السياسي المنافسة على الذهب والشركات والموارد، ويشرح التحليل الإقليمي التمويل والدعم والشبكات العابرة للحدود، ويشرح التحليل البيئي بعض النزاعات على الأرض والمياه والتنقل، ويشرح التحليل الاقتصادي الانكماش والتضخم وانهيار الإنتاج والخدمات.
أما من الناحية الكمية، فإن الأدلة المتاحة تقدم مؤشرات قوية للغاية خارج المجال الثقافي. فهناك انكماش اقتصادي بلغ 29.4% في 2023 و14% في 2024، ونمو 3.1% في 2025 من قاعدة منخفضة؛ وارتفاع الفقر المدقع التقديري من 48% في 2023 إلى 59% في 2025؛ وانخفاض الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج في 2024–2025 (World Bank, 2026).
وهناك أيضاً 19.5 مليون شخص في مراحل انعدام الأمن الغذائي الحاد من الثالثة إلى الخامسة في الفترة فبراير–مايو 2026، منهم 135 ألفاً في المرحلة الخامسة (IPC, 2026). وهناك 8.62 مليون نازح داخلياً في يوليو 2026، و4.93 مليون عائد، في بيانات مصفوفة تتبع النزوح (IOM, 2026). وهناك أكثر من 11.3 مليون شخص في حالة نزوح قسري وفق بيانات سبتمبر 2026، وفق تعريفات وتجميعات مفوضية اللاجئين المختلفة (UNHCR, 2026).
وهناك أيضاً 217 هجوماً موثقاً على الرعاية الصحية، و2052 وفاة و810 إصابات حتى أبريل 2026 (WHO, 2026). وهذه الأرقام تقيس نتائج الحرب، لكنها في الوقت نفسه تكشف طبيعة الأسباب: العنف المسلح، انهيار المؤسسات، تدمير البنية التحتية، ضعف التمويل، النزوح، انهيار سلاسل الإمداد، والقيود على الوصول الإنساني.
وعند المقارنة النوعية، فإن التحليل الثقافي يملك قدرة تفسيرية أعلى في فهم كيفية إنتاج خطاب “نحن” و”هم”، وكيف تتحول اللغة والدين والهوية إلى أدوات تعبئة، وكيف تتشكل الذاكرة السياسية، لكنه أضعف في تفسير توقيت الحرب، وآليات تمويلها، وحجم الانكماش الاقتصادي، وحركة السكان، وانهيار النظام الصحي، وتوزيع الأسلحة، وعلاقات الشركات، وشبكات الذهب، وسلوك الدول الخارجية.
ومن ثم يمكن القول إن الثقافة عامل مهم، لكنها ليست العامل الذي ينبغي أن يبتلع بقية العوامل. وكلما اقترب السؤال من الأحداث المادية القابلة للقياس، تراجعت قدرة التفسير الثقافي الأحادي وزادت أهمية الاقتصاد السياسي والمؤسسات والأمن والبيئة والعوامل الدولية.
الفصل الثاني عشر: من التحليل الثقافي الأحادي إلى منهج سوداني متعدد العوامل؛ ما الذي ينبغي فعله عملياً؟
الدرس الأول للسودان هو ضرورة الانتقال من “منهج التحليل الثقافي” إلى “منهج التحليل متعدد المستويات”. الثقافة تدخل فيه، ولكن إلى جانب المؤسسات والاقتصاد السياسي والعسكرة والديموغرافيا والبيئة والعلاقات الدولية.
ويبدأ هذا المنهج بتحديد المشكلة بدقة. فإذا كانت المشكلة حرباً، يجب البدء بتحديد الأطراف المسلحة، وسلسلة القيادة، والموارد، ومصادر التمويل، والانتشار الجغرافي، والتحالفات، والمصالح، والحوافز، ثم تحليل الهوية والخطاب باعتبارهما جزءاً من عملية التعبئة والشرعنة.
وإذا كانت المشكلة تهميشاً إقليمياً، يجب قياس الإنفاق الحكومي للفرد، وعدد المدارس والمستشفيات، ونسب الفقر، والطرق، والكهرباء والمياه، وفرص العمل، والتمثيل السياسي والعسكري، وحيازة الأرض، قبل استنتاج أن السبب ثقافي.
وإذا كانت المشكلة هوية، يجب إجراء دراسات اجتماعية تجريبية تقيس كيف يعرف السودانيون أنفسهم فعلياً، وكيف تتغير هويتهم حسب العمر والتعليم والمكان والطبقة والنوع الاجتماعي والحضر والريف، بدلاً من افتراض وجود هوية ثابتة.
وإذا كانت المشكلة النزاع الأهلي، ينبغي جمع بيانات عن الحوادث، والأسلحة، والموارد، والأراضي، والأمطار، والهجرة، وأسعار السلع، والطرق، والنزوح، والقيادة المحلية، والخطاب الإعلامي. ويمكن استخدام نظم المعلومات الجغرافية، والاستشعار عن بعد، وتحليل الشبكات، والتحليل النصي، والمسوح الأسرية، ودراسات الحالات، والمقابلات النوعية. وهنا يمكن الاحتفاظ بأفضل ما في التحليل الثقافي، مثل دراسة الخطاب والرموز واللغة والذاكرة، لكن وضعه داخل تصميم بحثي أقوى.
وفي بناء الدولة بعد الحرب، ينبغي أن تتحول الدروس إلى سياسات قابلة للقياس. فالاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي مهم، لكن يجب أن يتحول إلى سياسات تعليم وإعلام وخدمة مدنية. وإصلاح المناهج مهم، لكنه يجب أن يستند إلى تاريخ موثق ومناهج نقدية لا إلى استبدال سردية مركزية بسردية مضادة. واللامركزية مهمة، لكنها لا تعني فقط نقل الخطاب من المركز إلى الأقاليم؛ بل تتطلب تحويل الموارد والصلاحيات والرقابة إلى مؤسسات محلية قابلة للمساءلة.
والعدالة التنموية ينبغي أن تقاس بمؤشرات واضحة: الإنفاق للفرد، وفيات الأطفال، تغطية التطعيم، سنوات التعليم، الوصول إلى المياه والكهرباء، الطرق، الدخل، فرص العمل، والإنتاج الزراعي. أما العدالة الثقافية فينبغي أن تقاس بتمثيل اللغات في التعليم والإعلام، وحقوق الجماعات في ممارسة ثقافاتها، وتمثيل المناطق في مؤسسات الدولة، وعدم التمييز.
وفي إصلاح القطاع الأمني يجب عدم استبدال المشكلة الأمنية بتفسير ثقافي. الحرب أثبتت أن تعدد القوات المسلحة يمثل مشكلة مؤسسية مباشرة. لذلك ينبغي أن يكون الهدف هو وجود مؤسسة عسكرية وطنية واحدة خاضعة للسلطة المدنية والقانون، مع ترتيبات واضحة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج والمساءلة، وأن يكون إصلاح الاقتصاد العسكري جزءاً من الإصلاح السياسي.
وفي مجال الاقتصاد السياسي يجب إخضاع الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية للشفافية والتدقيق والموازنة العامة، وإنشاء قواعد واضحة لملكية الموارد الطبيعية والذهب، وتتبع سلاسل التصدير، ومنع تمويل الحرب من الموارد الطبيعية. وتؤكد الدراسات الحديثة حول الذهب أن التحكم في هذا القطاع ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل عنصر من عناصر بنية الحرب نفسها (Soliman, 2025؛ C4ADS, 2025).
وفي مجال التنمية يجب استعادة القدرة المالية للدولة. فهبوط الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج المحلي في 2024–2025 يوضح أن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح من خلال الخطاب السياسي وحده (World Bank, 2026). ولا بد من إصلاح الضرائب والجمارك والجهاز المصرفي والإنفاق العام والديون.
وفي الأمن الغذائي ينبغي الانتقال من معالجة الطوارئ فقط إلى إعادة بناء الزراعة والري والأسواق وسلاسل الإمداد. فوجود 19.5 مليون شخص في المرحلة الثالثة أو أسوأ خلال الأشهر الأولى من 2026 يدل على أن المشكلة ليست ثقافية، بل أزمة إنتاج ووصول وأمن وأسعار وخدمات وصحة (IPC, 2026).
وفي الصحة ينبغي إعادة بناء النظام الصحي باعتباره بنية دولة. فوجود 37% من المرافق الصحية غير عاملة وتوثيق أكثر من ألفي وفاة مرتبطة بالهجمات على الرعاية الصحية حتى أبريل 2026 يوضح أن إعادة الإعمار الصحي يجب أن تشمل المنشآت والعاملين والإمداد والتمويل والمعلومات والترصد الوبائي والحماية القانونية (WHO, 2026).
وفي التعامل مع النزوح يجب عدم الخلط بين النزوح وفقدان السكان. فقد انخفض عدد النازحين داخلياً من ذروة تجاوزت 11.5 مليون إلى نحو 8.62 مليون في يوليو 2026، لكن ذلك يعكس جزئياً عودة ملايين الأشخاص وليس اختفاء السكان (IOM, 2026). وهذا مثال واضح على ضرورة أن يكون التحليل الديموغرافي قائماً على البيانات لا على الانطباعات الثقافية.
وفي إدارة التنوع ينبغي كذلك تجنب إعادة إنتاج ثنائية “العرب مقابل الأفارقة” أو “المركز مقابل الهامش” باعتبارها خريطة نهائية للمجتمع. المطلوب هو الانتقال إلى مفهوم المواطنة المتساوية، مع الاعتراف بالتعدد، من دون تحويل التعدد إلى نظام ثابت من الجماعات السياسية.
أما الثقافة نفسها، فينبغي أن تعامل بوصفها متغيراً ديناميكياً. فالثقافة ليست سجيناً للماضي؛ إنها تتغير عبر التعليم والهجرة والمدن والإعلام والاقتصاد والحرب والتكنولوجيا. وتؤكد الأدبيات الحديثة أن السمات الثقافية قد يعاد ربطها وإعادة تفسيرها بسرعة عندما تتغير المؤسسات والتوازنات السياسية (Acemoglu & Robinson, 2025).
وهذا يقود إلى درس مهم: لا ينبغي أن تسأل الدولة السودانية “كيف نغير ثقافة السودانيين؟”، بل “كيف نبني مؤسسات تجعل التعاون والمواطنة وسيادة القانون والمساءلة أكثر منفعة وأقل تكلفة من العنف والمحسوبية؟”. فالمؤسسات تستطيع تغيير الحوافز، وتستطيع الحوافز بمرور الزمن تغيير السلوك، ويمكن للسلوك الجديد أن يغير الثقافة السياسية نفسها.
خاتمة نقدية: الثقافة جزء من تفسير السودان وليست تفسير السودان
تكشف المراجعة التاريخية والنظرية والتجريبية أن التحليل الثقافي قدم إسهاماً حقيقياً في توسيع مجال النظر إلى السودان، خصوصاً في موضوعات الهوية واللغة والتمثيل والرموز والذاكرة والتهميش. كما أن مشروع محمد جلال هاشم كان مهماً في تاريخ الفكر السوداني لأنه جعل هذه الموضوعات جزءاً مركزياً من النقاش حول الدولة الوطنية والقومية السودانية والديمقراطية والثورة، وطور منذ 1986 مفردات أصبحت شديدة الحضور في الخطاب السوداني، وفي مقدمتها المركز والهامش (هاشم، 1986؛ هاشم، 1999؛ هاشم، 2014؛ هاشم، 2018؛ هاشم، 2021).
لكن أهمية المشروع الفكرية لا تكفي لإثبات كفايته العلمية. فالتحليل الثقافي يعاني عندما يجعل الثقافة مفهوماً واسعاً يشمل تقريباً كل النشاط الاجتماعي، وعندما يحول المركز والهامش من مفهوم تحليلي مرن إلى ثنائية تفسيرية شاملة، وعندما لا يميز بصورة صارمة بين الارتباط والسببية، وعندما لا يقدم قياسات واضحة لحجم الأثر الثقافي مقارنة بالاقتصاد والمؤسسات والعسكرة والبيئة والعلاقات الدولية.
والأدلة السودانية الحديثة تجعل هذا القصور أكثر وضوحاً. فالحرب الحالية اندلعت في سياق صراع مؤسسي وعسكري على السلطة وإصلاح القطاع الأمني، بينما كان الاقتصاد السياسي للذهب والموارد جزءاً مهماً من المنافسة، وتدخلت الشبكات الإقليمية في التمويل والتجارة، وانكمش الاقتصاد بنسب غير مسبوقة، وتراجع الإيراد الحكومي، وانهارت الخدمات، ونزح ملايين السكان، ووصل انعدام الأمن الغذائي إلى 19.5 مليون شخص، وأصيب النظام الصحي بأضرار واسعة (World Bank, 2026؛ Soliman, 2025؛ IOM, 2026؛ WHO, 2026؛ IPC, 2026).
ولهذا فإن التفسير الثقافي الأحادي لا يستطيع أن يحمل العبء التفسيري الكامل للأزمة السودانية. إنه يشرح جزءاً من الصورة، وفي بعض الأسئلة يشرح جزءاً مهماً، لكنه يصبح مضللاً عندما يقدم نفسه باعتباره المفتاح العام الذي يفسر الدولة والحرب والاقتصاد والجيش والتنمية.
والدرس الأكثر واقعية ليس إلغاء الثقافة، لأن ذلك سيكون خطأً منهجياً معاكساً، وإنما إخراجها من موقع “التفسير الأعلى” ووضعها في مكانها الصحيح داخل نموذج متعدد العوامل. الثقافة تؤثر في المؤسسات، والمؤسسات تؤثر في الثقافة؛ الاقتصاد يؤثر في الهوية، والهوية تؤثر في الاقتصاد؛ الحرب تغير الثقافة، والثقافة يمكن أن تستخدم لتعبئة الحرب؛ البيئة تؤثر في الاقتصاد، والاقتصاد يغير البيئة؛ والدولة تشكل المجتمع، لكن المجتمع يستطيع إعادة تشكيل الدولة.
وبذلك يصبح التحليل الأنسب للسودان هو تحليل سببي متعدد المستويات يجمع التاريخ السياسي، والاقتصاد السياسي، والمؤسسات، والعسكرة، والموارد الطبيعية، والديموغرافيا، والبيئة، والهوية، والخطاب، والعلاقات الدولية، مع إعطاء كل عامل وزنه بناءً على الأدلة لا بناءً على جاذبية النظرية.
والقاعدة المنهجية الحاسمة هي أن الثقافة ينبغي أن تفسر ما تستطيع البيانات إثبات قدرتها على تفسيره، لا أن تصبح اسماً آخر لكل ما لا نعرف كيف نفسره. فإذا كان الهدف هو بناء السودان، فإن المطلوب ليس تغيير “العقل السوداني” أولاً، وإنما بناء مؤسسات عادلة وفعالة، وإنهاء اقتصاد الحرب، وإصلاح القطاع الأمني، وإعادة بناء المالية العامة، وتوزيع التنمية والخدمات بصورة عادلة، وإدارة الأرض والموارد، وحماية التنوع اللغوي والثقافي، وإقامة دولة مواطنة وسيادة قانون. وبعد ذلك يمكن دراسة كيف تتغير الثقافة السياسية نتيجة لهذه التحولات.
وهذا هو الدرس العملي الأهم: لا يمكن بناء سلام مستدام في السودان بتغيير السرديات وحدها، ولا بإعادة كتابة الهوية وحدها، ولا بإدانة المركز أو تمجيد الهامش، ولا باستبدال ثقافة مهيمنة بثقافة مضادة. السلام يحتاج إلى مؤسسات، والديمقراطية تحتاج إلى قواعد، والتنمية تحتاج إلى موارد وإدارة، والجيش يحتاج إلى قيادة مدنية، والعدالة تحتاج إلى قضاء، والاقتصاد يحتاج إلى شفافية، والصحة تحتاج إلى نظام صحي، والغذاء يحتاج إلى إنتاج وأسواق ووصول، وإدارة التنوع تحتاج إلى مواطنة متساوية. أما الثقافة فتبقى عاملاً مهماً داخل هذه المنظومة، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً عنها.
المراجع
المراجع الإنجليزية
- Acemoglu D, Johnson S, Robinson JA. Institutions as the Fundamental Cause of Long-Run Growth. NBER Working Paper No. 10481. Cambridge, MA: National Bureau of Economic Research; 2004.
- Acemoglu D, Robinson JA. Why Nations Fail: The Origins of Power, Prosperity, and Poverty. New York: Crown Publishers; 2012.
- Acemoglu D, Robinson JA. Culture, Institutions, and Social Equilibria: A Framework. Journal of Economic Literature. 2025;63(2):637-692.
- Adorno TW, Horkheimer M. Dialectic of Enlightenment. New York: Herder and Herder; 1972.
- Bhabha HK. The Location of Culture. London: Routledge; 1994.
- Boas F. The Mind of Primitive Man. New York: Macmillan; 1911.
- Bourdieu P. The Forms of Capital. In: Richardson J, editor. Handbook of Theory and Research for the Sociology of Education. New York: Greenwood Press; 1986.
- Brubaker R. Ethnicity without Groups. Cambridge, MA: Harvard University Press; 2004.
- Carnegie Endowment for International Peace. Politics of Military Authoritarianism in North Africa. Washington, DC: Carnegie Endowment for International Peace; 2021.
- C4ADS. Bullion for Bullets: The Role of Mining in Sudan’s Conflict Economy. Washington, DC: Center for Advanced Defense Studies; 2025.
- Dzionek-Kozlowska J, Matera R. Institutions without Culture: On Daron Acemoglu and James Robinson’s Theory of Economic Development. Journal of Economic Issues. 2021;55(3):656-676.
- Ensley MJ, Munger MC. Ideological Competition and Institutions: Why “Cultural” Explanations of Development Patterns Are Not Nonsense. In: Mudambi R, Navarra P, Sobbrio G, editors. Rules and Reason: Perspectives on Constitutional Political Economy. Cambridge: Cambridge University Press; 2001. p.107-122.
- Fearon JD, Laitin DD. Ethnicity, Insurgency, and Civil War. American Political Science Review. 2003;97(1):75-90.
- Geertz C. The Interpretation of Cultures. New York: Basic Books; 1973.
- Gramsci A. Selections from the Prison Notebooks. New York: International Publishers; 1971.
- Hall S, editor. Representation: Cultural Representations and Signifying Practices. London: Sage; 1997.
- Malinowski B. Argonauts of the Western Pacific. London: Routledge & Kegan Paul; 1922.
- Said EW. Orientalism. New York: Pantheon Books; 1978.
- Soliman A, Baldo S. Gold and the War in Sudan: How Regional Solutions Can Support an End to Conflict. London: Chatham House; 2025.
- Soliman A, Demissie D. The Conflict Economy of Sesame in Ethiopia and Sudan. London: Chatham House; 2024.
- Tylor EB. Primitive Culture. London: John Murray; 1871.
- World Bank. Sudan. Washington, DC: World Bank; 2026.
- World Health Organization. After Three Years of Conflict, Sudan Faces a Deeper Health Crisis. Geneva: World Health Organization; 2026.
المراجع العربية
- أحمد، عبد الغفار محمد. دراسات حول النخبة والطبقة المثقفة في السودان والحزام الهامشي للدول العربية. 1988.
- إسماعيل، أبكر آدم. جدلية المركز والهامش: قراءة جديدة في دفاتر الصراع في السودان. أجزاء متعددة. 1997.
- بابو، تاج السر عثمان. منهج التحليل الثقافي: رؤية نقدية. الحوار المتمدن. بدون تاريخ. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- خالد، منصور. دراسات في المركز والتخوم والحضر والريف في السودان. 1993.
- داوي، صالح حاجر. مراجعة كتاب فشل مشروع الحداثة في السودان. فيسبوك. 5 يونيو 2025. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية. الطبعة الأولى. الخرطوم؛ 1986.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي: القومية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية في الثقافة السودانية. الطبعة الرابعة. الخرطوم: مركز دراسات القومية السودانية؛ 1999.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي: صراع الهامش ضد المركز. الخرطوم؛ 2014.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي: مشروع الدولة الوطنية السودانية وظاهرة الثورة والديمقراطية. الطبعة الثامنة. الخرطوم: الدار البيضاء للنشر والتوزيع ودار الراوي للنشر والتوزيع؛ 2018.
- هاشم، محمد جلال أحمد. مفاكرات حول منهج التحليل الثقافي: الثقافة، الدولة، الديمقراطية، الاستقلالية، الأيديولوجيا، والأفروعُمومية. الطبعة الثانية. جوبا: دار ويلوس للنشر والتوزيع؛ 2021.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي. وردبريس. 22 فبراير 2020. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- هاشم، محمد جلال أحمد. في منهج التحليل الثقافي – الحلقة ٢. مركز الدراسات السودانية. 19 يونيو 2020. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- هاشم، محمد جلال أحمد. في منهج التحليل الثقافي – الحلقة ٩. مركز الدراسات السودانية. 8 أغسطس 2020. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- هاشم، محمد جلال أحمد. منهج التحليل الثقافي: صراع الهامش والمركز في السودان. تيليجرام. 19 نوفمبر 2022. تم الوصول إليه في 27 سبتمبر 2026.
- البنك الدولي. السودان: بيانات الاقتصاد والتنمية والفقر والناتج المحلي. واشنطن العاصمة: البنك الدولي؛ 2026.
- البنك الدولي. السودان: مبادرة تخفيف الديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. واشنطن العاصمة: البنك الدولي؛ 2021.
- التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي. السودان: وضع انعدام الأمن الغذائي الحاد للفترة فبراير–مايو 2026 والتوقعات اللاحقة. روما: التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي؛ 2026.
- المنظمة الدولية للهجرة. السودان: مصفوفة تتبع النزوح، تقرير النزوح والعودة، يوليو 2026. جنيف: المنظمة الدولية للهجرة؛ 2026.
- المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. الوضع في السودان: التحديث الخارجي الشهري وبيانات النزوح القسري. جنيف: المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين؛ 2026.
- منظمة الصحة العالمية. السودان: تحليل الوضع الصحي العام للنزاع والطوارئ المعقدة. جنيف: منظمة الصحة العالمية؛ 2026.
- صندوق النقد الدولي. السودان: مشاورات المادة الرابعة وبرنامج الإصلاح الاقتصادي. واشنطن العاصمة: صندوق النقد الدولي؛ 2020.
