نزار عثمان السمندل
السؤال الأكثر إلحاحاً في المشهد السوداني اليوم لا يتعلق بمكان انعقاد مؤتمر سياسي أو بعدد المشاركين فيه، وإنما بالغاية التي تقف خلف إعادة ترتيب المشهد كله: لماذا تُفتح الأبواب أمام القوى التي أسقطتها ثورة ديسمبر؟ ولماذا يبدو بعض الفاعلين الإقليميين أكثر استعداداً للتعامل مع سلطة عسكرية مثقلة بإرث الماضي، من التعامل مع مشروع مدني ديمقراطي اختاره السودانيون ثم دفعوا ثمناً باهظاً من أجله؟
دعوة «الخماسية» التي تضم الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد»، والاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، إلى اجتماع القوى السودانية في أديس أبابا، جاءت بحثاً عن مسار سياسي ينهي الحرب. غير أن ردود الفعل التي صاحبتها كشفت عن أزمة أكبر من تفاصيل الاجتماع؛ أزمة تتعلق بطبيعة التسوية نفسها، وبالأطراف التي يُراد أن تكون جزءاً من مستقبل السودان.
رفضت قوى «صمود» و«تأسيس» وقوى إعلان المبادئ السوداني وحزب الأمة القومي المشاركة، انطلاقاً من رؤية مشتركة ترى أن أي عملية سياسية تفقد معناها إذا أعادت القوى المرتبطة بالنظام السابق إلى موقع الشريك في صناعة المستقبل. فالقضية بالنسبة لهذه القوى تتجاوز خلافاً حول التمثيل؛ إنها تتصل بالسؤال الذي ظل يطارد السودان طوال العقود الماضية: هل تكون الدولة ملكاً لمواطنيها أم مجالاً تتنازع عليه شبكات السلطة والسلاح؟
ثورة ديسمبر حملت مطلباً واضحاً، مفاده إنهاء دورة الحكم التي جعلت المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية وجهين متداخلين في إدارة الدولة. ثلاثة عقود من حكم الإنقاذ تركت إرثاً ثقيلاً من تفكيك المؤسسات، وتغليب الولاء السياسي على الكفاءة، وإضعاف الحياة الديمقراطية. لذلك فإن عودة المؤتمر الوطني وواجهاته السياسية إلى المشهد تفتح جرحاً لم يلتئم بعد لدى قطاعات واسعة من السودانيين.
الأمر هنا لا يتعلق بأسماء الأشخاص فقط، بل بالنموذج الذي يمكن أن يعود معهم. فبقاء البرهان في موقع القيادة، وفق رؤية منتقديه، يعني استمرار معادلة تمنح المؤسسة العسكرية دوراً سياسياً مركزياً، وتترك الباب مفتوحاً أمام القوى الإسلامية التي احتفظت بنفوذها داخل أجهزة الدولة والأمن والجيش.
الحسابات الإقليمية تضيف جداراً آخر إلى المشهد. فبعض الدول المحيطة بالسودان تنظر إلى استقرارها من خلال وجود سلطة يمكن التعامل معها وضبط إيقاعها، بينما تخشى قوى أخرى من أن تنتج التحولات الديمقراطية نظاماً سودانياً أكثر استقلالاً في قراراته وعلاقاته الخارجية. وهنا تظهر المفارقة: السودان الضعيف والمنقسم قد يكون أكثر قابلية للتأثير من السودان المستقر الذي يمتلك مؤسسات مدنية قوية.
الجارة الشمالية تعاملت مع الملف السوداني من زاوية ترتبط بمصالحها الانتهازية، بينما دخلت قوى إقليمية أخرى على خط الأزمة بحسابات تتعلق بالنفوذ والموانئ والتوازنات الجديدة في المنطقة. وبين هذه الحسابات، يظل المواطن السوداني هو الطرف الذي يدفع كلفة الصراع، سواء عبر الحرب أو عبر محاولات إعادة إنتاج السلطة القديمة بصيغ مختلفة.
الخطر الذي يواجه السودان لا يأتي من استمرار الحرب وحدها، وإنما من تحويل نهايتها إلى فرصة لإعادة ترتيب القوى التي أنتجت الأزمة. فالسلام الذي يمنح مساحة للذين استخدموا الدولة أداة للهيمنة سيعيد البلاد إلى النقطة التي خرج منها السودانيون في ديسمبر.
المعركة الحقيقية تدور حول مستقبل السودان؛ هل يتحول وجع الحرب إلى بداية تأسيس دولة جديدة، أم يصبح الخراب طريقاً لعودة النظام الذي صنع أزماته الأولى؟
ذلك هو ما يحدد لاحقاً، ما إذا كان السودان مقبلاً على سلام يعيد إليه عافيته، أم هدنة طويلة تعيد إنتاج أسباب الانفجار من جديد.
