نزار عثمان السمندل
الفاشر لم تسقط هذه المرة. كانت تُساق إلى الذبح. مدينة أنهكها تاريخ المجازر، وأثقلتها الخيانات. تُركت وحيدة لتواجه قدرها الأخير تحت أقدام الميليشيا، بلا جيش يحميها ولا ضمير إنساني يصحو على صراخها.
رائحة الموت تختلط بالغبار في الشوارع، والبيوت التي كانت تروي قصص البسطاء تحوّلت إلى مقابر بلا شواهد.
منظمة “منشاد” كشفت عن قتلٍ جماعي وتصفية ممنهجة لما يقارب ألفي مدني أعزل… لم يحملوا سوى وجعهم القديم.
حتى الشباب الذين أقاموا مبادرات التكايا وأطعموا الجوعى خلال أكثر من خمسمائة يوم من الحصار، قُتلوا بلا رحمة. ليست حرباً، بل ملهاة قذرة يُمثَّل فيها الجحيم على أرضٍ تموت عطشاً إلى العدالة.
كل من حاول الفرار من المدينة قُتل في الطريق؛ لا فرق بين امرأةٍ وكهلٍ وطفل. الموت يوزَّع بالعدل على الجميع، وسط صمتٍ مطبق (حتى كتابة هذا التقرير) من سلطة بورتسودان، أولئك الذين يُفترض أنهم “أصحاب القضية”.
الفارّون حفاةً يجرّون أطفالهم، يروون للعالم حكاية الفشل السوداني المركّب: فشل الدولة، وفشل النخب، وفشل الضمير. قالوا إن سيارات الدعم السريع كانت تطاردهم ككلاب الصيد، وإن من لم يُقتل في الطريق مات عطشاً أو خوفاً.
منذ عهد البشير المظلم، ودارفور تنزف. عقودٌ من الدم والخذلان، من الميليشيات التي أُطعمت بالحقد لتكبر، ومن الجيوش التي صمتت حتى تآكلت هيبتها. كان يُفترض أن يتعلّم الجيش من أخطاء الأمس، فإذا به يترك مواطنيه اليوم يواجهون مصيرهم وحدهم. القوة المشتركة التي وعدت بالحماية، سقط ناطقها الرسمي قتيلاً، ثم سقط الصمت فوق الجثث التي لم تجد من يواريها.
حتى من يُسمّى حاكم الإقليم، منّي أركو مناوي، لم يجد سوى الكلمات. قال إن “سقوط الفاشر لا يعني التفريط بمستقبل دارفور”، لكن الفاشر كانت قد فُرّط بها فعلاً، تُركت يتيمة في العراء. تنسيقية لجان مقاومة الفاشر ردّت عليه في بيان: “سيذكر التاريخ أن مناوي وجبريل وعبدالله يحي خذلوا رفاقهم، وأن البرهان خذل جنوده.”
يقطن دارفور نحو تسعة ملايين ونصف المليون إنسان، على أرضٍ تمتدّ لنصف مساحة مصر، غنية بالنفط والذهب واليورانيوم، وبخُمس ثروة السودان الحيوانية. لكنها – رغم غناها – منسية في حسابات السلطة، مرمية كعبءٍ ثقيل في ذاكرة الوطن.
في “طويلة” وحدها، وصل أكثر من ثلاثة آلاف نازح يعيشون بلا ماءٍ ولا أكل ولا دواء، كأنهم بقايا بشرٍ تائهون في صحراء العدالة.
البيانات الدولية تتوالى بلغةٍ متخشبة وباردة من لندن وواشنطن وبرلين؛ كلماتٌ قلقة لا تردّ أرواح القتلى ولا توقف النزيف.
تجمّعات وأحزابٌ كـ”صمود” و”المؤتمر السوداني” وقيادات مدنية متفرقة دانت أحداث القتل والترويع، لكن الإدانات لا تُطعم الجائعين ولا تحمي الهاربين.
في مقاطع مصوّرة، يظهر الصحافي معمر إبراهيم محتجزاً بيد المليشيا. عيناه ترويان كل شيء: الخوف، الإهانة، والرغبة في النجاة من وطنٍ يقتل أبناءه ثم ينكرهم. موتٌ مجاني، وأرواحٌ متعبة أُزهقت في هذا الجنون الهائل.
بعد قليل سينصرف الناس عما يجري في الفاشر، ليلحقوا “قتلاً” جديداً في مكانٍ آخر. سلسلة مآسٍ يتحمّل وزرها من ردّد بلا وعي: “بل بس”، ومن نادى بالتصعيد حتى آخر محارب، في وجه من دعا إلى وقف القتال وحقن الدماء. هذا حصاد أيديكم وغباؤكم، فلا تلقوه على المدنيين الذين استغاثوا منذ الرصاصة الأولى باسم العقل والرحمة.
سقطت الفاشر بأيدي الجناة، لكن ما يسقط حقاً هو آخر ما تبقّى من فكرة الوطن. وطنٌ ترك لأبنائه وصية من رماد: أن الموت قدر الفقراء، وأن النجاة للأقوياء وأبناء الكيزان الأبالسة.
دارفور، الأرض التي حلمت منذ عقودٍ بالسلام، تجد نفسها اليوم أمام كلاب الخراب. ومن بين أنين الأمهات في مخيمات النزوح، ترتفع الأسئلة التي لا جواب لها:
من سيكتب عن هذا الإقليم المنكوب الذي يموت مرتين… مرة برصاص الميليشيا، ومرة بصمت من ادّعوا القدرة على حماية الناس والثروة والتاريخ.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم