محمد عثمان عبدالله
ليست المشكلة في مقال د. حيدر البدري بعنوان “الخدمة المدنية. والتمكين الجديد. ولعبة الصالح العام”، أنه يختلف سياسياً مع اتفاق جوبا أو مع الحركات المسلحة أو مع وزارة بعينها؛ فهذا حق مشروع في أي نقاش عام. المشكلة الأعمق أن المقال يحاول أن يعيد تشكيل وعي القارئ عبر قلب مركز الخوف نفسه، وتحويل الضحية المتوقعة إلى متهم محتمل، في واحدة من أكثر ألعاب الخطاب السياسي السوداني خبثاً ومهارةً في صناعة التضليل.
فالكاتب لا يناقش قرار اللجنة بوصفه امتداداً طبيعياً لسياسات الدولة السودانية التاريخية في الإقصاء، بل يحاول أن يزرع في ذهن القارئ أن الخطر الحقيقي هذه المرة قادم من أبناء دارفور، وأن التهديد الذي يواجه الخدمة المدنية ليس عودة قبضة المركز القديمة، بل “تمكين الهامش”. وهنا بالتحديد تكمن الحيلة الخطابية التي بُني عليها المقال كله.
السودانيون لا يعيشون في فراغ سياسي أو في ذاكرة مثقوبة. الخدمة المدنية السودانية لم تكن يوماً مؤسسة محايدة حتى يأتي أحد اليوم ليبكي على حياديتها المفقودة”. منذ عقود طويلة، ظلت مؤسسات الدولة الكبرى تُدار وفق هندسة اجتماعية غير معلنة، لكنها واضحة في نتائجها وتمثيلها وتوزيع النفوذ داخلها. لم يكن أبناء الهامش هم من احتكروا السلك الدبلوماسي، ولا الجهاز المصرفي، ولا مؤسسات الاقتصاد، ولا مفاصل القرار الإداري، ولا حتى فرص التعليم النوعي التي تُنتج لاحقاً تلك النخب البيروقراطية. الدولة السودانية، منذ الاستقلال، كانت تُدار بعقل المركز، وتُوزَّع امتيازاتها داخل دائرة اجتماعية ضيقة تعرف نفسها جيداً، حتى إن كثيراً من أبناء الأطراف لم يكونوا يرون الدولة أصلاً إلا في هيئة جندي أو محصل ضرائب أو طائرة حربية.
لهذا يبدو مثيراً للسخرية أن يتحول الحديث فجأة إلى “الخوف على الكفاءة” عندما يقترب أبناء المناطق المهمشة من أبواب المؤسسات التي ظلوا مستبعدين منها لعقود. الكفاءة في السودان غالباً لم تكن معياراً خالصاً، بل امتيازاً اجتماعياً موروثاً جرى تسويقه لاحقاً باعتباره تفوقاً طبيعياً. وحين احتكر المركز الفرص لعشرات السنين، لم يسمِّ أحد ذلك تمكيناً. لكن مجرد الحديث عن إعادة التوازن يصبح فجأة تهديداً للدولة وانهياراً للمؤسسات ومؤامرةً كونية.
ومع ذلك، فإن أكثر ما يضعف فرضية المقال هو أنه يتحدث عن “تمكين جديد” تقوده حركات اتفاق جوبا، بينما القرار السيادي والتنفيذي في السودان ما يزال بيد مؤسسات الدولة التقليدية نفسها، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية ورئاسة الوزراء، لا بيد الحركات المسلحة. فوجود وزير محسوب على إحدى الحركات لا يعني انتقال مركز السلطة الكامل إليها، ولا يكفي وحده لإثبات وجود مشروع واسع لإعادة هندسة الخدمة المدنية على أسس جهوية، بينما مفاصل القرار الكبرى ما تزال تُدار بالعقل القديم نفسه.
مقال د. حيدر لا يناقش الوقائع بقدر ما يشتغل على صناعة ذعر اجتماعي منظم. فهو يفترض، دون دليل معلن، أن أي عملية مراجعة أو إعادة هيكلة تعني تلقائياً خطة لإحلال أبناء دارفور مكان الآخرين. ثم يبني فوق هذا الافتراض المتهافت سردية كاملة عن “المذبحة الوظيفية” و “الهندسة الديموغرافية” و “تفكيك الدولة”. والحقيقة أن المقال لا يقدم وثيقة واحدة تثبت أن اللجنة قررت فصل الناس لصالح أبناء دارفور، ولا يشرح كيف تحولت نسبة واردة في اتفاق سياسي إلى خطة سرية مكتملة الأركان لإحلال إثني داخل مؤسسات الدولة. إنه يقفز من الشك إلى الإدانة مباشرة، ثم يطلب من القارئ أن يتعامل مع هذا القفز باعتباره تحليلاً سياسياً رصيناً.
والأكثر تناقضاً أن المقال بنى جزءاً كبيراً من منطقه على الربط بين نسبة الـ60٪ التي قيل إنها ستُحال للمعاش، ونسبة الـ40٪ التي زعم الكاتب انها خاصة بمسار دارفور في اتفاق جوبا، بينما الحساب نفسه يهدم هذا الاستنتاج. فإذا كانت حصة دارفور تعادل 40٪ فقط، فإن إحالة 40٪ من الوظائف تكفي نظرياً لاستيعاب هذه النسبة، لا 60٪. أما القفز من هذه الأرقام والتسريبات غير المؤكدة إلى استنتاج سياسي ضخم عن “مؤامرة إحلال شاملة”، فيكشف هشاشة البناء المنطقي الذي يقوم عليه المقال أكثر مما يثبت صحته.
الأخطر من ذلك أن المقال يحاول أن يصنع تعارضاً زائفاً بين “الكفاءة” و”أبناء المناطق المتأثرة بالحرب”، وكأن القادم من دارفور أو النيل الأزرق أو كردفان أو الشرق يأتي بالضرورة خارج معايير الجدارة. هذه اللغة ليست بريئة، حتى لو ارتدت بدلة التحليل الإداري. إنها نفس اللغة القديمة التي ظلت تُستخدم لتبرير احتكار السلطة والثروة باسم “المؤهلين طبيعياً للحكم والإدارة”. وكأن الحرب الطويلة التي عاشتها تلك المناطق لم تكن أصلاً نتيجة مباشرة لحرمانها التاريخي من فرص الدولة ومواقع القرار.
ثم إن المفارقة التي يتجاهلها المقال عمداً هي أن أبناء الهامش أنفسهم هم الأكثر خوفاً اليوم من أي عمليات “صالح عام” جديدة. لأن التجربة السودانية علّمتهم أن الدولة، عندما تضيق وتختنق، تبدأ أولاً بالأطراف، لا بالمركز. هم يعرفون جيداً أن شبكات الحماية الاجتماعية والقبلية والسياسية داخل مؤسسات الدولة ليست متساوية، وأن الموظف القادم من الهامش غالباً ما يكون أول من يُستغنى عنه حين تبدأ إعادة الفرز الصامتة. ولذلك فإن محاولة تصوير الأمر وكأنه مؤامرة دارفورية للاستيلاء على الدولة ليست فقط تضليلاً سياسياً، بل أيضاً إعادة إنتاج واعية لمنطق الكراهية الاجتماعية الذي مزق السودان أصلاً.
ثمة شيء أعمق من مجرد الخلاف السياسي يظهر في هذا النوع من الكتابات؛ وهو خوف المركز من فقدان احتكاره التاريخي للرمزية الإدارية للدولة. فالدولة بالنسبة لكثير من نخب السودان القديم لم تكن مؤسسة عامة، بل كانت مرآةً اجتماعية ترى فيها نفسها وحدها. ولهذا يبدو أي حضور جديد داخلها تهديداً وجودياً، حتى لو جاء عبر اتفاقيات سلام وقعتها الدولة نفسها. المشكلة ليست في اتفاق جوبا وحده، بل في أن بعض النخب لا تزال تتعامل مع السودان وكأنه ملكية تاريخية خاصة، لا وطناً متعدداً يجب أن يُعاد بناؤه على أساس العدالة لا الوراثة السياسية.
كل ديستوبيا أو استبداد في التاريخ تبدأ حين تقتنع جماعةٌ ما أن الدولة خُلقت لتشبهها وحدها.
أما الحديث عن “التمكين الجديد”، فهو يصبح فاقداً للمعنى عندما يُستخدم لتخويف الناس من مجرد مشاركة الآخرين. التمكين الحقيقي ليس أن يدخل” أبناء دارفور إلى الدولة، بل أن تظل الدولة حكراً على مجموعة واحدة ثم يُطلب من الجميع تسمية ذلك حياداً وكفاءةً وتوازناً قومياً. تلك ليست دولة؛ تلك شركة مغلقة تحمل علماً.
لا أحد يدافع عن الفساد أو المحاصصات أو تحويل مؤسسات الدولة إلى غنائم سياسية، سواء فعلها المركز أو الهامش أو الحركات المسلحة أو العسكريون. لكن النقاش النزيه يبدأ من الاعتراف بالحقيقة كاملة، لا من اقتطاع جزء منها وتحويله إلى فزاعة إعلامية. وإذا كانت هناك مخاوف حقيقية من قرارات اللجنة، فيجب مناقشتها بشفافية قانونية ومؤسسية، لا عبر تعبئة الناس ضد فئات اجتماعية بعينها وتصويرها كأنها الخطر القادم على السودان.
لقد دفع السودان ثمن هذه اللغة طويلاً؛ اللغة التي لا ترى في المواطن فرداً، بل امتداداً لإقليمه وقبيلته وجهته. والبلاد التي تُدار بالخوف من بعضها، لا تنتهي إلى دولة، بل إلى جغرافيا متجاورة من الكراهية المؤجلة.
وربما لا تكمن خطورة هذا النوع من المقالات في أخطائه السياسية وحدها، بل في ما يكشفه عن التحول المأساوي لبعض النخب السودانية؛ حين يغادر المثقف موقعه الطبيعي كحارسٍ للوعي العام، ليصبح أداةً لإنتاج الخوف الاجتماعي وصناعة الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.
dr.jao.albawadi@gmail.com
