ليست إساءة و إنما شرف عظيم .. بقلم: علاء الدين زين العابدين عثمان

وصف البعض من المتعاطفين مع اعتقال الاساتذة فاروق ابو عيسي و أمين مكي مدني  و آخرين ، بأن ما تعرض له الاساتذة الاجلاء يعتبر اساءة و اهانة لهما بحكم تاريخهما النضالي الطويل . و هذا التعليق بالرغم من انه تعاطف محمود و مقدر إلا انه يجانب الحقيقة بشكل كبير  ، لان التفسير الواقعي و الحقيقي لما تعرض له الاساتذة هو انهما تقلدا في نهاية مشوارهما النضالي بقلادة ذهبية لا تقدر بثمن ، و اكاد أن اجزم من خلال تجاربي الشخصية في هذا المجال ، انهما من اسعد الناس بهذا الاعتقال ، و اكثر سعادة بتقديمهما للمحاكمة ، فالاعتقال بكوبر شرف كبير لا يناله الا القلة المحظوظة من العاملين في السياسة ، و فاروق و امين كانا في حاجة ماسة لهذا الشرف الباذخ .
الاعتقال بوجه عام يمثل شهادة دكتوراه فخرية تمنح للسياسي ليتباهي بها طويلا امام رصفائه من السياسيين ، فالاعتقال يفتح لك الطريق للسير في عالم السياسة برأس مرفوع و (لسان) طويل ، فإن اقترن الاعتقال بمحاكمة سياسية مشهودة ، فذلك غاية المني لكل سياسي ، فلقد عملت انا شخصيا في عالم السياسة لما يزيد عن الثلاثين عاما ، زرت فيها كوبر مرتين و قدمت لمحكمة عسكرية عام 1976 ارسلتني لسجن الابيض لمدة عامين ، و لكني خرجت من الاعتقال و السجن و انا قائد سياسي بالرغم من صغر عمري في ذلك الوقت ، و اصبحت اتقدم الصفوف و اتقلد المناصب القيادية الحزبية بسبب الدكتوراه الفخرية التي احملها ، حتي تعبت في النهاية من طول المشوار و تعقيداته ، و لكني ما زلت اتباهي حتي الان بتلك الدكتوراه الفخرية .
الاستاذ فاروق ابو عيسي التقيت به في سجن كوبر في عام 1973 ، بعد انتفاضة شعبان المباركة ، و كان كوبر وقتها يعج بالمئات من القيادات الساسية التي لم نحلم و نحن طلاب جامعيون بأن نجتمع بهم يوما ، و كان الاستاذ فاروق ضمن مجموعة مقدرة من المحامين الاجلاء المساندين للانتفاضة ، اذكر منهم علي سبيل المثال لا الحصر ، الاساتذه عابدين اسماعيل و ميرغني النصري . فما زلت اذكر و لا يمكن ان انسي تلك العلاقة الوطيدة التي كانت تجمع الاستاذين عابدين اسماعيل و فاروق بالدكتور القامة الاخ جعفر ميرغني ، ذلك الرجل الذي كان يعتبر الاب الروحي للاخوان المسلمين بمعتقل كوبر ، و الذي استغرب الان غيابه عن المسرح السياسي بشكل كامل و هو القامة السامقة و رجل الدين المحبوب .  كان الجميع بالمعتقل يستغربون تلك العلاقة الوثيقة التي تربط الطرفين الشيوعي و الاخواني ، و لكني شخصيا لم استغرب تلك العلاقة ، فالدكتور جعفر ميرغني ، بالرغم من شكله الاخواني المتمثل في الجلابية القصيرة و اللحية الطويلة جدا ، الا انه حين تعرفه يمتاز بالبساطة و السماحة الجاذبة و العلم المتدفق ، و اذكر هنا علي سبيل الاستطراد ، اني سألته يوما إن كان صوت المرأة عورة كما يقولون ؟ فأجابني : انه الجهل الفاضح بالاسلام ، كيف يكون صوتها عورة ، و الله سبحانه و تعالي يصف مفاتن المرأة حين يأمر بسترها بقوله ( و لا يبدين زينتهن ) ، فأشار الله تعالي لمفاتن المرأة الحساسة بقوله ( زينتهن) ، فهل يعقل أن يصف صوتها بأنه عورة ؟؟؟
و اذكر في مجال الذكريات عن تلك الفترة ، الايام الرائعة التي قضيتها مع الدكتور حسن الترابي بقسم الاسبتالية بكوبر ، فشهدت عظمة ذلك الرجل التي تمثلت في تعليمه للغة الفرنسية لاحد المعتقلين الشيوعيين مقابل تعلمه للغة الالمانية ، سبحان الله ، كيف لرجل بهذه المواصفات أن يقود لاحقا انقلابا يفتح ( بيوت الاشباح) لتعذيب المعتقلين ؟؟؟!! لكنها السياسة ، التي لا غرابة فيها ، و الدليل أن الحبيب الامام ، الذي كنا نفتديه بأرواحنا رخيصة ، اصبح منزله العامر اليوم يضم بين جدرانه  مساعد رئيس الجمهورية ، و ضابط الامن القومي ، و بنات مجاهدات في قامة الحبيبة مريم ؟؟!! 
علاء الدين زين العابدين عثمان
مستشار قانوني – شركة سابك
ينبع الصناعية – السعودية 
othmanaz@yansab.sabic.com
////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً