ليس دايتون… بل عجزكم المزمن عن إدراك اللحظة يا عادل الباز

كتبتَ مقالك الأخير بعينٍ مشدودة إلى واشنطن، وقلبٍ مستغرق في نظرية المؤامرة، ولسانٍ يجلد “الرباعية” كما لو كانت هي التي فجّرت الحرب وشرّدت الملايين وأحرقت المدن، لا جنرالاتكم ولا سُخفاؤكم الذين يتصارعون على الخراب
قارنتَ ما يحدث باتفاقية دايتون التي أُنجزت تحت هدير الطائرات والبارود في سماء البوسنة
لكنّ السودان، يا عزيزي، لا تحوم فوقه طائرات أميركية، ولا تنصب فيه خيام الناتو، ولا تُملى عليه تسويات تحت تهديد السلاح الدولي، بل هو يذبح نفس بيديه، وأنتم في الخرطوم وبورتسودان والقاهرة تتجادلون في شرعية المقصلة
من الذي فرض الخراب؟ الرباعية أم أنتم؟
من الذي عطّل الانتقال المدني حين كان ممكنًا؟
من الذي صفّق للانقلاب وهو يسرق أحلام الثورة؟
من الذي هندس الانشقاق في القوى السياسية، ونسّق مع المخابرات الإقليمية ليعيد التاريخ إلى نقطة ما قبل أبريل؟
من الذي أطلق الرصاص في الخرطوم، وسلّح الأحياء، وحوّل الجيش إلى ملاذ للمهووسين، والدعم السريع إلى مشروع إقطاعية؟
ثم تأتون بعد كل هذا الخراب، لتتحدثوا عن السلام المفروض، وكأنكم كنتم تصنعون سلامًا آخر لو تُركتم وحدكم
أفهم تمامًا الهواجس من مراكز الفكر الأميركية، ومن معهد واشنطن تحديدًا، وأشاركك الحذر من رؤى لا ترى في السودان سوى ساحة تصفية بين روسيا وإيران وإسرائيل والإمارات
لكن الفرق، يا أستاذ عادل، أن ما يُكتب هناك يُقدَّم كمادة للحوار، أما ما يُكتب هنا، في صحف الخرطوم وبورتسودان، فغالبًا يُقدَّم كمسوّغ للجهل، وكمحرّض على الاستقطاب، وكمظلة لخيانة الوعي
لسنا مجبرين على قبول ما يخرج من تلك المعاهد، لكنّ رفضها لا يكون بنفخ الصدر ورفض الطاولة، بل بإحضار طاولة بديلة، وبمشروع وطني له وزنه لا لهجته فقط
حين تغيب عنك الرؤية، يصبح من السهل أن تُشيطن كل مبادرة خارجية، وتلعن الرباعية، وتندب جنيف، وتُشكك في جدة، وتتهم قطر وبريطانيا ومصر والسعودية والإمارات وأميركا وتركيا وأثيوبيا وحتى توغو… بينما أنتم لا تقدمون سوى شعارات فارغة وخطابات حمقاء خاوية و متناقضة. لا تقولوا لنا نرفض التدخل الخارجي هكذا، بينما أنتم أنفسكم تستقوون بالخارج، وتعيشون على ما تجود به أجهزة دول الجوار، وتُراكمون علاقات من فوق الطاولة وتحتها
ما نحتاجه هو الوقوف أمام المرآة… لا أمام شاشات التحذير
هذه ليست دايتون، بل لعنة وطن تركتموه نهبًا للعساكر، والتكفيريين، والمليشيات، والمنصّات الإعلامية التي تسخر من الوجع وتدّعي التماسك
كفّوا عن تخويفنا من مؤتمرات الخارج، ما دمتم لا تجرؤون على عقد مؤتمر داخل البلاد
كفّوا عن التنظير ضد التسويات، وأنتم لا تملكون إلا الفُرقة، والمواقف الرمادية، وصمت العار
وإذا كانت الرباعية تريد فرض السلام، فقولوا لنا
أنتم، بماذا تريدون أن تفرضوا أنفسكم؟
بالصمت؟ بالتحالفات؟ بالبيانات؟ بالنوستالجيا؟
لا أحد يُطالبك بالتفاؤل،
لكن حين تكتب عن المشهد بهذا الكمّ من الشك والتهكّم والغيبوبة القومية، فأنت تساهم، دون أن تدري، في ترسيخ قناعة أن الداخل منهار بالكامل، وأن الخارج وحده القادر على هندسة ما تبقى
الرباعية لم تهدم هذا الوطن، أنتم من فعل
و”دايتون” لم تُكتب بعد، لكنّ فصول الاستسلام للواقع تُكتب يوميًا، وبأقلام الداخل
إن أردت يا أستاذ عادل أن تنتقد، فافعل
لكن لا تفعل ذلك من موقع العارف بكل شيء، بينما تغيب عنك أبسط الإجابات
ماذا تريد أنت؟ وما الذي تقترحه، غير رفض كل ما يُطرح؟
وإلا فإن مقالك هذا لا يعدو أن يكون أحيحاً على حافة جثة وطنٍ لم يُبكَ عليه كفاية

علاء الدين خيراوى
khirawi@hotmail.com

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

النمو المعجزة في زمن الرماد.. تفكيك سردية “التعافي الوهمي للاقتصاد السوداني

علاء خيراويفي زمن الحروب، تصبح الأرقام ساحة معركة لا تقل خطورة عن الميدان. والمقال الذي …