بسم الله الرحمن الرحيم
“إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن” مقولة مأثورة ومشهورة في تراث الأولين، لكن روايتها تفتقر الى سند موثوق يعتد به – فالبعض ينسبها الى عمر بن الخطاب والبعض الآخر يرويها عن عثمان بن عفان رضي الله عنهما – وهي في جميع الأحوال ليست حديثاً مرفوعاً الى النبي صلى الله عليه، وحاشا أن ينسب الى نبي الإسلام مثل هذه المقولة التي تجعل فريضة إحقاق الحق وإبطال الباطل رهينةً بسيف السلطان لا بنور القرآن – مع العلم أن الجهاد الأكبر الذي فرضه الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إنما هو جهاد القرآن وليس جهاد السلطان، كما جاء في قوله تعالى (فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً) [الفرقان : ]
وغالب الأمر أن تلك المقولة المأثورة هي من تراث العصر الأموي المعروف بتسلطه وشدة بطشه، ولا شك أنها لاقت هوىَ في القرون التالية التي انتهجت ذات السيرة السلطوية التي رهنت قوة الحق بسيف السلطان لا بنور القرآن – وقد أصاب الشهرستاني في كتابه “الملل والنحل” خلال القرن الرابع الهجري في وصف سير الخلفاء بعبارته المأثورة : “ما سُل سيفٌ في الإسلام مثلما سُل على الإمامة (أي طلب الخلافة)” – وتلك هي عمدة القاعدة الأصولية التي صاغها بعض المتأخرين من فقهاء أهل السنة بقولهم ” من اشتدت وطأته وجبت على الناس طاعته”، وإن كانت ضمن بعض الشروط الشكلية لمفهوم الدولة الإسلامية، وهي مع ذلك لاقت هوى في قلوب كثير من زعماء الإسلام السياسي المعاصرين، وإنني أحسبها – دون الحاجة الى إطالة السرد – عين الداء الذي يعاني من وطننا السودان في ظل هذه الحرب اللعينة !
لذا، فالأمل معقود بمشيئة الله أن نستفتح هذا العام الميلادي الجديد بعزم أكيد يجعل الوزع بالقرآن – لا الوزع بالسلطان – هي سبيلنا لإقرار السلام الدائم وحقن الدماء وإعادة البناء، فلماذا لا نتأسى بصلح الحديبية الذي أبرمه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع عتاة أهل الشرك وائمة الكفر، حيث أوفى لهم بشروطهم الجائرة ثمناً مقدماً للسلام المنشود، بالرغم من أنهم لم يستوقفوا النبي على وهنٍ أو ضعفٍ في العدة والعتاد – حيث كان صلى الله عليه وسلم عائداً وقتئذ من غزوة خيبر بنصر مؤزر من الله، ومعه الصحابة الأبرار جاعلين سيوفهم في قرابهم طلباً للبيت الحرام – لكن، بالفعل، كان السلام المنشود جديراً بدفع ذلك الثمن المعنوي المقدم رغم أن كبار الصحابة أمثال عمر بن الخطاب قد استكثروه بادئ الأمر، والشاهد أن ثماره الموعودة في القرآن ما فتئت أن لاحت بشائرها بدخول الناس في دين الله أفواجاً وذلك قبل أكثر من عام من فتح مكة – فالفتح المقصود كما هو معلوم لم يكن فتح مكة المكرمة وإنما هو صلح الحديبية الذي كان سبباً لنزول سورة الفتح.
والى جانب ذلك، لا يفوتنا أن نسأل أنفسنا وأساتذتنا من علماء التاريخ عن أولئك الرواد الأوائل الذين فتحوا السودان قبل أكثر من سبعة قرون، وأدخلوا آهله في دين الإسلام أفواجاً ؟ اليس هم الدعاة المخلصين من أهل الله، والأوفياء من حملة القرآن الكريم بما فيهم سادة الطرق الصوفية الذين فتح الله لهم قلوب العباد وذلّل لهم مشارق البلاد ومغاربها، فعمروها بالبر والخير؟ فلا ينبغي أن يخطئ أحد وينسب هذا الفضل لدولة السلطنة الزرقاء أو دولة المهدية، فهذه الدول رغم تقديرنا لإسهاماتها التاريخية المأثورة، قد وجدت شعباً مسلماً ناضجاً بفضل الدعاة الأوائل الذين أبانوا له سبيل الحق والخير، ولم تزد نلك الدويلات عن مجرد استقطابه لأطروحاتها والصعود على أكتافه الى سدة الملك وبناء الدولة.
فقد ظل هذا الشعب راسخاً بدينه الإسلامي ومستمسكاً بمثله العليا التي جعلت منه أنموذجاً يحتذى بين كافة شعوب العالم الإسلامي رغم تقلب الأزمان وتدافع النظم الحاكمة عليه، سواء الوطنية منها وغير الوطنية – فيا ترى، ما الفرية الكبرى التي ارتكبها هذا الشعب وبنيه الأبرياء ليستحق أن يكون وقوداً لهذه الحرب الأهلية الخاسرة فينال بسببها كل ألوان الذل والهوان والتشرد عبر أصقاع الأرض ؟؟ وإن كنت خاتماً هذا المقال بآية مختارة لأخاطب بها قلوب الإخوة قادة الحركة الإسلامية الذين يرقبون أهوال هذه الحرب عن قرب دون أن يطرف لهم جفن لمحاولة الكف من ويلاتها والدخول في دعوة السلم المعلنة، فهي الآية التي عاتب بها الله تعالى عباده المؤمنين بقوله تعالى ” ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) [الحديد:76].
s.i.tageldin@gmail.com
أ.د.سيف الدين إبراهيم تاج الدين
أستاذ سابق بجامعة الخرطوم
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم