ليلة القبض على نيكولاس..هل هو عصر ما بعد الحصانة

khirawi@hotmail.com
علاء خيراوي
في تلك الليلة، لم يكن المشهد على شاشات التلفاز خبرًا عاديًا يُتلى ثم يُطوى، بل بدا كأنه بثّ مباشر من قلب فيلم سياسي ثقيل الظل. أضواء كاراكاس تخفت فجأة ثم تعود متقطعة، صفارات إنذار تشق السكون، كاميرات مهتزّة تلاحق عربات سوداء بلا لوحات تشق شوارع العاصمة بسرعة غير مألوفة، ووجوه مذيعين تحاول أن تبدو متماسكة بينما تفضح أعينهم ارتباكًا حقيقيًا. محيط قصر ميرافلوريس مطوّق، جنود ينتشرون على عجل، اتصالات مقطوعة، بيانات رسمية متناقضة تصدر في دقائق قليلة، كأن الدولة نفسها تبحث عن جملة متماسكة تشرح ما يجري. ثم تأتي اللقطة التي تغيّر نبرة البث كله؛ خبر عاجل يقطع البرامج دفعة واحدة، القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد.

في اللحظة ذاتها تنقلب الاستديوهات إلى غرف طوارئ، خرائط تُعرض على الشاشات، مراسلون يرفعون أصواتهم فوق ضجيج الشارع، وأسئلة تتكاثر أسرع من الإجابات؛ من نفّذ؟ كيف؟ وأين أصبحت السلطة الآن؟ المشاهد، وهو يتنقّل بين القنوات، لا يتابع خبرًا بقدر ما يشهد لحظة تاريخية تتشكّل أمام عينيه.

لكن ما إن تهدأ الصدمة الأولى، حتى يتكشّف أن ما جرى لم يكن مجرد حادثة أمنية عابرة، ولا يصلح أن يُختزل في صورة اعتقال مثيرة تتناقلها الشاشات، بل كان لحظة كاشفة في تاريخ النظام الدولي كُسرت فيها قاعدة ظلّت، نظريًا على الأقل، خطًا أحمر؛ أن محاسبة الأفراد، مهما ثقلت الاتهامات، لا تمنح تلقائيًا رخصة انتهاك سيادة الدول. هنا تتراجع الأسماء أمام المعاني، ويتقدّم السؤال الجوهري عمّا يتبقّى من فكرة الدولة حين تُنتزع من رأسها بالقوة، وتُبرَّر الوسيلة باسم العدالة.

المسألة ليست دفاعًا عن رجل ولا تلميعًا لسجل سياسي مثقل بالانتهاكات، بل تفكيك للفعل نفسه وللسابقة التي يؤسّس لها، لأن جعل اعتقال رئيس دولة وهو في الحكم ممكنًا خارج أي تفويض دولي واضح يعني إعادة تعريف قسرية لمعنى العدالة والسيادة معًا.

فالدول لا تُدار بالأشخاص وحدهم، هذه حقيقة، لكن التاريخ يعلّمنا أيضًا أن نزع الرأس فجأة لا يمرّ بلا نزيف. الرمز، مهما قيل عن هشاشته، يظل نقطة التقاء لمؤسسات وشبكات مصالح وتوازنات قهرية، وحين يُنتزع من دون مسار انتقالي واضح ومُتَّفَق عليه تتكاثر الأسئلة التي لا إجابات جاهزة لها؛ من يحكم الآن؟ بأي شرعية؟ ولأي أمد؟ في مثل هذه اللحظات يتقدّم الأمن على السياسة، ويُعاد تدوير خطاب “الاستقرار” لتأجيل الأسئلة الكبرى، غير أن الاستقرار المؤجَّل غالبًا ما يكون قناعًا هشًا لفوضى مؤجلة أو تثبيتًا مؤقتًا لسلطة الأمر الواقع.

المعضلة الأخطر لا تكمن في الداخل الفنزويلي وحده، بل في ميزان الشرعية الدولي. فالقانون الدولي، في جوهره، ليس منظومة أخلاقية مثالية، بل توافق هشّ صُمّم لحماية الأضعف قبل الأقوى. قاعدته الصارمة حظر استخدام القوة واحترام السيادة، واستثناءاته محدودة ومحكومة بشروط واضحة. الاتهامات الجنائية، مهما بلغت خطورتها، لا تكفي وحدها لتبرير اقتحام إقليم دولة ذات سيادة واعتقال رئيسها، لأن الخلط بين الملاحقة القضائية والعمل العسكري العابر للحدود يحوّل العدالة من قيمة كونية إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تتلاقى المصلحة مع القدرة.

ومن هنا تُقرأ أهداف واشنطن بوصفها حزمة مركّبة لا شعارًا واحدًا؛ فهي تسعى إلى كسر نموذج التحدّي الصريح للهيمنة الأميركية الذي مثّلته فنزويلا بما راكمه من تحالفات مع روسيا والصين وإيران، وإلى إعادة ضبط ميزان النفوذ في أمريكا اللاتينية التي تُعد تقليديًا امتدادًا لأمنها القومي، وتحييد ورقة الطاقة بمنع خصومها من تحويل النفط الفنزويلي إلى رافعة نفوذ، مع ترسيخ منطق “العدالة العابرة للحدود” بصيغة انتقائية تُنتج ردعًا سياسيًا أكثر مما تُنتج عدالة متوازنة، واستثمار داخلي يبيع الحزم ويغذّي شرعية القرار، بينما يبقى الهدف البراغماتي الأعمق هو إدارة الفوضى لا بناء الدولة، أي فنزويلا غير معادية وغير قادرة على تصدير الإرباك، بصرف النظر عن شكل الحكم وضماناته.

سياسيًا قد يبدو المشهد مكسبًا سريعًا، لكن السياسة لا تُقاس باللقطة الأولى التي شاهدها العالم على شاشات التلفاز. الامتحان الحقيقي يبدأ بعد انطفاء الأضواء؛ هل توجد خطة انتقال تقلّص العنف وتحترم الداخل الفنزويلي، أم نحن أمام إدارة أزمة مفتوحة بلا سقف زمني تُراكم الأكلاف؟ القضاء الأميركي نفسه سيجد أنه لا ينظر في ملف جنائي صرف، بل في قضية سيادة بامتياز تختلط فيها قاعة المحكمة بأسئلة السياسة الخارجية.
وعلى المستوى الإقليمي والدولي، يتجاوز القلق حدود فنزويلا. سابقة كسر القواعد لا تُطمئن أحدًا؛ تنقسم أمريكا اللاتينية بين من يرى ما جرى تحريرًا ومن يراه اختطافًا، وتقرأ قوى كبرى المشهد بوصفه إنذارًا استراتيجيًا بأن القواعد قابلة للكسر متى التقت القوة بالمصلحة. ثم تأتي الأثمان الصامتة التي لا تظهر في العناوين الأولى؛ اقتصاد يكره الغموض، أسواق تفرّ من الفراغ، سلاسل إمداد تتأثر، وشبح هجرة يتجدّد مع كل فشل سياسي، لتتحوّل الأرقام إلى بشر، والبشر إلى عبء إضافي على جوارٍ مثقل أصلًا.

وفوق كل ذلك تدور معركة الرواية. في زمن المنصّات، لا تنتصر الحقيقة وحدها، بل الرواية الأسرع والأعلى صوتًا. هنا يصبح واجب الكاتب التمسّك بالوقائع والتمييز الصارم بين المؤكّد والمرجّح والمختلَق، لأن أخطر ما في هذه اللحظات ليس فقط ما جرى، بل كيف سيُروى.
الخلاصة التي يفرضها هذا المشهد لا تُكتب بلغة الاطمئنان، بل بلغة التحذير. ما جرى ليس نهاية فصل، بل افتتاح مرحلة أكثر اضطرابًا، مرحلة ستتضح فيها حقيقة واحدة قاسية؛ أن القوة حين تتقدّم على القواعد لا تصنع نظامًا، بل تؤجّل الانفجار. فنزويلا مقبلة، على الأرجح، على اختبار طويل بين سلطة تحاول تثبيت نفسها بلا شرعية مكتملة، وشارع ممزّق بين الخوف والغضب، ومؤسسة عسكرية ستُطالَب بأن تحسم ما لا يُحسم بالسلاح وحده. وواشنطن، مهما بدت رابحة في اللقطة الأولى، ستكتشف أن إدارة ما بعد “الحدث” أصعب وأكلف من تنفيذ الحدث نفسه، وأن العدالة حين تُنتزع من سياقها القانوني تتحول من أداة ردع إلى عبء سياسي وأخلاقي.

أما النظام الدولي، فسيخرج من هذه اللحظة أكثر هشاشة، لأن القواعد التي كُسرت هنا لن تعود بسهولة، وستُستدعى غدًا في أماكن أخرى بأسماء مختلفة وذرائع متشابهة. نحن إذًا أمام عالم يُعاد تشكيله لا عبر التوافق، بل عبر الصدمات؛ عالم تُختبر فيه السيادة على الهواء مباشرة، وتُختزل فيه العدالة في مشهد، ثم يُترك الناس ليدفعوا الثمن بعيدًا عن الكاميرات. وما لم يُستعاد ميزانٌ واضح بين القانون والقوة، فإن ما شاهدناه لن يبقى استثناءً، بل سيغدو بروفةً أولى لعصر تُدار فيه السياسة كما تُدار العمليات الخاصة؛ سريعًا، حاسمًا، ومفتوحًا على فوضى لا أحد يعرف أين تنتهي.
نعم، الاحتمال قائم، لكنه ليس مفتوحًا على مصراعيه ولا يصلح أن يُفهم بوصفه مسارًا عامًا يمكن تكراره بلا قيود، فنحن لا نقف أمام ولادة سياسة دولية جديدة بقدر ما نشهد توسيعًا انتقائيًا لأدوات القوة حين تتوافر الشروط وتغيب الكلفة الردعية.

ما جرى يرسل رسالة واضحة مفادها أن الحصانة لم تعد مطلقة، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن واشنطن قادرة أو راغبة في تعميم هذا النموذج، لأن تعميمه سيقوّض النظام الدولي الذي تستفيد منه أصلًا. لذلك، فإن تكرار مشاهد مماثلة سيظل محصورًا نظريًا في دول ذات سيادة هشة، وأنظمة معزولة، وقيادات مصنّفة كخصوم مباشرين، مع غياب مظلة حماية دولية صلبة وانقسام داخلي يسمح بتسويق التدخل بوصفه “إنفاذًا للعدالة” لا انتهاكًا للسيادة. في المقابل، تبقى الدول القوية أو المحمية بتحالفات كبرى خارج هذا النطاق، لأن الكلفة هناك تفوق العائد.

الأخطر من التكرار الحرفي هو احتمال انتشار نسخ أقل ضجيجًا وأكثر قانونية في ظاهرها؛ مذكرات توقيف مسيّسة، تسليمات غامضة، أو ضغط قضائي عابر للحدود يُستخدم أداة ردع لا مسار عدالة. الخلاصة أن ما كُسر ليس قاعدة واحدة، بل حاجز نفسي وقانوني، وبعد كسر الحواجز لا يعود السؤال هل يتكرر المشهد، بل أين، ومتى، وعلى حساب من، وغالبًا سيكون الثمن من نصيب الدول الأضعف لا من يكتبون القواعد

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

الوعي حين يُولد لا يموت…ثورة ديسمبر باقية!!

khirawi@hotmail.comعلاء خيراويليس لأنها انتصرت سياسياً، بل لأنها انتصرت وجودياً. فالانتصار السياسي يمكن الانقلاب عليه بالدبابة، …