مآلات الوجود الأجنبي غير الشرعي في السودان .. بقلم: إمام محمد إمام

لم تعد الجامعات في السودان قلاعاً معزولةً عن قضايا الوطن، إذ أنها منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي، أولت المراكز والمعاهد البحثية اهتماماً خاصاً بالشأن العام، من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات والسمنارات، ولكنها في الفترة الأخيرة استشعرت بأهمية دورها في الإسهام الفاعل في معالجة قضايا الوطن المختلفة. وفي كثيرٍ من الأحايين تتعاون في هذا الصدد مع جامعاتٍ ومراكزٍ بحثيةٍ غربيةٍ وعربيةٍ وأفريقيةٍ، بغرض الاستفادة من تجاربها المتراكمة في تنظيم فاعليات مبادرات العصف الذهني.
وأحسبُ أن جامعة الخرطوم كانت سبَّاقةً في هذا المضمار من خلال إنشاء معاهد ومراكز متخصصة، مثل معهد الدراسات البيئية ومعهد أبحاث السلام وغيرهما. وقد شهدت جامعة الخرطوم في عهد إدارة أستاذي الراحل البروفسور عمر محمد بليل – يرحمه الله تعالى – مبادرات العصف الذهني بصورةٍ واسعةٍ. وأذكر من تلكم المبادرات حرصه على الاستفادة من خبرات أساتذة وخبراء من داخل الجامعة وخارجها. ولقد تشرفتُ بحضور بعض فعاليات مبادرات العصف الذهني في مطلع الثمانينات عندما كنتُ قريباً من أستاذي الراحل البروفسور عمر محمد بليل، منها إنشاء معهد أبحاث السلام، بغرض إشاعة ثقافة السلام بين المجتمع السوداني. ولم يكن احتفال جامعة الخرطوم بيوبيلها الفضي في عام 1981، مجرد كرنفالات فرح فحسب، بل استصحبت تلكم الاحتفالات افتتاح العديد من المنشآت، من بينها المعاهد والمراكز المتخصصة، إضافةً إلى افتتاح قاعة الشارقة بمعهد الدراسات الأفريقية والآسيوية التي أهداها لجامعة الخرطوم الشيخ الدكتور محمد بن سلطان القاسمي عضو المجلس الأعلى لدولة الإمارات العربية المتحدة وحاكم إمارة الشارقة. فحرصت الجامعات السودانية الأخرى على الاهتداء بهدي جامعة الخرطوم، فكثرت المعاهد والمراكز المتخصصة التي تنافس في تقديم مبادرات العصف الذهني حول الكثير من قضايا الوطن والمواطنين.
وأحسبُ أن إدارة مركز الدراسات المستقبلية في جامعة السودان، رأت من الضروري الاهتمام ببرامج ذات الصلة بالقضايا الوطنية الإستراتيجية والمستقبلية بالنسبة للسودان. وفي هذا الإطار، شاركتُ بدعوة من الأخ الدكتور مالك عبد الله المهدي مدير المركز، في فعالية المائدة المستديرة “المغلقة” حول “الوجود الأجنبي غير الشرعي في السودان” أمس (الثلاثاء)، حيث دار النقاش حول الكثير من القضايا المتعلقة بهذا الوجود الأجنبي غير الشرعي في السودان، وتداعياته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أبان الفريق شرطة عوض النيل ضحية مدير عام الجوازات والسجل المدني بعض هذه التداعيات، مشيراً إلى أن الهجرة غير الشرعية إلى السودان تتخذ من حدود السودان الشاسعة مدخلاً، عبر التسلل من الرقابة الشرطية الحدودية، وأنهم يعملون جاهدين للحد من هذه الظاهرة. وكشف أن الوجود الأجنبي غير الشرعي في إحصاءات الشرطة لا يتعدى مائتي ألف، بينما التقديرات تذهب إلى أنه يزيد عن ثلاثة ملايين شخص، وأنهم حددوا إستراتيجية تبدأ في مطلع العام المقبل لحصر الوجود الأجنبي غير الشرعي، لتوفيق أوضاعهم في البلاد وتقنينها، لجملة أسباب منها الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ووعد الفريق ضحية بأن تتعاون إدارته مع الوسائط الصحافية والإعلامية لمحاربة هذه الظاهرة، من خلال تقديم المعلومات والإحصاءات.
أخلصُ إلى أن الفعالية ناقشت بكثيرِ تحليل ظاهرة الوجود الأجنبي غير الشرعي الكثيف، ووضعت بعض المعالجات للحد من هذه الظاهرة، وطالبت الجهات البحثية والشرطية وغيرها بتنسيق الجهود، وصولاً إلى معالجات حقيقية تحُد بشكلٍ كبيرٍ من هذه الظاهرة المتنامية التي بدأت تشكل هاجساً أمنياً للجهات الأمنية والمواطنين معاً. لذلك من الضروري التعاون في سبيل القضاء على هذه الظاهرة.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “.. وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ”.
وقول الشاعر العربي، أبي الطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبئ:
وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيْنَا وكَذا تَقْلَقُ البُحورُ العِظامُ

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً