كتب الأستاذ الجامعي د.محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
كلمة “نخبة” في أصلها تعني المختار من الشيء، أي ما يتميز عن العام. غير أن دلالتها المفاهيمية والسياسية تتجاوز هذا المعنى البسيط لتشير إلى فئة تتمتع بموقع متقدم في المجتمع، سواء عبر المعرفة أو السلطة أو الجمع بينهما. فمن يملكون القرار والتأثير في الشأن العام يمكن أن يُحسبوا على النخبة السياسية والاجتماعية، ومن يمتلكون الوعي العميق والقدرة على التفكير النقدي والإبداع الفكري يدخلون ضمن النخبة المعرفية والثقافية، وهناك أيضا من يجمعون بين الموقعين في صيغة هجينة تمنحهم سلطة ومعرفة في آن واحد.
وقد يساور المرء تساؤل عما الذي يجعل الفرد ضمن نخبة حقيقية؟ وهل كل من يعتلي منصة الحكم أو يتصدر الإعلام جدير بلقب النخبة؟ في السودان تبدو الإجابة ملتبسة. فقد تسيّد المشهد كثيرون صعدوا بالنفوذ والمال والسلاح والولاءات، وظلوا يعيدون إنتاج أنفسهم منذ الاستقلال وحتى الحرب الأخيرة. هؤلاء لم يكتسبوا شرعية معرفية أو إبداعية، بل فرضوا أنفسهم عبر القوة، حتى صاروا التعبير الأبرز عن “النخبة”، وهذه مأساة تستحق وقفة.
في المقابل، تشكلت النخب في الغرب – رغم إشكالاتها الخاصة– عبر مسارات مؤسسية عسيرة: جامعات عريقة، صالونات فكرية، مراكز بحثية وإعلامية. هي مصافٍ لا يجتازها إلا من امتلك رصيدا معرفيا وإبداعيا، فحاز شرعية الصعود. أما في السودان فجاء التشكل قائما على التزاحم بالمناكب ودوائر النفوذ، لا على تدرج طبيعي في الوعي والكفاءة.
ولفهم آليات تكوّن النخبة، قدّم علماء السياسة نماذج متعددة: ففي الوقت الذي يرى فيه موسكا أن السيطرة دائما في يد الأقلية المنظمة، يشير بارتو إلى تداول النخب مع بقاء آليات السيطرة، أما بورديو فقد تحدث عن العنف الرمزي لحماية الامتيازات، بينما أكد ماكس فيبر على الإغلاق الاجتماعي الذي يجعل النخبة دائرة مغلقة. غير أن هذه النماذج تبقى نظرية، حتى تُسقط على واقع محدد مثل السودان، حيث الحضور الصاخب لنخب مصطنعة بلا كفاءة حقيقية، مقابل غياب شبه تام للنخب الأصيلة.
فردريك نيتشه قدّم بعدا فلسفيا مختلفا عبر مفهوم “الإنسان الأعلى” (Superman). فالنخبة ليست لقبا اجتماعيا ولا موقعا سياسيا، بل ارتقاء عسير يتطلب تجاوز الذات وتخطي منطق القطيع وابتكار قيم جديدة. النخبة الحقيقية امتحان داخلي للوعي والإبداع، لا يُجتاز إلا بالمكابدة والصعود الفكري. غير أنه في السودان تحولت النخبة إلى “سوبرماركت” مفتوح: من امتلك مالا أو سلاحا أو ولاءات صار نخبويا، فانقلب الارتقاء العسير الذي حدده نيتشه إلى ارتزاق يسير، وتحوّل مفهوم النخبة إلى جوقة تتنازع الألقاب.
يمكن النظر إلى هذه المعضلة من خلال علم النفس، إذ يمكن فهم هشاشة هذه النخب المصطنعة عبر Maslow’s hierarchy of needs (هرم ماسلو للحاجات). فالصاعدون بالمال أو السلاح يظلون عاجزين عن بلوغ قمم تحقيق الذات، لأنهم يفتقرون لأساس الشرعية المعرفية والإبداعية. ينشغلون بترميم صورتهم أكثر من انشغالهم بالقيادة والإنتاج، وإذ ما زالوا “منجدلين في طينتهم”، فقد أصبحوا سريعي الاستفزاز، عرضة للسخرية والتندر المجتمعي، حتى صارت تُشتق لهم أسماء حيوانات تكاد تغطي على أسمائهم الحقيقية، وصُكّت لهم منابر صنعت ألقابا تحمل دلالة الرفض مثل “الخبراء الاسطراتيجيين”.
تاريخيا، حاولت النخبة السودانية – كما في تجربة مؤتمر الخريجين – أن تتسيد المشهد، لكنها سرعان ما تهاوت أمام القوى الطائفية والقبلية، فعجزت عن قيادة التحولات. ومنذ ذلك الوقت، ظل المجال العام نهبا لشخصيات ذات تعليم محدود وغير مرتبط بأي نسق قيمي أو أخلاقي. كان صعودها قسريا بالمال أو النفوذ، وبلغ ذروته مع الحرب الحالية، حين ارتفع صوت حاملي السلاح ليعلو فوق الجميع، فتراجعت النخب إلى موقع الكمبارس في المسرح الكلي، تبحث عن القرب من القوة أكثر مما تبحث عن شرعية الفكر والموقف.
حتى عمَّ مشهد مجلل بالسواد، فما لم تسد روح نيتشوية جديدة تعيد للنخبة معناها الأصيل – تنتزع فيه القيادة بدل أن تُتوسَّلها، وترسم فيه الطريق دون أن تتكنبه، وتُفتح وسط الظلام كُوى مضيئة من غير أن ترفع بصرها إلى منقذ سماوي.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم