(ألف شليل يا نورا يفوتوا/ عشان ما يجيك شليلك ذاتو)… حُمّيد.
الناجي الوحيد من ابتلاع الأرض لقرية ترسين لم يعد فرداً محطم الفؤاد لفقدان الأهل والعشيرة، بل صار وجهاً لصمودٍ عنيد، وصرخةً حيّة في وجه عالمٍ تآلف مع عماه عن
مأساة دارفور.
على سفوح جبل مرّة، اجتمعت الحرب والجوع والأوبئة والكوارث لتكتب فصلا ًجديداً في سجل السودان الذي يفيض دماً ولا ينتهي.
في لحظة خاطفة، انطفأت أكثر من ألف روح، تحوّلت إلى بذورٍ مطمورة في طينٍ لزج وأشجارٍ مجتثة وأعمدةٍ محطمة. انزلاق أرضي هائل اجتاح القرية، كأنه يستعيد ذاكرة جبلٍ يأبى النسيان، إذ سبق له قبل أعوام أن ابتلع قرية “تُربة”، في مشهد يوحي بأن الطبيعة نفسها تصرّ على إعادة صياغة المأساة كلما أراد الناس أن يلتقطوا أنفاسهم.
اليوم لا تبدو ترسين مجرد قرية ابتلعتها الأرض وحسب؛ بل جرحٌ مفتوح في جسد الزمن. مكان صغير في جبل مرّة، لكن صداه يعانق الكون بأسره.
ما حدث ليس انزلاقاً أرضياً من مكر الطبيعة، بل مشهد من دراما أزلية تتقاطع فيها الطبيعة مع الدم، والأرض مع الذاكرة، والموت مع معنى الحياة.
الطرق المقطوعة ومحاولات الإنقاذ العالقة بين الطين والصخور تحوّل الوصول إلى الضحايا مهمةً مستحيلة. الصور القادمة من هناك ليست وثائق جامدة؛ إنها مرايا للوَحل وهو يبتلع الحياة، ودرسٌ صاعق بأن الألم في السودان ليس حادثاً يمرّ كسابقيه بل قدرٌ يتكرر.
كل شيء في المشهد تحوّل إلى لوحة موت حيّة: الهواء مثقّل بالرطوبة والدموع، الأرض تحفظ في مسامها صرخات مدفونة، والسماء تفرغ مطراً داكناً كأنها تحاول محو آخر أثر للضحكة. الناجي الوحيد، يرتجف جسده من هول الاجتياح، فيما صمت أثقل من أي خطاب. أنقذته شجرة، لكنها لم تنقذ ذاكرته التي ما زالت تتردّد فيها صرخات أطفال ونساء ورجال ذابوا في الطين. يمسح بيديه الوحل كأنه يلمس وجوه الراحلين، ويدرك أن اللحظة لن تُمحى من ذاكرة السودان، كما لن تُمحى أسماء الضحايا من صخور الجبل.
دارفور اليوم مسرح مفتوح للفجيعة: الحرب بين الجيش والدعم السريع تعزف مع المطر نشيد الحزن، الجوع يفتك بالبطون الخاوية، النزوح يقتلع الجذور من القرى، وحصار الفاشر يخنق الطرق المؤدية إلى الحياة. وفي قلب هذا الخراب، يظل الناجي وحيدًا، لكنه يتحوّل إلى رمزٍ للحياة التي ترفض أن تُطفأ.
ترسين لم تكن قريةً فحسب؛ كانت ذاكرة أجيال، ضحكات أطفال، أحاجي نساء، وخطوات رجال. كل ذلك ابتلعته الأرض في لحظة، فصار الجبل شاهدًا على مأساة تتجاوز حدود الطبيعة. ومع ذلك، فإن الضحايا ليسوا غيابًا نهائيًا؛ إنهم بذور مطمورة في عمق التربة السودانية، ستنبت يومًا عزةً وكرامةً في مستقبل البلد.
السماء شاهدة، والجبال حارسة، والمطر يغسل الوجوه لكنه لا يغسل الجرح. الأرض تقتل أيضا، لكن الإنسان يصرّ على البقاء. هكذا يقف الناجي الوحيد: بين الموت والحياة، بين الطين ودموع السماء، بين الماضي المثقل بالحروب والحاضر المثقل بالخراب، شاهداً لا يموت. دارفور كلّها، بدمها وجوعها وصراخها، مرآة لإنسانية عالمٍ اختار أن يظل صامتًا أمام صرخةٍ تليق بأن تكون نذيرًا للبشرية كلّها.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم