نزار عثمان السمندل
بخطى واثقة.. تتقدّم سلطة بورتسودان نحو العزلة؛ أكثر فأكثر. ترفع صوتها في وجه مؤتمر برلين قبل انعقاده، كأنها تخشى لحظة ينكشف فيها ميزان القوة خارج روايتها، أو أن تُسحب منها ورقة الاحتكار التي تتغذى عليها.
قرار الرفض لا يبدو موقفا سياديا بقدر ما يكشف عن قلق عميق من أي مسار يتجاوزها، أو يفتح نافذة لفاعلين آخرين يملكون شرعية الألم اليومي الذي يعيشه السودانيون.
تبرير الغياب عن طاولة لم تُدعَ إليها السلطة تحول إلى خطاب مشحون بمفردات القانون الدولي، بينما تتساقط في الداخل كل المعايير التي يفترض أن تحمي الإنسان. الدماء تنزف منذ أبريل 2023، المدن تتآكل، والأجساد تبحث عن لقمة نجاة، بينما تنشغل سلطة الأمر الواقع بترتيب معركة رمزية حول من يملك حق الكلام باسم البلاد.
المؤتمر ينعقد في لحظة شديدة القسوة، تحيط به آليات دولية وإقليمية، ويستدعي طيفا واسعا من الفاعلين السياسيين والمدنيين. لا يَعِد بسلام فوري، لكنه يفتح مسارا مختلفا، يضع المجتمع في مركز التفكير، ويعيد تعريف السياسة بعيدا عن احتكار البندقية. هذا التحول يربك سلطة ترى في كل مبادرة تهديدا مباشرا لبنيتها، لأنها قامت على فكرة أن الحرب تمنحها الزمن، وأن استمرارها يمدّد عمرها.
تصعيد الخطاب يترافق مع حركة ميدانية خارج الحدود، يتم فيها استدعاء عدد من السفارات إلى دور تعبوي، وتخصيص أموال لتنظيم الحشود في شوارع أوروبية لرفع شعارات الرفض. إنهم يستبدلون صورة دولة بصورة سلطة تبحث عن صدى، وتخوض معركتها على مسرح بعيد عن الخراب الحقيقي. هنا يتبدد الفارق بين العمل الدبلوماسي والعمل الدعائي، وتتحول المؤسسات إلى أدوات في معركة بقاء.
تيارات معلومة تهيمن على مفاصل القرار، بعضها أشعل حربا لتفتح طريق العودة إلى السلطة، وأخرى مهمتها رفض أي مبادرة لا تضمن هذا الهدف، ولا يهم شكل الطريق الذي تسير فيه، أكان ابتزازا للكارثة، أو استثمارا في الجوع، أو مساومة على حياة ملايين البشر. كل ذلك يجري تحت عنوان الدفاع عن السيادة المُفترى عليها، والتي تتآكل هي نفسها مع كل يوم حرب، يُرفع فيه شعار “بل بس”.
في المقابل، هناك أصوات كثيرة عاقلة ترى في مؤتمر برلين فرصة، حتى مع إدراك محدودية نتائجه. العديد من التحالفات المدنية رحبت، وبعضها تحفّظ خشية اختطاف الصوت المدني من قِبل وجوه بلا قاعدة حقيقية. هذا قلق مشروع من إعادة تدوير النخب نفسها، ومن إنتاج تسوية هشة تعيد البلاد إلى نقطة الانفجار. ومع ذلك، يبقى الإصرار على أن أي نافذة أفضل من جدار مغلق بالكامل.
الجدل يفتح بابه حين يُشار إلى حضور غير مباشر للجيش داخل المؤتمر، عبر شخصيات قريبة منه. مفارقة تكشف أن الصراع لا يدور حول المبدأ، بل حول موقع الجلوس. من يُدعى ومن يُقصى. من يتحدث ومن عليه أن يلزم الصمت. تلك تفاصيل تبدو شكلية، لكنها تختزن جوهر المعركة؛ احتكار التمثيل، واحتكار تعريف المصلحة الوطنية.
خلف كل ذلك، تتمشّى المأساة الإنسانية في أجساد السودانيين بلا هوادة. مجاعة تنهش، وأعداد محتاجين تتضخم، وبنية تحتية تتفكك على مهل، بينما تستمر الحسابات السياسية في الدوران داخل حلقة مغلقة. كل يوم تأخير يضيف منزلة جديدة من الألم، وكل مناورة تمنح الحرب عمرا إضافيا.
سلطة بورتسودان تحاول الإمساك بأي خيط يصلها بفكرة الشرعية، حتى لو كان خيط عنكبوت، تشده كلما شعرت بأنه يفلت. لكنها في الوقت نفسه تدفع البلاد نحو فراغ أوسع. فراغ تتآكل فيه الدولة أكثر؛ وتضيع الحدود بين السلطة والكارثة. عند تلك النقطة، يتحول السؤال مِن مَن يحكم، إلى ما الذي تبقى ليُحكم ؟
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم