مؤتمر دولي في السودان لإعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات

د. سيف الدين حسن العوض
safeelawad@gmail.com

حسب متابعتي لأخوتي الاماجد في جامعة أفريقيا العالمية وتحديداً الدكتور بدر الدين إدريس عميد كلية الإعلام بجامعة أفريقيا العالمية والدكتور ياسر علي عثمان رئيس اللجنة الإعلامية للمؤتمرالدولي لإعادة الإعمار، فقد أكتملت كافة الاستعدادات والتجهيزات لتبدأ غدا الثلاثاء 6 يناير 2026م أعمال المؤتمر الدولي حول دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات والذي تنظمه جامعة إفريقيا العالمية في السودان بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية في القاهرة، وذلك في الفترة من 6 إلى 8 يناير 2026م، ورابطة الجامعات الإسلامية هي منظمة دوليـة تعليمية غير حكومية، أسست في مدينة فاس بالمملكـة المغربيـة عام (1969م)، بقرار من المؤتمر التأسيسي، وهي ذات شخصية معنوية مستقلة، معترف بها دولياً، وتضم في عضويتها جامعات ومؤسسات التعليـم العـالي والبحث العلمـي المنفتحـة على الجميـع من مختلف دول العالم، وتم نقل مقر الرابطة للقاهرة في عام 1995م.

أما جامعة افريقيا العالمية فهي جامعة سودانية خاصة تقع في العاصمة السودانية الخرطوم. تأسست عام 1966 باسم «المعهد الإسلامي الأفريقي» حيث ضم طلاباً أفارقة من المرحلتين المتوسطة والثانوية، ثم تم تغيير الاسم إلى «المركز الإسلامي الأفريقي» عام 1977م. وبعد تم ترفيعها إلى «جامعة إفريقيا العالمية» عام 1991م، امتداداً لثورة التعليم العالي في السودان، وتعد من الجامعات التي تهتم بالأمور الإسلامية بشكل معتدل. وهي منظمة دولية وكانت تعتمد بشكل شبه كلي على بعض الدول العربية المانحة، وتدرس مواد التخصص والمواد الإسلامية، وتعدّ من أهم الجامعات في دولة السودان وتهدف إلى تخريج دعاة متسلحين بسلاح العلوم الشرعية والعلوم العصرية كالطب والهندسة وغيرها.

وجامعة أفريقيا العالمية منذ نشأتها التاريخية تتميز بأنها مؤسسة علمية عالمية مستقلة ذات طبيعة خاصة في رسالتها وأهدافها، وهي مؤسسة إسلامية تختار التوسط في منهجها والاعتدال في برامجها، ترتبط بالسودان عبر اتفاقية مقر توفر للجامعة مساحة واسعة من الاستقلال وحرية البحث العلمي؛ حيث تتمتع بجميع الامتيازات والإعفاءات والحصانات الممنوحة للمنظمات الدولية تمكيناً لها لأداء رسالتها على الوجه الأكمل. إن اتخاذ الجامعة من السودان المنبسط المتسامح مقراً رئيساً لنشاطها الدعوي لهو توفيق من الله عزّ وجلّ؛ فهو بحكم موقعه الجغرافي، وتاريخه الثقافي يمثل بوتقة تنصهر فيها إفريقيا الناهلة من نبع الإسلام الصافي؛ إذ كما ظلَّ السودان ممراً تاريخياً لقوافل الحجيج المتشوقة للنزول بأرض الحرمين، فقد احتضن السودان كذلك وفوداً لا تنقطع من طلاب العلم من أقطار إفريقيا المحيطة به، وتلك البعيدة لتكون الجامعة امتداداً طبيعياً لذلك الإرث الإنساني الفريد.

ويمكن اختصار رسالة جامعة أفريقيا العالمية في كلمة واحدة هي (الدعوة)؛ وبما أنها مؤسسة علمية ذات شخصية اعتبارية فإن نشر الدعوة الإسلامية عبر العمل الأكاديمي هو رسالتها المركزية، وذلك بتخريج دعاة مؤمنين بعقيدتهم الإسلامية حق الإيمان، ممتلكين لناصية المهارات الدعوية اللازمة، مبدعين في مجالات تخصصاتهم العلمية والأكاديمية، محصنين ضد كل محاولات الاستمالة التغريبية في دولهم، فاعلين في نشر الدعوة، والتبشير بها، والدفاع عنها.

وتتمثل رؤية جامعة أفريقيا العالمية في كلمة واحدة أيضاً وهي (التميز)، وذلك عبر تخريج الطلاب غير السودانيين ليصبحوا باحثين، وأساتذة مؤهلين علمياً في مختلف ضروب المعرفة، يساهمون عبر التدريس في تنشئة أجيال متميزة من خريجي المدارس والجامعات في دولهم، ويقدمون عبر العمل المهني المتقن والاحترافي خدمات اجتماعية تجسد القدوة والأسوة الحسنة، ويبتدرون عبر النشاط البحثي مشروعات تستهدف توطين الحلول لمشكلات إفريقيا المزمنة على مختلف الأصعدة التعليمية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والصحية، وغيرها.

أما أهداف جامعة أفريقيا العالمية فتتمثل في إتاحة فرص التعليم العالي لأبناء إفريقيا وغيرهم حتى تؤهلهم للمساهمة الفاعلة في بناء أوطانهم والنهوض بها في مدارج الرقي والتقدم، ونشر المعرفة وبخاصة العلوم الإسلامية واللغة العربية، وإشاعة قيم التسامح والتوسط والاعتدال، والاهتمام بالعلوم التطبيقية والتقنية، بجانب العلوم الاجتماعية والإنسانية وتأصيل هذه العلوم حتى ترتبط بتراث الأمة وثقافتها، بجانب الاهتمام بالدراسات العليا والبحث العلمي والتطبيقي من أجل نهضة إفريقيا وتطورها، وتدريب الطلاب على المهارات التقنية والمهنية والتعليمية التي تعينهم على خدمة أوطانهم في مجالات الحياة المختلفة، فضلاً عن تهيئة المناخ الملائم للتفاعل الفكري والوجداني بين الطلاب على اختلاف مجتمعاتهم وأعراقهم، حتى تقوى بينهم معاني الأخوة والتضامن.

أما عن المؤتمر فبادئ ذي بدء نثمن هذا الجهد الطيب المبذول من علمائنا الأجلاء في جامعة أفريقيا العالمية وفي رابطة الجامعات الإسلامية، ولاشك أن الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي في السودان حول دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات، عقب الحرب المفروضة على السودان منذ 15 أبر يل من العام 2023م، هو بمثابة آلية لتجميع الموارد البشرية والمادية والعلمية، وضمان لمبادرات وآراء شفافة، ووضع خارطة طريق شاملة تتيح إعادة بناء البنية التحتية، وخلق شروط الاستقرار، وتهيئة البيئة اللازمة لعودة السودان إلى ما كان عليه قبل الحرب بل وأفضل من ذلك بإذن الله تعالى.

وتبرز أهمية المؤتمر الدولي عن دور الجامعات في إعادة الإعمار عقب الحروب والأزمات، بوصفه آلية تنظيم، فالمؤتمر لا يُقاس بقيمته الرمزية أو بعدد المشاركين فيه، بل بوظيفته العلمية في جمع الخبراء، والمؤسسات العلمية الدولية، والفاعلين الاقتصاديين، ضمن إطار يحدّد الأولويات، ويضع معايير واضحة لأولويات الإعمار، ويربط كل ذلك بخطط متوسطة وطويلة الأجل. كما يتيح المؤتمر الانتقال من منطق سياسة أطفاء الحرائق قصير الأجل إلى منطق «الإعمار» بوصفه عملية تنموية متكاملة.

وعليه، فإن الدعوة إلى مؤتمر دولي حول دور الجامعات في إعادة الإعمار للسودان عقب الحروب والأزمات، لا تنطلق من فراغ بل تعبيراً عن إدراك أن إدارة مرحلة ما بعد الحرب تتطلب أدوات مختلفة. فالإعمار، بسواعد وطنية مخلصة وتعاون أقليمي ودولي، سيبقى قوياً ومتيناً، وقادر على تشكيل قاعدة حقيقية للتعافي والاستقرار.

ولا تقتصر أهمية مؤتمر جامعة افريقيا العالمية الدولي لإعادة إعمار السودان على كونه منصة لحشد المبادرات العلمية، بل تتجاوز ذلك إلى كونه إطاراً ناظماً لإدارة واحدة من أكثر عمليات الإعمار تعقيداً في العالم المعاصر. فالتحدي السوداني لا يكمن فقط في حجم المبادرات المطلوبة، بل في كيفية توظيف هذه المبادرات العلمية ضمن رؤية متكاملة توازن بين الحاجات العاجلة ومتطلبات التعافي طويل الأجل.

أولى وظائف المؤتمر تتمثّل في بلورة خريطة طريق وطنية للإعمار، تقوم على تحديد أولويات واضحة للقطاعات الحيوية، مثل الطاقة، والمياه، والنقل، والإسكان، والخدمات الصحية، والتعليمية. ولا يقتصر الأمر على إعادة ترميم ما تهدّم، بل على ربط الإعمار بمسار تنموي يعالج الاختلالات البنيوية التي سبقت الحرب، ويعيد بناء الاقتصاد على أسس أكثر كفاءة وقدرة على الصمود.

وتبرز أهمية المؤتمر الدولي لجامعة أفريقيا العالمية حول إعادة الإعمار كأولوية لا تحتمل التأجيل، ليس فقط لإعادة بناء ما دُمّر عقب الحرب والأزمة، بل لإعادة تأسيس شروط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. إن الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار السودان، تمثّل استجابة عقلانية لحجم وتعقيد التحدي القائم، بوصفه إطاراً تنظيمياً جامعاً ينسّق الجهود، ويضبط المبادرات، ويؤسس لحوكمة شفافة ومسار تنموي طويل الأجل. فالمؤتمر، إذا أحسن تصميمه، يمكن أن يشكّل نقطة الانطلاق نحو الانتقال من سودان الأزمة إلى سودان التعافي والإعمار وبناء السلام.

وتُعد المؤتمرات العلمية من الركائز الأساسية للتقدم المعرفي والتطور التكنولوجي في أي مجتمع. فهي لا تقتصر على كونها مجرد لقاءات دورية للباحثين والخبراء، بل تمثل منصات حيوية لتبادل الأفكار، وعرض أحدث الاكتشافات، وتحفيز التعاون المثمر، ورسم مسارات جديدة للبحث العلمي. إن تنظيم مؤتمر علمي ناجح يتطلب تخطيطاً دقيقاً وجهداً متواصلاً، ولكن نتائجه وآثاره الإيجابية تفوق بكثير حجم الاستثمار المبذول.

وتعتبر المؤتمرات العلمية مهمة لأنها تنشر المعرفة وتسرع وتيرة الاكتشاف، فالمؤتمرات هي المكان الأمثل لتقديم نتائج الأبحاث الجديدة، سواء كانت ابتكارات رائدة، أو تحليلاً معمقاً لمشكلات قائمة، أو نتائج تجارب ميدانية، ويتيح ذلك للباحثين الآخرين الاطلاع على أحدث ما توصل إليه العلم، وتجنب الازدواجية في الجهود، والبناء على ما تم إنجازه.

والمؤتمرات تحفز التعاون والشراكات، فبعيداً عن قاعات المحاضرات، توفر المؤتمرات بيئة مثالية للتواصل المباشر وغير الرسمي بين الباحثين من مختلف التخصصات والمؤسسات وحتى الدول. هذا التواصل قد يؤدي إلى ولادة أفكار مشتركة، وتأسيس فرق عمل متعاونة، وتوقيع اتفاقيات شراكة استراتيجية، مما يعزز من قوة البحث وتأثيره.

والمؤتمرات تلقي الملاحظات والتوجيهات، فعند عرض الأبحاث في المؤتمرات، يحصل الباحثون على فرصة فريدة لتلقي ملاحظات قيمة من جمهور متخصص. هذه الملاحظات، سواء كانت نقدية أو داعمة، تساعد على تحسين جودة البحث، وتوضيح المفاهيم، وتحديد جوانب تحتاج إلى مزيد من التطوير قبل النشر النهائي.

والمؤتمرات تحدد الاتجاهات المستقبلية، فهي غالباً ما تتضمن ورش عمل وجلسات نقاش مخصصة لمناقشة التحديات الحالية والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية في مجال علمي معين. هذا يساعد الباحثين على توجيه جهودهم نحو المجالات الواعدة والأكثر حاجة للبحث، ويساهم في رسم خريطة طريق للابتكار.

وبجانب كل ذلك فالمؤتمرات العلمية تعزز التنمية المهنية، وتوفر فرصاً للباحثين، خاصة الشباب منهم، لحضور محاضرات من قبل خبراء مرموقين، والمشاركة في دورات تدريبية متخصصة، وتوسيع شبكة علاقاتهم المهنية. كل ذلك يساهم في تطوير مهاراتهم وتعزيز مسيرتهم الأكاديمية أو المهنية.

وأخيراً وليس آخر فالمؤتمرات العلمية الناجحة لها تأثير على السياسات وصناعة القرار، فعندما تعرض الأبحاث ذات الصلة بالسياسات العامة أو القضايا المجتمعية الهامة في مؤتمر علمي، فإنها تتيح لصناع القرار والخبراء المعنيين فرصة الاطلاع على أدلة علمية موثوقة. يمكن أن يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات مستنيرة تدعم التنمية المستدامة والرفاهية المجتمعية.

ولتحقيق أقصى استفادة من هذا المؤتمر العلمي الدولي، يجب أن يتميز بالتخطيط الجيد، والتركيز على جودة المحتوى العلمي، وتوفير بيئة داعمة للتفاعل، واستخدام التقنيات الحديثة في التنظيم والعرض.

في الختام، المؤتمرات العلمية ليست مجرد أحداث أكاديمية، بل هي محركات أساسية للتقدم. إنها الجسر الذي يربط بين الأفكار المبتكرة والتطبيق العملي، وبين الباحثين المنعزلين والتعاون البناء، وبين المعرفة الحالية والإبداع المستقبلي. لذا، فإن الاستثمار في تنظيمها ودعمها هو استثمار مباشر في مستقبل العلم والمجتمع. وندع الله سبحانه وتعالى أن تكلل مساعي الجميع لنجاح المؤتمر وقيامه على الوجه الأكمل والأتم، وأن يخرج بنتائج وتوصيات تصب جميعها في مصلحة السودان الذي عاني وما زال يعاني من ويلات ولعنات أبنائه قبل أعدائه.

عن سيف الدين حسن العوض

سيف الدين حسن العوض

شاهد أيضاً

جامعة إفريقيا العالمية تنظم مؤتمراً دولياً حول دور الجامعات في إعادة الإعمار

safeelawad@gmail.comبسم الله الرحمن الرحيمد. سيف الدين حسن العوضإن المؤتمرات العلمية ركيزة أساسية للتقدم المعرفي والتطور …