د. عمرو محمد عباس محجوب
ارتكز المشروع الأميركي–الإسرائيلي لإعادة هندسة الشرق الأوسط على تفكيك الدولة الوطنية التي تشكلت بعد سايكس–بيكو، ودفع المنطقة نحو كيانات طائفية وإثنية وقبلية يمكن التحكم بها أمنياً واقتصادياً. لكن خلال العقدين الأخيرين بدأت سلسلة من المؤشرات تؤكد أن هذا المشروع يواجه انسدادًا بنيويًا من ثلاث اتجاهات: داخل الولايات المتحدة نفسها، وفي داخل إسرائيل، ومن مقاومة الدول والمجتمعات العربية.
أولًا: مؤشرات الفشل من داخل الولايات المتحد
تواجه واشنطن حالة توسّع يفوق طاقتها: حرب أوكرانيا،وصعود الصين،والتحضير لصراع في المحيط الهادئ ودعم غير محدود لإسرائيل. هذا الوضع أدى إلى إنهاك واضح يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على إدارة مشروع تفكيك واسع ومعقد في الشرق الأوسط. الاستقطاب الأميركي بلغ مستويات غير مسبوقة: شكوك واسعة في شرعية الانتخابات، صعود الترامبية كحركة قومية متطرفة وعجز الكونغرس عن تمرير تشريعات الأمن القومي بسهولة. هذا الانقسام يضعف القدرة على تبني سياسة خارجية طويلة الأجل مثل مشروع ما بعد سايكس–بيكو الذي يتطلب ثباتًا مؤسسيًا لعقود. الدين العام الأميركي تجاوز 34 تريليون دولار، فيما تتراجع القدرة على تمويل الحروب طويلة المدى أو ضخ موارد لإعادة تشكيل الدول. هذا يجعل استراتيجية “التفكيك والبقاء” غير قابلة للاستمرار. الفكرة الأميركية الأساسية كانت: نفكك الدول → نخلق فوضى → نعيد تشكيلها وفق مصالحنا. لكن النتيجة كانت: توسع النفوذ الروسي والإيراني، ظهور داعش وعدم قدرة واشنطن على إعادة تركيب أي دولة فُككت.
مؤشرات الفشل من داخل إسرائيل بعد حرب غزة وما تلاها، واجهت إسرائيل: فشلًا استخباراتيًا واسعًا، عجزًا عن حسم المعركة مع المقاومة، خسارة السيطرة على الجبهة الشمالية وتهديدًا من جبهات متعددة (لبنان، غزة، اليمن، العراق، إيران). بدون ردع قوي، لا تستطيع إسرائيل قيادة مشروع تفكيك الدول العربية. غير ذلك فإسرائيل تشهد أكبر أزمة بنيوية منذ تأسيسها: صراع بين اليمين الديني والعلمانيين، هجرة معاكسة للشباب والطبقة الوسطى، انهيار الثقة في الحكومة والجيش وتراجع الاستقرار الاقتصادي. هذا يجعل إسرائيل غير مؤهلة للعب الدور المركزي في مشروع إعادة رسم الإقليم.
كان المؤمل أن يؤدي التطبيع إلى: تحويل إسرائيل لمركز تكنولوجي–اقتصادي للمنطقة، إنشاء تحالف أمني عربي–إسرائيلي ضد إيران دمج إسرائيل في المنظومة الإقليمية.لكن: الحرب على غزة أعادت الصراع إلى نقطة الصفر، تجمدت مسارات التطبيع وتصاعد الرأي العام العربي ضد إسرائيل بشكل غير مسبوق. هجمات اليمن على السفن في البحر الأحمر قوضت الخطوط التجارية التي كانت تريد إسرائيل التحكم بها، وحولت الممر المائي إلى ساحة حرب مفتوحة.
مؤشرات الفشل من مقاومة الدول والمجتمعات العربية تفترض واشنطن أن انهيار الدولة يعني نهاية القوة المنظمة. لكن الواقع أثبت العكس: العراق أنتج الحشد الشعبي، لبنان أنتج أقوى مقاومة في المنطقة، غزة أنتجت نموذجًا عسكريًا فريدًا واليمن الفقير أصبح قوة بحرية–صاروخية. أي أن تفكيك الدولة أدى لولادة قوى أكثر تحديًا للمشروع الأميركي–الإسرائيلي.
كان أحد أهداف مشروع التفكيك: عزل إيران داخل حدودها لكن حصل العكس: نفوذ إيران تضاعف في العراق وسوريا ولبنان واليمن، أصبحت شريكًا إستراتيجيًا للصين وروسيا وأصبحت أحد مراكز النظام الدولي الناشئ. في هذا السياق برزت دول تحاول كسر التفكيك عبر: شراكات مع الصين (السعودية، مصر، الإمارات بدرجات مختلفة)، التوجه نحو بريكس ورفض قبول الحلول الأميركية في سوريا ولبنان والعراق. أثبتت حرب غزة أن الشعوب العربية: تعود إلى مركزية القضية الفلسطينية، ترفض التطبيع، ترفض الهندسة الغربية للمنطقة وتواجه عبر الإعلام والاحتجاجات والضغط الشعبي كل عناصر المشروع.
السودان أحد أهم مسارح التفكيك، لكن برزت مقاومات: وعي شعبي واسع بدور الإمارات وإسرائيل، رفض المجتمعات الشرقية والغربية لسيناريو التقسيم، بروز قوى مدنية جديدة تعيد تعريف الدولة ورفض الجيش والقبائل والمجتمعات المحلية الخضوع لسيناريو “السودان الممزق” كما خُطط.
يتجه المشروع الأميركي–الإسرائيلي نحو الفشل لأن: أميركا لم تعد قادرة على قيادة مشروع واسع ، إسرائيل لم تعد قوة قادرة على فرض معادلات جديدة ،المقاومات العربية أصبحت أكثر تنظيمًا وقوة، القوى الدولية الجديدة (الصين–روسيا–إيران) دخلت ساحة الصراع والفوضى أنتجت لاعبين غير منضبطين لا يمكن إدارة سلوكهم. بمعنى آخر المشروع فشل لأنه خلق فوضى أكبر مما تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل التحكم به.
مشروع “ما بعد سايكس–بيكو” ينهار بسبب: تراجع الهيمنة الأميركية سياسيًا، اقتصاديًا، وعسكريًا، انهيار الردع الإسرائيلي وتفكك المجتمع والدولة وصعود مقاومات عربية وإقليمية أعادت تعريف الأمن بعد سقوط الدولة. الشرق الأوسط لا يتجه نحو خارطة ترسمها واشنطن، بل نحو تحولات تُصنع من الأسفل ومن الشرق (إيران، اليمن، المقاومة الفلسطينية، محور آسيا، والتوجهات السيادية العربية).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم