ماذا تريد الإمارات العربية المتحدة في السودان؟ من شبكات الذهب والأسلحة والمرتزقة إلى إطالة الحرب وتقويض السيادة وإعادة تشكيل مستقبل الدولة السودانية
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
تتمثل أهداف دولة الإمارات العربية المتحدة في السودان في مزيج من المصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية والاستراتيجية، يرتبط بموقع السودان على البحر الأحمر، وموارده الزراعية والمعدنية، وامتداده إلى منطقة القرن الأفريقي والساحل، وقدرته على التأثير في موازين القوى الإقليمية. وقد تطورت العلاقة الإماراتية السودانية من التعاون الاقتصادي والاستثماري والمساعدات الإنسانية إلى علاقة أكثر تعقيداً، تداخلت فيها الاستثمارات مع النفوذ السياسي والأمني والتنافس الإقليمي، وصولاً إلى اتهامات خطيرة للإمارات بدعم قوات الدعم السريع خلال الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023. وتشير تحقيقات صحفية وتقارير دولية إلى وجود شبكات عابرة للحدود أسهمت في توفير السلاح والمعدات والتدريب والمقاتلين والإمدادات لهذه القوات، مع ورود الإمارات ضمن الدول التي ارتبطت بها بعض الجهات والأفراد المشاركين في تلك الشبكات. وقد رفضت أبوظبي هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تقدم دعماً عسكرياً أو لوجستياً لقوات الدعم السريع، وهو ما يجعل التمييز بين الوقائع الموثقة والقرائن والتقديرات والاتهامات المتنازع عليها أمراً أساسياً لفهم القضية.
تعود الجذور التاريخية للمصالح الإماراتية في السودان إلى التداخل بين الأمن الخليجي والتجارة والاستثمار الزراعي والغذائي والتوسع في الموانئ والطرق اللوجستية، فضلاً عن التنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. وقد اكتسب السودان أهمية خاصة بسبب أراضيه الزراعية الواسعة، وثروته الحيوانية، وموارده المعدنية، وموقعه الممتد على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وقربه من مصر وليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا. وتتيح هذه الخصائص لأي دولة تسعى إلى توسيع حضورها الإقليمي فرصاً اقتصادية واستراتيجية متداخلة، تشمل الاستثمار في الإنتاج الزراعي والتعدين والنقل والتجارة، وبناء علاقات مع القوى السياسية والعسكرية، والتأثير في مستقبل الدولة السودانية وترتيباتها الأمنية. ولذلك لا يمكن تفسير السياسة الإماراتية تجاه السودان من خلال عامل واحد، أو اختزالها في التجارة وحدها أو في الصراع العسكري وحده، بل ينبغي فهمها باعتبارها حصيلة تفاعل المصالح الاقتصادية مع حسابات الأمن والنفوذ والتنافس الإقليمي.
مثلت ثورة ديسمبر 2018 وسقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 محطة مفصلية في تطور العلاقات، إذ أوجد الانتقال السياسي فرصة لإعادة تشكيل علاقات السودان الخارجية، لكنه كشف أيضاً عن تنافس إقليمي حول طبيعة النظام السياسي الجديد، وموقع المؤسسة العسكرية، ومستقبل القوى المدنية. وفي هذه المرحلة، برزت الإمارات والسعودية ومصر بوصفها أطرافاً ذات مصالح في مسار الانتقال السوداني، مع اختلاف أولوياتها ومقارباتها. وأسهم الدعم المالي والسياسي الذي قدمته دول خليجية للسودان في تعزيز علاقاتها بمراكز القرار، لكنه لم يكن دليلاً مستقلاً على أن جميع المساعدات كانت مشروطة بأهداف سياسية محددة، كما لا يكفي وحده لإثبات وجود خطة إماراتية متكاملة للسيطرة على البلاد. ومع ذلك، فإن تداخل المساعدات والاستثمارات مع العلاقات بالمؤسسات العسكرية والسياسية جعل مسألة النفوذ الخارجي جزءاً أساسياً من النقاش حول استقلال القرار السوداني.
ازدادت أهمية السودان بالنسبة إلى الإمارات مع تصاعد التنافس على الموانئ والممرات البحرية والنفوذ في القرن الأفريقي، ولا سيما في ظل التغيرات التي شهدتها اليمن وإريتريا والصومال وليبيا. وتتمثل المصلحة الإماراتية المحتملة في ضمان بيئة إقليمية مواتية للتجارة البحرية والاستثمار، وتقليل نفوذ المنافسين، والحفاظ على علاقات مع القوى القادرة على التأثير في أمن البحر الأحمر وطرق التجارة. كما تتيح العلاقات الاقتصادية مع السودان فرصاً للاستثمار في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والبنية التحتية، غير أن تحويل هذه الفرص إلى نفوذ سياسي يعتمد على طبيعة المؤسسات السودانية، ومدى استقلالها، وقدرتها على التفاوض والرقابة والمحاسبة. وتزداد المخاطر عندما تتركز العلاقات الخارجية في القيادات العسكرية أو شبكات المصالح الاقتصادية بدلاً من مؤسسات مدنية منتخبة وشفافة.
مثلت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 نقطة تحول كبرى، إذ تحول السودان من ساحة للتنافس السياسي والاقتصادي إلى مسرح لحرب مدمرة ذات امتدادات إقليمية ودولية. وقد ظهرت اتهامات متكررة بأن الإمارات قدمت دعماً لقوات الدعم السريع، شمل الإمدادات العسكرية واللوجستية وشبكات نقل المعدات والمقاتلين. وأصبحت هذه الاتهامات أكثر خطورة مع ظهور تحقيقات صحفية وتقارير دولية تناولت مسارات الإمداد العابرة للحدود، واستخدام شركات ووسطاء وطائرات وشبكات تجنيد تعمل عبر أكثر من دولة. وفي سبتمبر 2026، أفادت تقارير عن تحقيق بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان بوجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شبكة عابرة للحدود تضم أفراداً وكيانات مرتبطة بالإمارات وتشاد وليبيا والصومال أسهمت في توفير أسلحة ومعدات عسكرية ودعم لوجستي وتدريب وأفراد أجانب لقوات الدعم السريع. كما تناولت التحقيقات دور متعاقدين أجانب، بينهم كولومبيون، في تشغيل أنظمة متقدمة والمشاركة في العمليات العسكرية، بما في ذلك في دارفور. وتنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، ولذلك ينبغي التعامل مع كل ادعاء وفق الأدلة المتاحة، مع التمييز بين مسؤولية الدولة المباشرة، وأفعال الأفراد والشركات، والروابط اللوجستية التي تحتاج إلى تحقيق مستقل وإثبات قانوني.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية بسبب التقارير التي ربطت شبكات نقل جوي وشركات ووسطاء بنقل مقاتلين وعتاد وطائرات مسيرة إلى قوات الدعم السريع عبر مسارات إقليمية. فقد تناولت تقارير صحفية، استناداً إلى معلومات وشهادات ومواد تحقيقية، استخدام طائرات من طراز بوينغ في نقل معدات ومقاتلين، كما أفادت تقارير عن خبراء الأمم المتحدة بوجود معلومات موثوقة بشأن نقل عناصر وعتاد عسكري إلى مراكز إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع. وتكشف هذه الوقائع، إذا ثبتت تفاصيلها بصورة نهائية، عن أن استمرار الحرب لا يعتمد على القدرات المحلية للأطراف المتحاربة وحدها، بل يرتبط أيضاً بشبكات عابرة للحدود توفر الموارد والخبرات والمعدات. ويعني ذلك أن وقف الحرب يتطلب معالجة مصادر الإمداد الخارجي، وتعزيز الرقابة على الطيران والشحن والتجنيد والتمويل، وتطبيق حظر السلاح، ومساءلة الأفراد والجهات التي يثبت تورطها في انتهاكه.
ولا تقتصر خطورة الدعم الخارجي المحتمل على توفير المعدات العسكرية، بل تمتد إلى إطالة أمد الحرب وزيادة قدرة الأطراف على تنفيذ عمليات بعيدة عن خطوط القتال، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة المتقدمة ضد مناطق مدنية. وقد أشارت تقارير دولية في عام 2026 إلى أن الدعم الخارجي والتكنولوجيا العسكرية والمقاتلين الأجانب أسهموا في تعزيز قدرات طرفي الحرب، وأن الهجمات بالطائرات المسيرة تسببت في سقوط أعداد كبيرة من القتلى وألحقت أضراراً بالمستشفيات والأسواق ومواقع النزوح والبنية التحتية. ولا يعني ذلك أن المسؤولية عن جميع الهجمات تقع على جهة خارجية واحدة، إذ تظل مسؤولية كل طرف عن أفعاله المباشرة قائمة، لكن توفير السلاح أو التدريب أو الإمدادات مع العلم باستخدامها في ارتكاب الانتهاكات قد يثير مسؤوليات قانونية دولية بحسب طبيعة الوقائع والأدلة المتاحة.
وقد أفضت الحرب إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، شملت القتل والنزوح واللجوء وانهيار الخدمات الأساسية وتدهور الأمن الغذائي وتدمير المنشآت الصحية والبنية التحتية. ويعاني ملايين السودانيين من فقدان المساكن ومصادر الدخل وتعطل التعليم والرعاية الصحية، بينما تواجه المجتمعات المضيفة في الدول المجاورة ضغوطاً إضافية. وفي هذا السياق، تبرز المفارقة بين إعلان الإمارات مساهمات إنسانية للسودان وبين الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري لقوات الدعم السريع. فقد أعلنت أبوظبي تعهدات مالية للمساعدات الإنسانية، لكن تقارير بحثية أشارت إلى تفاوت بين بعض التعهدات المعلنة والمبالغ التي وصلت فعلياً إلى الخطط الإنسانية المنسقة دولياً. ولا يكفي هذا التفاوت وحده لإثبات سوء النية، لكنه يبرز الحاجة إلى شفافية أكبر بشأن حجم المساعدات، والجهات المستفيدة منها، وآليات صرفها، ومدى وصولها إلى المدنيين الأكثر احتياجاً. كما أن تقديم المساعدات الإنسانية لا يعفي أي دولة من مسؤولية التحقيق في اتهامات دعم الأطراف المسلحة، ولا ينبغي استخدام العمل الإنساني لتخفيف التدقيق في الأدوار العسكرية أو السياسية المحتملة.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، أدى التباين بين مصالح الدول الإقليمية والدولية إلى تعقيد جهود الوساطة. فالسودان يقع في تقاطع مصالح مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة ودول الجوار الأفريقي، ولكل منها تصورات مختلفة بشأن مستقبل المؤسسة العسكرية وقوات الدعم السريع وترتيبات الحكم الانتقالي. وقد شاركت الإمارات في مسارات دبلوماسية متعددة، بما فيها الجهود المرتبطة بمحادثات وقف إطلاق النار، لكن مشاركتها واجهت اعتراضات سودانية بسبب الاتهامات الموجهة إليها بشأن دعم قوات الدعم السريع. ويكشف ذلك عن مشكلة جوهرية في الوساطة عندما تكون الدولة المشاركة متهمة بدعم أحد أطراف الحرب؛ إذ يمكن أن تتراجع الثقة في حياد العملية التفاوضية، حتى إذا أعلنت الدولة المعنية دعمها لوقف القتال وتسهيل المساعدات. ومن ثم، فإن تحسين فرص السلام يتطلب قواعد واضحة للإفصاح عن المصالح، والتحقق من الالتزام بوقف الإمدادات العسكرية، وضمان مشاركة مدنية سودانية مستقلة، وربط الوعود الدبلوماسية بإجراءات قابلة للتحقق.
أما اقتصادياً، فإن السودان يمتلك موارد كبيرة يمكن أن تشكل أساساً لشراكات نافعة مع الإمارات وغيرها من الدول، ولا سيما في الزراعة والثروة الحيوانية والتعدين والنقل والطاقة والموانئ. غير أن الحرب حولت جانباً من هذه الفرص إلى مخاطر، بسبب تدمير الإنتاج، وتعطل الأسواق، وانتشار التهريب، وضعف الرقابة على الموارد، وتعدد السلطات المسلحة. كما أن الاستثمار في بيئة تتسم بضعف المؤسسات والشفافية قد يؤدي إلى تعزيز شبكات المصالح المرتبطة بالقوى المسلحة بدلاً من دعم التنمية المستدامة. ولذلك فإن أي علاقة اقتصادية مستقبلية ينبغي أن تخضع لعقود معلنة، ومنافسة عادلة، ورقابة مستقلة، وتقييمات للأثر الاجتماعي والبيئي، وضمانات لحقوق المجتمعات المحلية في الأراضي والموارد. ويجب أن تكون الأولوية لإعادة بناء الاقتصاد المنتج، وحماية حقوق المزارعين والرعاة والعمال، وتوجيه عائدات الموارد إلى الخدمات العامة، لا إلى تمويل الحرب أو ترسيخ اقتصاد سياسي قائم على القوة المسلحة.
وتبرز في هذا الملف مجموعة من الأساطير والمعلومات المضللة التي ينبغي تفكيكها. فمن الخطأ اعتبار كل استثمار إماراتي دليلاً تلقائياً على مشروع للسيطرة على السودان، كما أنه من الخطأ المقابل اعتبار جميع الاتهامات المتعلقة بالدعم العسكري مجرد دعاية سياسية، في ظل وجود تحقيقات صحفية وتقارير دولية تتناول شبكات إمداد وأفراداً وكيانات مرتبطة بها. كذلك لا يصح القول إن الإمارات وحدها مسؤولة عن الحرب، لأن الصراع نتج أيضاً عن تنافس القيادات العسكرية السودانية، وضعف المؤسسات المدنية، وتراكم عسكرة السياسة والاقتصاد، وتدخلات خارجية متعددة. وفي المقابل، فإن تعدد الجهات الخارجية لا يبرر تجاهل الأدلة الخاصة بأي دولة أو إعفاءها من المساءلة. ومن الضروري أيضاً التمييز بين الاتهام السياسي، والقرائن الصحفية، والنتائج التي توصلت إليها لجان التحقيق، والحكم القضائي النهائي؛ فلكل منها مستوى مختلف من الإثبات. ولا ينبغي كذلك الخلط بين التعهدات الإنسانية والمبالغ المصروفة فعلياً، أو بين العلاقات الاقتصادية المشروعة والدعم العسكري غير المشروع، أو بين موقف حكومة ما ومواقف جميع الشركات والأفراد العاملين من أراضيها.
وتتمثل أهم التحديات أمام السودان في استعادة السيادة على قراره السياسي والاقتصادي، وإنهاء اعتماد الأطراف المسلحة على الإمدادات الخارجية، وبناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة العلاقات الدولية بشفافية، ومنع استغلال الموارد في تمويل النزاعات. ويتطلب ذلك وقفاً قابلاً للتحقق لإطلاق النار، وآليات مستقلة لرصد تدفقات السلاح والتمويل، وتوسيع نطاق الرقابة على شبكات النقل والتجنيد، وتطبيق العقوبات على الجهات التي تثبت مخالفتها للقانون، وتعزيز التعاون بين الدول والمنظمات الدولية. كما يتطلب بناء نظام وطني شفاف لإدارة الأراضي الزراعية والتعدين والموانئ والعقود الاستثمارية، بحيث تخضع القرارات لمؤسسات عامة مستقلة وتتاح المعلومات للمواطنين والباحثين والجهات الرقابية.
وتخلص القراءة الشاملة إلى أن المصالح الإماراتية في السودان لا يمكن اختزالها في هدف منفرد، بل تتشكل من تفاعل الأمن الإقليمي والنفوذ السياسي والاستثمار الاقتصادي والمنافسة على الممرات البحرية والموارد. وقد أظهرت الحرب أن تداخل هذه المصالح مع العلاقات بالقوى المسلحة يمكن أن يؤدي إلى عواقب مدمرة عندما تتغلب الحسابات الاستراتيجية على حماية المدنيين واحترام سيادة الدولة. وتستوجب الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع تحقيقات مستقلة وشفافة، ونشر الأدلة القابلة للتحقق، ومساءلة كل من يثبت تورطه وفق القانون الدولي، من دون تعميم المسؤولية أو استبدال التحقيق بالشعارات. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحقيق سلام مستدام من دون معالجة الأسباب السودانية الداخلية للحرب، وبناء دولة مدنية موحدة، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والاقتصاد العسكري لسلطة مدنية خاضعة للمساءلة. ويظل المعيار الحاسم لأي علاقة مستقبلية بين السودان والإمارات أو غيرها هو مدى إسهامها في إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، واحترام السيادة السودانية، ودعم إعادة الإعمار والتنمية العادلة، لا مجرد حجم الاستثمارات أو التصريحات الدبلوماسية.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية: من التنافس الاقتصادي إلى الأدلة على شبكات الإسناد العسكري، ولماذا تتجاوز القضية مجرد صراع على الذهب والموانئ؟
لا يمكن تفسير السياسة الإماراتية تجاه السودان باعتبارها مجرد علاقة اقتصادية بين دولة خليجية غنية بالاستثمارات ودولة إفريقية تمتلك الأراضي الزراعية والموارد المعدنية والموقع الاستراتيجي. فالعلاقة بين البلدين تشكلت عبر تفاعل معقد بين المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية، والتنافس على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والصراع الإقليمي على الإسلام السياسي، وإعادة تشكيل شبكات التجارة والتمويل والأمن في منطقة تمتد من الخليج العربي إلى الساحل الإفريقي.
وقد انتقلت هذه العلاقة، منذ استقلال السودان عام 1956 وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971، عبر مراحل متعددة؛ من العلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي، إلى التوسع الاستثماري، ثم التقارب الأمني والعسكري منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، وصولاً إلى الاتهامات الخطيرة الموجهة إلى أبوظبي بشأن دعم قوات الدعم السريع خلال الحرب السودانية التي اندلعت في 15 أبريل 2023. ولم تعد هذه الاتهامات، بحلول أكتوبر 2026، مقتصرة على تصريحات السلطات السودانية أو خصوم الإمارات السياسيين، بل أصبحت موضوعاً لتقارير أممية وتحقيقات مستقلة تناولت الأسلحة المتقدمة، ومسارات النقل الجوي والبري، وشبكات التمويل، وتجنيد المقاتلين الأجانب، واستخدام منشآت عسكرية ولوجستية مرتبطة بالإمارات.
وتتمثل الأطروحة الأساسية لهذا المقال في أن المصالح الإماراتية في السودان تتجاوز مسألة دعم طرف عسكري بعينه، وتشمل السعي إلى تأمين سلاسل إمداد الذهب والسلع الزراعية، وحماية شبكات الاستثمار والتجارة، وتعزيز النفوذ البحري واللوجستي، والحد من نفوذ الخصوم الإقليميين، والتأثير في طبيعة النظام السياسي الذي سيحكم السودان مستقبلاً. غير أن هذه المصالح لا تتطابق بالضرورة في جميع الأوقات، كما لا يمكن اختزالها في خطة إماراتية واحدة تتحكم في كل التطورات السودانية. وفي الوقت نفسه، فإن وجود مصالح اقتصادية مشروعة لا ينفي احتمال استخدام شركات ووسطاء ومسارات تجارية لتقديم دعم عسكري غير مشروع، ولا يعفي الدولة من المسؤولية إذا ثبتت صلتها بالأفعال التي يحظرها القانون الدولي.
وتقتضي الدقة العلمية التمييز بين أربعة مستويات من الأدلة. يتمثل المستوى الأول في الوقائع الموثقة، مثل الاتفاقات الاقتصادية، وبيانات التجارة، والوثائق الرسمية، وقرارات العقوبات. ويتعلق المستوى الثاني بالنتائج التي توصلت إليها تحقيقات مستقلة وتقارير أممية بشأن الأسلحة ومسارات نقلها وتجنيد المقاتلين والتمويل. أما المستوى الثالث فيشمل استنتاجات المؤسسات البحثية المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية والأنماط المتكررة للسلوك، وهي تفسيرات تستند إلى الوقائع لكنها لا تثبت بالضرورة وجود خطة مركزية شاملة. ويتعلق المستوى الرابع بالمسؤولية القانونية النهائية للدولة أو للأفراد، التي تتطلب تحديد الأفعال المنسوبة إلى كل جهة، والأدلة المتعلقة بالعلم والقصد والمساهمة والاختصاص القضائي.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة لأن الحكومة الإماراتية تنفي دعم قوات الدعم السريع عسكرياً، وتؤكد أن نشاطها في تشاد خلال الحرب ارتبط بالمساعدات الإنسانية، بينما تشير تقارير أممية وتحقيقات مستقلة إلى أدلة متراكمة على وصول أسلحة وإمدادات ومقاتلين أجانب عبر شبكات مرتبطة بالإمارات. ولذلك لا يجوز اعتبار النفي الرسمي حاسماً في مواجهة الأدلة المستقلة، كما لا يجوز تحويل كل اتهام سياسي إلى حقيقة قضائية نهائية.
ومن أهم التطورات التي يجب أن يحتلها مركز الصدارة في هذا التقييم تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، المعروض على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في سبتمبر 2026. فقد تناول التقرير، المعنون «تأجيج الصراع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي»، شبكات عابرة للحدود شاركت في تجنيد أفراد وتدريبهم ونقلهم إلى السودان، وفي نقل الأسلحة والذخائر والتكنولوجيا العسكرية والإمدادات اللوجستية. وخلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن جهات خاصة ووسطاء لوجستيين ومسؤولين عن التجنيد يعملون من دول، بينها الإمارات وكولومبيا، استخدموا نقاط عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتسهيل وصول أفراد ومعدات ودعم إلى قوات الدعم السريع. كما وثقت البعثة نشر ما يصل إلى ألفي متعاقد عسكري سابق من كولومبيا، شاركوا في تشغيل طائرات مسيّرة قتالية والمدفعية والأسلحة المتقدمة إلى جانب قوات الدعم السريع في دارفور وكردفان. وأشارت إلى أن أفراداً وكيانات تعمل انطلاقاً من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدوا دوراً مهماً في شبكات تجنيد المقاتلين وتمويلهم ونقلهم ونشرهم، وفي تقديم دعم ذي طبيعة عسكرية استفادت منه قوات الدعم السريع (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026).
ويمثل هذا التقرير تطوراً نوعياً في الأدلة؛ لأنه لا يقتصر على فحص أسلحة عُثر عليها في ميدان القتال، بل يتناول شبكة متكاملة من التجنيد والتدريب والنقل والتمويل والإمداد. ومع ذلك، فإن الاستنتاج الأممي المتعلق بدور الشبكات والكيانات المرتبطة بالإمارات لا ينبغي تحويله آلياً إلى حكم قضائي نهائي بأن القيادة السياسية الإماراتية أصدرت أمراً مباشراً بكل عملية. فالمسؤولية القانونية تتطلب أدلة خاصة بكل فعل وبكل جهة، لكن غياب الحكم القضائي النهائي لا يلغي القيمة الإثباتية للتقرير الأممي ولا يبرر تجاهل نتائجه.
وتقدم دراسة سوليمان وبلدو (2025)، الصادرة عن تشاتام هاوس والمحدثة في مارس 2026، إطاراً تفسيرياً مهماً يربط الحرب السودانية بشبكات الذهب والتمويل والتهريب والتسليح العابرة للحدود، ويبين كيف تتداخل المصالح الاقتصادية للأطراف السودانية مع سياسات القوى الإقليمية. وتؤكد الدراسة أن الذهب ليس مجرد مورد اقتصادي، بل أحد مصادر تمويل الحرب وأحد المسارات التي تربط السودان بأسواق الخليج وشبكات التجارة الدولية (Soliman and Baldo, 2025).
وعليه، فإن السؤال المركزي ليس فقط: هل تريد الإمارات الذهب أو الأراضي الزراعية أو الموانئ السودانية؟ بل أيضاً: ما طبيعة العلاقات التي أقامتها مع مراكز القوة السودانية؟ وهل أسهمت شبكات مرتبطة بها في تمكين قوات الدعم السريع من مواصلة القتال؟ وما صلة هذه الشبكات بالمرتزقة والطائرات المسيّرة والذخائر والأسلحة المتقدمة؟ وكيف يمكن تقييم أثرها في الجرائم المرتكبة ضد المدنيين، من دون الخلط بين إثبات الدعم العسكري وإثبات المسؤولية القانونية عن كل جريمة بعينها؟
ولمعالجة هذه الأسئلة، يقوم المقال بترتيب المادة وفق تسلسل تاريخي وسببي يبدأ بجذور العلاقات، ثم ينتقل إلى التحولات السياسية والعسكرية، وبعدها يفحص الأدلة المباشرة وغير المباشرة على شبكات الدعم، قبل تحليل الذهب والاقتصاد السياسي للحرب والمصالح الاستراتيجية، وتقييم المسؤولية القانونية، ثم تفكيك المعلومات المضللة، واستخلاص النتائج والسياسات العملية التي يحتاج إليها السودان. ويهدف هذا الترتيب إلى الفصل بين الوقائع التاريخية، والأدلة المتعلقة بالسلوك الفعلي، والتفسيرات المتعلقة بالدوافع، والتوصيات المتعلقة بالمحاسبة والسيادة الوطنية.
الفصل الأول: الجذور التاريخية للعلاقة الإماراتية السودانية وتحولها إلى شراكة أمنية ذات أبعاد إقليمية
1.1. من العلاقات الدبلوماسية والتبادل الاقتصادي إلى التنافس على الموارد
تطورت العلاقات السودانية الإماراتية في سياق الروابط العربية والإسلامية، وحركة التجارة والهجرة والعمل، والتحويلات المالية، والتعاون الدبلوماسي. وكان السودان، بحكم موقعه الجغرافي ومساحته وموارده الزراعية والحيوانية والمعدنية، أحد البلدان الإفريقية التي يمكن أن تستفيد منها الاقتصادات الخليجية الباحثة عن تنويع مصادر الغذاء والمواد الخام.
وفي المقابل، أتاحت الإمارات للسودان أسواقاً تجارية ومصادر للتمويل والاستثمار وفرصاً للعمل، كما أصبحت دبي مركزاً مهماً للمعاملات التجارية والمالية المرتبطة بالاقتصاد السوداني. ولا ينبغي إسقاط التوازنات الاستراتيجية التي ظهرت بعد عام 2015 على العقود السابقة، أو افتراض أن العلاقة كانت منذ بدايتها مشروعاً عسكرياً أو أمنياً متكاملاً. فقد تغيرت المصالح الإماراتية وأدواتها بتغير البيئة الإقليمية، وبالتطور الاقتصادي الإماراتي، وبالتحولات التي شهدها النظام السوداني.
1.2. انفصال جنوب السودان والتحول نحو الشراكات الخليجية
أدى انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 إلى فقدان السودان قسماً كبيراً من إنتاجه النفطي وإيراداته الخارجية، الأمر الذي زاد حاجة الحكومة السودانية إلى التمويل الخارجي والاستثمارات والأسواق البديلة. وفي هذه البيئة، توسعت أهمية العلاقات الاقتصادية مع السعودية والإمارات، بالتوازي مع علاقات السودان بقطر وتركيا وإيران. ولم تكن هذه العلاقات منفصلة عن التنافس الإقليمي، بل أصبحت الموارد المالية والمساعدات والاستثمارات أدوات لبناء التحالفات السياسية والأمنية.
ويشير تحليل بيغ (2020) إلى أن السودان اقترب بصورة متزايدة من السعودية والإمارات بعد عام 2015، وأن مشاركته في الحرب اليمنية أتاحت للنظام السوداني الحصول على دعم مالي وتسهيلات اقتصادية، في وقت كانت فيه الخرطوم تسعى إلى تعويض خسائرها الاقتصادية بعد انفصال الجنوب (Berg, 2020).
ولم تكن هذه العلاقة مجرد تبادل للمساعدات مقابل المواقف الدبلوماسية؛ إذ أسهمت في تعزيز قدرة بعض المؤسسات العسكرية والأمنية السودانية على الوصول إلى التمويل الخارجي، ووفرت لبعض القادة العسكريين علاقات مباشرة مع أطراف إقليمية مؤثرة. ولا تثبت هذه الوقائع أن الإمارات أنشأت قوات الدعم السريع أو أنها كانت تتحكم في جميع قراراتها، لكنها توضح أن العلاقات الأمنية والمالية العابرة للحدود سبقت حرب 2023، وأنها شكلت جزءاً من البيئة التي تطورت داخلها القوة الاقتصادية والعسكرية للقوات.
1.3. حرب اليمن وتطوير أدوات النفوذ العسكري واللوجستي
مثلت الحرب اليمنية التي بدأت عام 2015 محطة رئيسية في تطور السياسة الخارجية الإماراتية. فقد سعت أبوظبي إلى حماية خطوط الملاحة، ومواجهة الحوثيين، والحد من نفوذ إيران، وتطوير قدرات عسكرية تسمح لها بالتأثير في مناطق بعيدة عن حدودها المباشرة. ويرى كولومباج (2021) أن تجربة الإمارات في اليمن تعكس تحولاً نحو توظيف القوات العسكرية والشراكات المحلية والشبكات الأمنية في إسقاط النفوذ الإقليمي، مع الحرص على تقليل الكلفة المباشرة للتدخل العسكري الإماراتي طويل الأمد (Colom Piella, 2021).
وفي هذا السياق، ازدادت أهمية السودان بسبب قربه من البحر الأحمر، وامتلاكه ساحلاً طويلاً، وارتباطه بممرات التجارة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، إضافة إلى امتداد حدوده إلى مناطق تشهد نزاعات وتنافساً على النفوذ. وأصبح التعاون مع المؤسسات العسكرية السودانية وسيلة لتحقيق مصالح متبادلة: احتاجت القيادة السودانية إلى التمويل الخارجي، فيما احتاجت أبوظبي إلى شركاء إقليميين قادرين على التأثير في الترتيبات الأمنية والسياسية في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
لكن التحالفات التي نشأت في هذه المرحلة لم تكن ثابتة أو خالية من التناقضات. فقد تغيرت علاقات السودان بالإمارات مع سقوط عمر البشير، ثم مع صعود عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو، ثم مع انقلاب أكتوبر 2021، وأخيراً مع اندلاع الحرب في أبريل 2023. وهكذا، ينبغي النظر إلى المرحلة منذ 2015 بوصفها نقطة تحول في كثافة العلاقة الأمنية وتداخلها مع المصالح الاقتصادية، لا بوصفها دليلاً كافياً على أن كل ما حدث لاحقاً كان مخططاً له سلفاً.
الفصل الثاني: الثورة السودانية وانقلاب 2021 والحرب؛ كيف انتقلت العلاقات الخارجية إلى قلب الصراع على الدولة؟
2.1. سقوط البشير وإعادة توزيع النفوذ
أدى سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019 إلى فتح المجال أمام إعادة ترتيب العلاقات بين السودان والقوى الإقليمية. فقد برزت القوات المسلحة وقوات الدعم السريع باعتبارهما مركزين رئيسيين للقوة العسكرية والسياسية، بينما حاولت القوى المدنية بناء نظام انتقالي يستعيد السلطة من المؤسسات الأمنية والعسكرية. وفي هذه المرحلة، كانت الإمارات والسعودية ومصر وغيرها من القوى الإقليمية معنية بمآلات الانتقال السوداني، وإن اختلفت مصالحها وأدواتها ودرجة انخراطها.
ومن منظور أبوظبي، لم يكن السودان مجرد دولة تحتاج إلى المساعدات، بل بلداً يمكن أن يؤثر اتجاهه السياسي في توازنات المنطقة. فصعود حكومة مدنية مستقلة، أو عودة نظام إسلامي سلطوي، أو استمرار حكم عسكري، أو تفكك الدولة إلى مراكز قوة متنافسة، كلها احتمالات تحمل آثاراً مختلفة على المصالح الإماراتية.
وقد تناولت دراسات العلاقات الخليجية السودانية التنافس بين السعودية والإمارات من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى، في سياق الاختلاف حول الإسلام السياسي وشكل النظام الإقليمي بعد انتفاضات عام 2011. وتشير دراسة دونيلي (2024) إلى أن اعتبارات الهوية السياسية والتنافس الجيوسياسي تداخلت في علاقات قطر والإمارات بالسودان، وأن التحولات الإقليمية بعد عام 2015 أعادت تشكيل دوافع التدخل الخارجي (Donelli, 2024).
غير أن ذلك لا يبرر اختزال القوى المدنية السودانية في كونها أدوات لهذه الدولة أو تلك. فالمجتمع السوداني يضم تيارات سياسية ونقابية وشبابية ومجتمعية ذات مصالح ومواقف مستقلة، وقد أظهرت الثورة السودانية أن الفاعلين المحليين قادرون على تحدي الترتيبات التي تحاول النخب العسكرية والخارجية فرضها.
2.2. انقلاب أكتوبر 2021 وتضارب المصالح الاقتصادية والعسكرية
أدى انقلاب 25 أكتوبر 2021 إلى تقويض الانتقال المدني وإضعاف المؤسسات التي كان يمكن أن تخضع الأنشطة الاقتصادية والأمنية للرقابة العامة. وتكتسب هذه الواقعة أهميتها من أن الجيش وقوات الدعم السريع لم يكونا مجرد مؤسستين عسكريتين، بل كان لكل منهما مصالح اقتصادية وشبكات تمويل وعلاقات خارجية. وكان التنافس على الموارد والسلطة جزءاً من الصراع الذي سبق الحرب.
ويشير سوليمان وبلدو (2025) إلى أن محاولة الحكومة الانتقالية إخضاع الشركات العامة والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالمؤسسة العسكرية للرقابة المالية، وتفكيك شبكات التمكين، هددت مصالح اقتصادية راسخة، وأسهمت في السياق الذي سبق انقلاب 2021 (Soliman and Baldo, 2025).
ولا يعني ذلك أن الصراع على الذهب وحده تسبب في الانقلاب أو الحرب، بل إن السيطرة على الموارد تفاعلت مع قضايا القيادة العسكرية، وترتيبات دمج قوات الدعم السريع، ومستقبل السلطة السياسية، ومصالح النخب التي استفادت من الاقتصاد العسكري. وفي هذا السياق، كانت العلاقات الخارجية عاملاً مساعداً لبعض الأطراف، لا بديلاً عن مسؤوليتها المباشرة عن القرارات التي اتخذتها داخل السودان.
2.3. اندلاع الحرب في أبريل 2023 وتدويل الصراع
اندلعت الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، بعد تصاعد الخلاف حول دمج القوات وترتيبات القيادة والسيطرة ومستقبل السلطة الانتقالية. ومع اتساع الحرب، أصبحت خطوط الإمداد الخارجية والموارد المالية والقدرة على استيراد الأسلحة والوقود والمعدات عوامل مؤثرة في قدرة الطرفين على مواصلة القتال.
وفي يناير 2024، خلص فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المعني بالسودان إلى أن الاتهامات المتعلقة بتقديم الإمارات وتشاد دعماً عسكرياً لقوات الدعم السريع عبر أم جرس في تشاد كانت ذات مصداقية، ووثق انتقال أسلحة ومعدات إلى دارفور في ظروف تشكل انتهاكاً لحظر السلاح المفروض على الإقليم (United Nations Security Council, 2024).
وفي المقابل، قالت الإمارات إن رحلاتها إلى أم جرس كانت مخصصة للمساعدات الإنسانية وتشغيل مستشفى ميداني، ونفت تقديم دعم عسكري لأي طرف في الحرب. وأظهرت تحقيقات لاحقة أن القضية لم تعد محصورة في تبادل الاتهامات الدبلوماسية، بل أصبحت موضوعاً لفحص مسارات الطيران، وأنواع الأسلحة، وأرقامها التسلسلية، وشبكات التوريد، ووجهات الشحن.
وهذا التطور يجعل من الضروري تقييم السياسة الإماراتية استناداً إلى الأدلة المتراكمة، مع الفصل بين ما ثبت بشأن منشأ الأسلحة ومساراتها وما يتطلب أدلة إضافية لإثبات المسؤولية المباشرة لكل جهة عن عملية نقل محددة.
الفصل الثالث: ماذا تريد الإمارات في السودان؟ الذهب والأمن الغذائي والموانئ وموازين القوى الإقليمية
3.1. الذهب السوداني وشبكات التجارة والتمويل
يحتل الذهب موقعاً مركزياً في العلاقة الاقتصادية بين السودان والإمارات. فالسودان منتج مهم للذهب، وتستحوذ أنشطة التعدين الأهلي والصغير على جزء كبير من الإنتاج، فيما تعد دبي أحد المراكز العالمية لتجارة الذهب وتكريره وتمويله.
وتوضح دراسة سوليمان وبلدو (2025) أن الذهب السوداني يتجه إلى الإمارات مباشرة أو عبر دول مجاورة، بينها تشاد ومصر وإريتريا وجنوب السودان. وتؤكد أن شبكات الذهب تربط الأطراف المسلحة والتجار والوسطاء وشركات النقل والتمويل والأسواق الخارجية في منظومة اقتصادية عابرة للحدود.
ووفقاً للدراسة، أفادت بيانات التجارة بأن الإمارات استوردت من السودان نحو 17 طناً من الذهب في عام 2023، بقيمة تجاوزت مليار دولار. كما تشير بيانات بنك السودان المركزي التي ناقشتها الدراسة إلى أن صادرات الذهب الرسمية في عام 2024 من المناطق الخاضعة لسلطات بورتسودان بلغت نحو 1.52 مليار دولار، وذهب ما يقارب 97% منها إلى الإمارات (Soliman and Baldo, 2025).
وتكشف هذه الأرقام عن اعتماد تجاري مهم، لكنها لا تعني أن جميع صادرات الذهب السوداني مصدرها مناطق قوات الدعم السريع، ولا أن كل الذهب الذي يصل إلى الإمارات مستخرج بصورة غير قانونية. فالذهب الرسمي والذهب المهرب والذهب المستخرج من مناطق تسيطر عليها أطراف مسلحة قد يمر عبر مسارات مختلفة، كما قد تختلط مصادره أثناء النقل والتداول والتكرير.
وتكمن المشكلة الأساسية في ضعف إمكانية تتبع المصدر الأولي للذهب، وفي قدرة الوسطاء على إعادة إدخال الذهب غير المشروع إلى سلاسل التوريد القانونية. وتشير بيانات أوردتها تشاتام هاوس عن تجارة الذهب الإفريقي إلى أن واردات الإمارات من الذهب الإفريقي ارتفعت من نحو 243 طناً عام 2012 إلى 609 أطنان عام 2022. كما سجلت الإمارات واردات إجمالية من الذهب بلغت 1,059 طناً في عام 2022، بقيمة 59.5 مليار دولار، كان الذهب الإفريقي يمثل 58% من قيمتها وفق البيانات التي استندت إليها الدراسة (Soliman and Baldo, 2025).
هذه الأرقام لا تثبت أن جميع الواردات غير مشروعة، لكنها تبرز الأهمية الاقتصادية الاستراتيجية للذهب الإفريقي بالنسبة إلى مركز التجارة الإماراتي. ومن هنا، يمكن تفسير أحد الأهداف الإماراتية المحتملة في السودان بأنه المحافظة على إمكانية الوصول إلى الذهب السوداني، وعلى البنية المالية والتجارية التي تسمح بتداوله دولياً. غير أن هذه المصلحة لا تتطلب بالضرورة استمرار الحرب؛ إذ يمكن للإمارات أن تحقق أرباحاً من التجارة في ظل دولة سودانية مستقرة وخاضعة لقواعد شفافة أيضاً.
لكن عندما تكون سلاسل التوريد غير شفافة، وتستفيد الأطراف المسلحة من تهريب الذهب، تصبح المصالح التجارية معرضة للتحول إلى آليات تمويل للصراع.
وتكتسب العقوبات المالية الأمريكية أهمية إضافية في فهم هذه الشبكات. ففي 7 يناير 2025، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات على شركة «كابيتال تاب القابضة» المسجلة في الإمارات، وذكرت أنها قدمت أموالاً ومعدات عسكرية لقوات الدعم السريع. كما فرضت عقوبات على شركات إماراتية أخرى مرتبطة بمالكها ومديرها أبو ذر عبد النبي حبيبالله أحمد، من بينها شركة «كابيتال تاب للاستشارات الإدارية» وشركة «كابيتال تاب للتجارة العامة» وشركة «كرييتف بايثون» وشركة «الزمرد والياقوت للذهب والمجوهرات». وذكرت الوزارة أن الأخيرة اشترت ذهباً من السودان، يُرجح أنه كان لمصلحة قوات الدعم السريع، ثم نقلته إلى دبي، وأن ألغوني حمدان دقلو، مسؤول المشتريات في القوات وشقيق قائدها، احتفظ بإمكانية الوصول إلى حسابها المصرفي الذي كان يحتوي على ملايين الدولارات (U.S. Department of the Treasury, 2025a).
هذه العقوبات لا تمثل حكماً قضائياً دولياً نهائياً، لكنها قرارات حكومية رسمية مبنية على تقييم وزارة الخزانة الأمريكية لشبكات التمويل والشراء. وتكمن أهميتها في أنها تقدم أسماء شركات محددة وعلاقات ملكية وإدارة وحسابات مصرفية، بدلاً من الاكتفاء بالحديث المجرد عن «النفوذ الإماراتي».
كما سبق لوزارة الخزانة الأمريكية، في سبتمبر 2023 ويناير 2024، أن فرضت عقوبات على شركات مرتبطة بقوات الدعم السريع وبشبكات تمويلها، ومنها شركة «الجنيد للأنشطة المتعددة» وبنك الخليج. وأشارت الوزارة إلى أن شركة الجنيد، الخاضعة لسيطرة محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، امتلكت أنشطة متعددة تشمل التعدين، وأن السيطرة على منجم جبل عامر منذ عام 2017 جعلت الذهب مصدراً مهماً لإيرادات الأسرة والقوات. كما وصفت بنك الخليج بأنه عنصر أساسي في تمويل عمليات قوات الدعم السريع (U.S. Department of the Treasury, 2023; U.S. Department of the Treasury, 2024).
ويجب عدم الخلط بين العقوبات الأمريكية على شركات سودانية تابعة لقوات الدعم السريع والعقوبات على شركات مسجلة في الإمارات؛ فالأولى توضح البنية الاقتصادية للقوات داخل السودان، بينما تكشف الثانية عن صلات تجارية ومالية خارجية. وعند جمع هذه الأدلة، تتضح كيفية اتصال استخراج الذهب وتصديره والتمويل المصرفي وشراء المعدات العسكرية في منظومة اقتصادية عابرة للحدود.
3.2. الأمن الغذائي والاستثمار الزراعي وحقوق المجتمعات المحلية
تمتلك الأراضي السودانية إمكانات زراعية كبيرة، تشمل الأراضي الخصبة ومصادر المياه والمراعي والثروة الحيوانية. وفي المقابل، تعتمد الإمارات بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية بسبب محدودية مواردها المائية والزراعية. ولهذا السبب، تمثل الاستثمارات الزراعية السودانية فرصة لتأمين إمدادات الغذاء والأعلاف والمنتجات الحيوانية، وتنويع مصادر الاستيراد، والاستفادة من الأراضي والموارد المائية خارج الإمارات.
وقد توسعت استثمارات خليجية في الأراضي الزراعية السودانية منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بالتزامن مع سياسات خصخصة الأراضي وتوسيع الاستثمار الزراعي التجاري. ويبين تحليل أكاديمي نشرته مجلة «الأزمنة النقدية» أن قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، وما رافقه من إعادة تنظيم للقطاع الزراعي، أسهما في خلق ظروف أتاحت توسيع بعض الاستثمارات الكبيرة على حساب صغار المزارعين والرعاة، مع اختلاف النتائج من منطقة إلى أخرى (Sudan’s Counterrevolutionary War, 2025).
ويجب الفصل بين ثلاثة أمور: الاستثمار الزراعي المشروع، والاستحواذ غير العادل على الأراضي، والاستخدام السياسي أو الأمني للاستثمارات. فليس كل استثمار إماراتي في الزراعة دليلاً على نزع ملكية السكان، كما أن وجود عقد استثمار رسمي لا يضمن وحده احترام حقوق المجتمعات المحلية.
وتتمثل المصلحة الإماراتية المحتملة في الحفاظ على إمكانية الوصول طويل الأمد إلى الأراضي والمنتجات الزراعية، وتطوير سلاسل إنتاج وتخزين ونقل وتصدير مرتبطة بأسواق الخليج. أما بالنسبة إلى السودان، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى مكاسب وطنية يتطلب تسجيل حقوق الأراضي، وحماية الحيازات التقليدية، وضمان تعويض المتضررين، وإخضاع العقود للرقابة البرلمانية والقضائية، وربط الحوافز الاستثمارية بالتوظيف المحلي ونقل التكنولوجيا والإيرادات العامة.
3.3. الموانئ والبحر الأحمر والممرات اللوجستية
يمثل ساحل السودان على البحر الأحمر أحد أهم أصوله الاستراتيجية. فميناء بورتسودان هو المنفذ البحري الرئيسي للبلاد، ويرتبط بالتجارة الخارجية والواردات الغذائية والوقود والصادرات المعدنية والزراعية. كما أن موقع السودان يجعله جزءاً من شبكة أوسع تضم البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية.
وفي عام 2022، ظهرت مبادرة إماراتية لاستثمار كبير في مشروع ميناء على ساحل البحر الأحمر شمال بورتسودان، ضمن اتفاق معلن بلغت قيمته الإجمالية نحو ستة مليارات دولار وشمل عناصر مينائية وزراعية وبنية تحتية. لكن المشروع تعثر مع اندلاع الحرب وتدهور البيئة السياسية والأمنية (Sudan’s Counterrevolutionary War, 2025).
ولا يكفي هذا المشروع وحده لإثبات أن الإمارات تريد إضعاف ميناء بورتسودان أو الاستيلاء على الساحل السوداني. فالمشروعات المينائية يمكن أن تخدم التنمية الوطنية إذا خضعت لشروط واضحة، كما يمكن أن تصبح أدوات لنفوذ خارجي إذا ارتبطت بامتيازات طويلة الأمد غير شفافة أو بترتيبات أمنية لا تخضع للرقابة الوطنية.
ومع ذلك، فإن المشروع يوضح أهمية السودان في الحسابات الإماراتية المتعلقة بالموانئ والخدمات اللوجستية. فالإمارات تمتلك خبرة واسعة في تطوير الموانئ والمناطق الحرة وشبكات الشحن، ويمكن أن تحقق عوائد من إدارة الموانئ وربطها بمراكز التخزين والتجارة والتصدير. كما أن النفوذ في الموانئ الإفريقية قد يوفر مكاسب سياسية وأمنية تتجاوز الأرباح التجارية المباشرة، خاصة عندما تتداخل إدارة الموانئ مع الخدمات اللوجستية العسكرية أو شبكات الإمداد الإقليمية.
ويقتضي التقييم السليم لأي اتفاق مينائي النظر في ملكية الأصول، ومدة الامتياز، ونسب الإيرادات، وحقوق الدولة في إنهاء العقد، والتزامات الشركة تجاه العمالة المحلية، وآليات تسوية النزاعات، ومدى تأثير المشروع في الموانئ الوطنية القائمة.
3.4. احتواء الخصوم الإقليميين وإعادة تشكيل التوازنات السياسية
لا يمكن فصل السياسة الإماراتية في السودان عن التنافس الإقليمي مع قوى أخرى، خصوصاً في ما يتعلق بالإسلام السياسي وشبكات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وتشير دراسة دونيلي (2024) إلى أن التنافس بين الإمارات والسعودية من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى تداخل مع الاختلافات بشأن الإسلام السياسي، وأن التحولات التي أعقبت عام 2011 أعادت تشكيل طبيعة العلاقات الخليجية بالسودان (Donelli, 2024).
ومن هذا المنطلق، يمكن تفسير اهتمام أبوظبي بمستقبل السلطة السودانية بأنه يتضمن الرغبة في منع تشكل نظام سياسي يعيد بناء تحالفات إقليمية تعتبرها الإمارات معادية لمصالحها. لكن هذا التفسير لا يعني أن كل القوى الإسلامية السودانية متطابقة، أو أن كل القوى المدنية قريبة من الإمارات، أو أن الصراع السوداني مجرد مواجهة بين محاور خارجية.
فالسودان يمتلك تاريخاً سياسياً واجتماعياً خاصاً، وتتشكل مواقفه الداخلية من تناقضات عميقة تتعلق بالجيش والدولة والاقتصاد والهوية والتهميش الإقليمي. والأدق هو القول إن التنافس الإقليمي يؤثر في الصراع السوداني ويزيد تعقيده، لكنه لا يفسر وحده نشأته أو مساره.
3.5. بناء النفوذ عبر شبكات العلاقات مع مراكز القوة السودانية
تعتمد السياسة الخارجية للدول متوسطة القوة أحياناً على بناء علاقات مع مؤسسات الدولة، والقادة العسكريين، ورجال الأعمال، وشبكات النقل والتجارة، والوسطاء المحليين. وفي الحالة السودانية، تتيح العلاقات الاقتصادية والأمنية الوصول إلى مراكز نفوذ متعددة، لكنها قد تؤدي أيضاً إلى تعزيز استقلال المؤسسات العسكرية عن الرقابة المدنية.
وتظهر تجربة السودان أن وجود شركات اقتصادية مرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية يمكن أن يجعل المصالح التجارية جزءاً من الصراع السياسي. وعندما تحصل هذه المؤسسات على موارد مستقلة عن الموازنة العامة، تصبح قدرتها على مقاومة الإصلاح المالي والمؤسسي أكبر.
ومن ثم، فإن أحد التحديات التي تواجه السودان لا يتعلق فقط بهوية الدولة الأجنبية التي تتعامل مع الجيش أو قوات الدعم السريع، بل بوجود نموذج سياسي واقتصادي يسمح لأي مؤسسة مسلحة بتكوين موارد مستقلة وشبكات علاقات خارجية لا تخضع للمساءلة الوطنية. ولا يمكن، استناداً إلى الأدلة المتاحة، الجزم بأن الإمارات تتحكم في جميع شبكات القوة السودانية أو أنها قادرة على فرض قراراتها عليها. لكن يمكن القول إن العلاقات المالية والتجارية والعسكرية الخارجية قد تعزز قدرة بعض الفاعلين المحليين على الاستمرار في الصراع أو مقاومة التسوية.
الفصل الرابع: الأدلة على الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع؛ من أم جرس إلى الأسلحة المتقدمة وشبكات المرتزقة
4.1. تقرير فريق الخبراء الأممي لعام 2024: أم جرس ومسارات الإمداد
يمثل التقرير النهائي لفريق الخبراء المعني بالسودان، الصادر في يناير 2024، أحد أهم المصادر الرسمية لتقييم الاتهامات المتعلقة بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع. فقد خلص التقرير إلى أن الاتهامات بشأن تقديم الإمارات وتشاد دعماً عسكرياً لقوات الدعم السريع عبر أم جرس كانت ذات مصداقية، ووثق وصول أسلحة ومعدات إلى دارفور في انتهاك لحظر السلاح المفروض على الإقليم (United Nations Security Council, 2024).
وتكمن أهمية هذا الاستنتاج في أنه صدر عن فريق أممي متخصص في مراقبة العقوبات، وليس عن أحد أطراف الحرب وحده. ومع ذلك، فإن وصف الاتهامات بأنها ذات مصداقية لا يعادل حكماً قضائياً نهائياً يثبت المسؤولية الجنائية لكل مسؤول أو مؤسسة. كما أن تحديد المسؤولية الدولية يتطلب فحص الأدلة المتعلقة بكل عملية نقل، ومدى علم الجهات المعنية بطبيعة الشحنات ووجهتها واستخدامها النهائي.
وفي ديسمبر 2024، نشرت وكالة رويترز تحقيقاً استند إلى بيانات رحلات جوية وصور أقمار صناعية ومعلومات من مسؤولين ومصادر مطلعة، أشار إلى أن ما لا يقل عن 86 رحلة شحن من الإمارات هبطت في مطار أم جرس بشرق تشاد منذ اندلاع الحرب. وأوضح التحقيق أن هذه الرحلات أثارت اشتباه خبراء ومسؤولين أمميين في احتمال استخدامها لنقل إمدادات عسكرية إلى قوات الدعم السريع، بينما قالت الإمارات إن عملياتها كانت إنسانية (Reuters, 2024).
ويجب التعامل مع هذا الرقم باعتباره دليلاً على حجم الحركة الجوية التي تستحق التحقيق، لا باعتباره برهاناً مستقلاً على أن كل رحلة نقلت أسلحة. لكن أهمية التحقيق تكمن في أنه يربط الادعاءات العامة بمسار جوي متكرر وموقع جغرافي محدد، ويتيح مقارنتها بسجلات الشحن والبيانات الإنسانية والصور الفضائية.
كما ينبغي التمييز بين وجود طائرات شحن في مطار معين، وإثبات محتويات كل رحلة، وإثبات وصول الشحنة إلى قوات الدعم السريع، وتحديد الجهة التي أمرت بالنقل أو كانت تعلم بوجهته النهائية. فهذه مراحل مختلفة في سلسلة الإثبات، لكن تكرار الرحلات وتوافقها مع الأدلة الأخرى يجعل التحقيق فيها ضرورة دولية، لا مجرد موضوع للتجاذب السياسي.
4.2. الذخائر البلغارية المنشأ: تتبع الأرقام التسلسلية وسلسلة إعادة التصدير
في أبريل 2025، أفادت رويترز بأن فريق الخبراء الأممي كان يحقق في كيفية وصول ذخائر هاون بلغارية الصنع إلى قوات الدعم السريع في دارفور، رغم أن الشحنات الأصلية كانت قد صدرت إلى الإمارات عام 2019. وأشارت الوكالة إلى أن الأرقام التسلسلية ربطت الذخائر بشحنات سابقة، بينما قالت بلغاريا إنها لم تأذن بإعادة تصديرها إلى السودان (Reuters, 2025).
وتكتسب هذه الواقعة أهمية خاصة لأنها تتعلق بسلسلة توريد يمكن اختبارها من خلال الوثائق. فبلد المنشأ، وتاريخ التصنيع، والجهة التي اشترت الشحنة، وشروط الترخيص، والجهة التي استلمتها، كلها عناصر يمكن مقارنتها مع الأرقام التسلسلية التي عُثر عليها في السودان.
ومع ذلك، لا يكفي العثور على ذخيرة من منشأ معين لإثبات جميع مراحل نقلها أو تحديد المسؤولية الفردية عن وصولها إلى القوات المستخدمة لها. لكن إذا ثبت أن إعادة التصدير تمت من دون تصريح أو خلافاً لشروط الترخيص، فإن ذلك يثير أسئلة جدية حول الالتزام بضوابط تصدير السلاح، والعناية الواجبة، والتحقق من المستخدم النهائي.
وتبرز هنا أهمية نشر سجلات تراخيص التصدير وإعادة التصدير، والتحقق من الجهات الوسيطة، وتبادل المعلومات بين الدول المصدرة والجهات الأممية المختصة. فالسلاح لا يتحول إلى أداة في الحرب السودانية من تلقاء نفسه، بل يصل عبر منظومة من التصنيع والبيع والشحن والتخزين والتوزيع، ويمكن لكل مرحلة من هذه المراحل أن تترك آثاراً وثائقية قابلة للفحص.
4.3. تحقيق منظمة العفو الدولية لعام 2025: القنابل الموجهة ومدافع الهاوتزر الصينية
في 8 مايو 2025، نشرت منظمة العفو الدولية تحقيقاً بشأن أسلحة صينية متقدمة عُثر عليها أو وثقت آثار استخدامها في السودان، وخلصت إلى أن أسلحة تشمل القنابل الموجهة من طراز «جي بي 50 إيه» ومدافع الهاوتزر من طراز «إيه إتش-4» عيار 155 ملم أعيد تصديرها إلى السودان عبر الإمارات على الأرجح، في انتهاك لحظر السلاح المفروض على دارفور (Amnesty International, 2025).
واستند التحقيق إلى تحليل صور ومقاطع فيديو لبقايا الذخائر والأسلحة التي ظهرت في سياق هجمات قوات الدعم السريع، وإلى مقارنة العلامات والخصائص الفنية بالبيانات المتاحة عن الأنظمة المعروفة. وذكرت المنظمة أن بقايا قنبلة موجهة عُثر عليها بعد هجوم قرب بلدة المالحة في شمال دارفور، في 9 مارس 2025، حملت علامات تتوافق مع القنبلة الصينية «جي بي 50 إيه»، وأن العلامات تشير إلى تصنيعها عام 2024. وأوردت وسائل إعلام محلية ومنظمة حقوقية سودانية أن الهجوم أسفر عن مقتل 13 شخصاً وإصابة آخرين، لكن منظمة العفو أوضحت أنها لم تتمكن من التحدث مباشرة إلى الشهود الأصليين، وأنها لم تستطع تأكيد بعض التفاصيل المتعلقة بمصيرهم.
وفي واقعة أخرى، حللت المنظمة مقاطع فيديو أظهرت استيلاء القوات المسلحة السودانية على أسلحة تركتها قوات الدعم السريع بعد انسحابها من الخرطوم في 27 و28 مارس 2025، وحددت أحد الأسلحة باعتباره مدفع هاوتزر صيني الصنع من طراز «إيه إتش-4». وأشارت إلى أن الإمارات كانت الدولة الوحيدة التي استوردت هذا الطراز من الصين وفق بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وأن عملية الاستيراد تعود إلى عام 2019 (Amnesty International, 2025).
وتكتسب هذه الأدلة أهمية خاصة لأنها لا تعتمد حصراً على تصريحات أطراف الحرب، بل على فحص تقني للأسلحة ومقارنتها بالمنتجات المعروفة وسجلات التوريد. كما أن ظهور أسلحة حديثة الصنع في مناطق القتال يثير أسئلة حول توقيت نقلها، والجهة التي استوردتها، ومدى الالتزام بقيود إعادة التصدير، وما إذا كانت قد وصلت إلى السودان عبر سلسلة من الوسطاء.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين إثبات منشأ السلاح، وإثبات البلد الذي أعاد تصديره، وتحديد الجهة التي وافقت على العملية، وإثبات العلم المسبق بكيفية استخدامه. فهذه مسائل مترابطة لكنها ليست متطابقة، وتتطلب كل منها أدلة مناسبة.
لكن اجتماع الأدلة المتعلقة بالرحلات الجوية، والذخائر ذات الأرقام التسلسلية المعروفة، والأسلحة المتقدمة التي وثقتها منظمة العفو الدولية، يجعل فرضية وصول دعم عسكري عبر شبكات مرتبطة بالإمارات أكثر جدية من مجرد اتهام سياسي غير مدعوم.
4.4. المعدات الإماراتية المنشأ والذخائر ذات سلاسل التوريد العابرة للحدود
أشارت هيومن رايتس ووتش في تقاريرها عن السودان إلى أن قوات الدعم السريع استخدمت معدات وذخائر سبق أن اقتنتها القوات المسلحة الإماراتية، كما أشارت إلى تقارير صحفية بشأن استخدام قاعدة جوية في أم جرس لتسهيل وصول إمدادات إلى قوات الدعم السريع. وفي تقريرها عن الإمارات لعام 2025، لفتت المنظمة إلى أن فريق الخبراء الأممي وصف الاتهامات المتعلقة بالدعم الإماراتي بأنها ذات مصداقية، وأن عمليات نقل الأسلحة والذخائر إلى دارفور التي وثقها الفريق شكلت انتهاكات لحظر السلاح (Human Rights Watch, 2025).
ويجب عدم الخلط بين بلد التصنيع وبلد التصدير وبلد إعادة التصدير. فقد يكون السلاح صُنع في الصين أو دولة أخرى، ثم اشترته الإمارات، ثم انتقل عبر وسيط أو شركة إلى السودان. كما قد تكون بعض المعدات الإماراتية المنشأ قد وصلت عبر قنوات مختلفة. ولذلك، فإن التحقيق في هذه الحالات يجب أن يتناول سجلات التوريد والتراخيص والجهات المستفيدة النهائية، لا أن يكتفي بتحديد بلد المنشأ.
وتعني هذه الأدلة أن المسؤولية المحتملة لا تقتصر على عملية تسليم مباشرة من مؤسسة حكومية إلى قوات الدعم السريع؛ فقد تمر الإمدادات عبر شركات خاصة أو وسطاء أو شبكات تجارية. لكن وجود شركات وسيطة لا ينفي احتمال المسؤولية إذا ثبت أن الجهات المعنية قدمت دعماً مع العلم بوجهته أو ساهمت في التحايل على القيود القانونية.
4.5. تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية في سبتمبر 2026: الدليل الأوسع على شبكات التجنيد والتمويل والنقل
يمثل تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، الصادر في سبتمبر 2026، تطوراً مهماً في تقييم دور الشبكات العابرة للحدود في إطالة الحرب. فقد وثق التقرير مشاركة كيانات خاصة ووسطاء لوجستيين ومسؤولين عن التجنيد يعملون من عدة دول، بينها الإمارات وكولومبيا، في شبكات ساعدت قوات الدعم السريع على الحصول على مقاتلين أجانب وتدريب ومعدات وأسلحة ودعم لوجستي.
وخلصت البعثة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن هذه الشبكات استخدمت نقاط عبور في تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال لتسهيل نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في السودان. كما ربطت الدعم الخارجي بعمليات القوات في مخيم زمزم، ثم بالهجوم على الفاشر في أكتوبر 2025، حيث وثقت البعثة انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، وجرائم دولية شملت سلوكاً يحمل سمات الإبادة الجماعية (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026).
وتتطلب هذه النتيجة تمييزاً قانونياً مهماً. فتوصيف البعثة لسلوك بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية لا يعادل حكماً قضائياً نهائياً بإدانة أفراد أو دولة بجريمة الإبادة الجماعية. لكنه استنتاج أممي بالغ الخطورة يستند إلى نمط الانتهاكات والظروف التي جرى توثيقها، ويقتضي تحقيقاً ومساءلة وإجراءات لمنع تكرار الجرائم.
كما وثقت البعثة أن المقاتلين الأجانب السابقين من القوات المسلحة الكولومبية شاركوا في تشغيل الأنظمة الجوية غير المأهولة وتدريب الأفراد وصيانة المعدات، وأن هذه القدرات أسهمت في توسيع نطاق العمليات العسكرية. وأشارت إلى أن الدعم الخارجي عزز قدرات الطرفين على استخدام الطائرات المسيّرة، وأن ضربات الطائرات المسيّرة أوقعت أكثر من ألف قتيل مدني خلال النصف الأول من عام 2026 وفق المعلومات التي عرضتها تقارير أممية عن الهجمات، مع تضرر مستشفيات وأسواق ومدارس ومناطق سكنية وبنية تحتية أساسية (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026; Reuters, 2026a).
والأهم أن التقرير لم يكتفِ بالحديث عن انتقال السلاح، بل تناول شبكة كاملة من التجنيد والتدريب والتمويل والنقل والنشر. وهذا يوسع نطاق التحقيق المطلوب من تتبع الشحنات إلى فحص العقود والملكية الفعلية للشركات والحسابات المصرفية وبيانات السفر والتدريب ومواقع المنشآت المستخدمة.
4.6. المقاتلون الكولومبيون والشركات الأمنية المرتبطة بالإمارات
في 25 مايو 2026، نشرت هيومن رايتس ووتش تقريراً بعنوان «من بوغوتا إلى الفاشر»، تناول دور مقاتلين كولومبيين سابقين في دعم قوات الدعم السريع، والعلاقة المحتملة بين تجنيدهم وشركة «غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب» المسجلة في أبوظبي. واستند التقرير إلى مقابلات مع متعاقدين عسكريين كولومبيين سابقين، وموظف سابق في الشركة، وسكان من الفاشر، ومصادر أخرى، إضافة إلى سجلات شركات ووثائق رسمية وصور ومقاطع فيديو جرى التحقق من مواقعها الجغرافية (Human Rights Watch, 2026a).
وذكرت المنظمة أن الشركة الأمنية التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها جندت منذ عام 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين أُرسلوا إلى السودان للعمل إلى جانب قوات الدعم السريع. وأشارت إلى أن بعض المجندين مروا عبر منشآت عسكرية في الإمارات، منها قاعدة في غياثي ومنشأة أخرى في منطقة الوثبة بإمارة أبوظبي، قبل نقلهم إلى السودان. كما وثقت أدلة على وجود متعاقدين عسكريين في الفاشر خلال أكتوبر 2025، عندما سيطرت قوات الدعم السريع على المدينة وارتكبت عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة بحق المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال.
وأفاد التقرير بأن بعض المتعاقدين شاركوا في تشغيل الطائرات المسيّرة والمدفعية والأسلحة المتقدمة، وهو ما يثير أسئلة تتجاوز مجرد التوظيف في خدمات الحراسة المدنية. فالمشاركة في تشغيل أسلحة قتالية أو تدريب القوات عليها أو توفير الدعم الفني لعملياتها قد تجعل النشاط جزءاً من المجهود العسكري، بحسب طبيعة المهام والأدلة المتعلقة بكل شخص أو شركة.
لكن ينبغي التمييز بين ما أثبتته المنظمة بشأن وجود مجندين وشبكات توظيف ومرور عبر منشآت في الإمارات، وبين إثبات أن كل عقد أبرمته الشركة كان بتوجيه مباشر من الحكومة الإماراتية. فالشركة الخاصة ليست بالضرورة جهازاً حكومياً، إلا أن استخدامها منشآت عسكرية أو مرور المجندين عبرها من دون إجراءات اعتيادية، إذا ثبت، يثير أسئلة جدية حول العلم والتسهيل والرقابة.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية لأن تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية في سبتمبر 2026 توصل إلى نتائج متوافقة بشأن دور شبكات مرتبطة بالإمارات وكولومبيا في تجنيد المقاتلين ونقلهم ودعمهم. ويعني هذا التوافق أن القضية لم تعد قائمة على رواية صحفية منفردة، بل أصبحت مدعومة بمجموعة من التحقيقات المستقلة التي ينبغي فحص أدلتها تفصيلياً.
ومع ذلك، لا يجوز اعتبار كل متعاقد أجنبي مرتزقاً بالمعنى القانوني الدقيق لمجرد حصوله على أجر. فتعريف المرتزق في القانون الدولي يتضمن شروطاً محددة، كما أن توصيف الأشخاص بوصفهم مقاتلين أو مدنيين مشاركين مباشرة في الأعمال العدائية يتوقف على طبيعة مهامهم ومشاركتهم الفعلية. لكن هذه التعقيدات القانونية لا تقلل من ضرورة التحقيق في دورهم العملياتي، ولا من مسؤولية الجهات التي تجندهم أو تنقلهم أو تدربهم إذا ثبتت مساهمتها في انتهاكات خطيرة.
4.7. لماذا يصعب فصل الدعم العسكري عن الدعم اللوجستي والمالي؟
لا تتطلب القدرة على مواصلة الحرب أن تقوم دولة بتسليم كل سلاح بنفسها. فالحرب الحديثة تعتمد على منظومة تشمل التمويل وشراء المعدات والصيانة والتدريب ونقل الأفراد والذخائر وتوفير الوقود وقطع الغيار وتحديد المستخدم النهائي. وقد تكون بعض حلقات هذه المنظومة مشروعة في ظاهرها، لكنها تتحول إلى جزء من دعم عسكري غير مشروع إذا ثبت أنها صُممت أو استُخدمت لإيصال الموارد إلى طرف يخوض نزاعاً مسلحاً بالمخالفة للقيود القانونية.
وتوضح الأدلة المتعلقة بالشركات الإماراتية المسجلة، ومسارات الطيران عبر تشاد، وإعادة تصدير الأسلحة، وتجنيد المقاتلين الكولومبيين، ضرورة فحص هذه المنظومة باعتبارها شبكة مترابطة. فالسؤال ليس فقط من سلّم السلاح، بل أيضاً من دفع ثمنه، ومن رتّب نقله، ومن وفر التدريب، ومن تولى الصيانة، ومن أتاح المرور عبر المنشآت، ومن كان يعلم بالوجهة النهائية.
ولا يجوز في المقابل افتراض أن جميع الشركات التي تتعامل مع السودان أو جميع الرحلات الجوية إلى تشاد تشارك في أنشطة عسكرية. فالمساعدات الإنسانية والتجارة المشروعة تحتاجان إلى الحماية، كما أن تجريم النشاط التجاري المشروع دون دليل قد يضر بالمدنيين. المطلوب هو تحقيق مستقل يحدد العمليات والأطراف والأدلة، بدلاً من إطلاق أحكام عامة على كل نشاط إماراتي.
الفصل الخامس: التداعيات على المدنيين والدولة السودانية؛ كيف يتحول الدعم الخارجي إلى مضاعف للقدرات العسكرية والجرائم؟
5.1. إطالة الحرب وتغيير ميزان القوة
يؤدي تدفق الأسلحة والذخائر والمعدات والوقود إلى زيادة قدرة الأطراف المتحاربة على مواصلة القتال، ويضعف الحوافز العسكرية للتوصل إلى تسوية. وتوضح خبرة النزاعات المسلحة أن الدعم الخارجي لا يضمن انتصار الطرف المستفيد، لكنه قد يمنعه من الانهيار، أو يساعده على تعويض خسائره، أو يسمح له بتوسيع نطاق عملياته.
وفي السودان، أدى استمرار الإمدادات عبر الحدود إلى جعل الحرب أكثر ارتباطاً بشبكات إقليمية يصعب ضبطها، وأصبحت الموارد الاقتصادية والطرق التجارية والتمويل الخارجي جزءاً من البنية التي تسمح باستمرار الصراع.
لكن لا يمكن تفسير مدة الحرب أو حجم الدمار بالدعم الخارجي وحده. فالمسؤولية الأساسية عن القرارات العسكرية والانتهاكات التي ترتكبها القوات السودانية تقع على الجهات التي تصدر الأوامر وتنفذها، كما أن الانقسامات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة والصراع على السلطة عوامل مستقلة ومهمة.
ومع ذلك، فإن دعم أي طرف مسلح بموارد إضافية يمكن أن يغير حساباته بشأن التفاوض، خصوصاً إذا اعتقد أن إمداداته الخارجية ستستمر حتى عندما تتراجع قدرته على تحقيق أهدافه ميدانياً. ومن ثم، فإن وقف تدفقات السلاح والتمويل غير المشروع لا يمثل إجراءً ثانوياً، بل أحد الشروط التي يمكن أن تقلل قدرة الأطراف على مواصلة الحرب.
5.2. الفاشر ودارفور: الصلة بين الإمداد العسكري والقدرة على ارتكاب الانتهاكات
تكتسب السيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025 أهمية خاصة في تقييم آثار الدعم الخارجي، لأنها جاءت بعد حصار طويل، وتزامنت مع عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة النطاق ضد المدنيين. وقد وثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية وهيئات حقوقية أن قوات الدعم السريع ارتكبت في دارفور انتهاكات جسيمة شملت القتل والتعذيب والعنف الجنسي والتهجير القسري والنهب والحرمان من الغذاء والمساعدات، وأن بعض الأنماط حملت سمات الإبادة الجماعية (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2025; United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026).
وتبرز هنا ضرورة التمييز بين ثلاثة أنواع من المسؤولية: مسؤولية القوة التي ارتكبت الجريمة مباشرة، ومسؤولية من أصدر الأوامر أو ساهم في التنفيذ، ومسؤولية الجهات الخارجية التي قدمت الدعم. فإثبات أن قوة مسلحة استخدمت سلاحاً أو معدات وصلت عبر شبكة خارجية لا يكفي وحده لإثبات أن المورد الخارجي كان يعلم أن شحنة بعينها ستستخدم في جريمة محددة. لكنه قد يصبح عنصراً مهماً في تقييم المسؤولية إذا اقترن بأدلة على العلم بطبيعة القوة المستفيدة، واستمرار الدعم رغم ظهور مخاطر جدية، وطبيعة المساعدة ومدى مساهمتها في العمليات العسكرية.
وتتطلب هذه المسائل تحقيقات متخصصة في سلسلة التوريد، وبيانات الاستخدام النهائي، ومراسلات الشركات، وعقود التدريب والتوظيف، والمعلومات التي كانت متاحة للجهات الموردة وقت تقديم الدعم. ويجب ألا يحول غياب حكم قضائي نهائي دون المطالبة بإجراء هذه التحقيقات، كما لا ينبغي أن يحول الاشتباه إلى إدانة تلقائية من دون أدلة كافية.
5.3. تآكل السيادة الوطنية
تتعرض السيادة السودانية للتآكل عندما تعتمد الأطراف المسلحة على مصادر تمويل وتسليح خارجية، أو عندما تتحول أجزاء من الأراضي والموارد والمنافذ التجارية إلى أدوات في صراع إقليمي.
ولا تقتصر السيادة على الاعتراف الدبلوماسي أو السيطرة الرسمية على الحدود؛ فهي تشمل قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن الأمن والاقتصاد والموارد، وإخضاع المؤسسات العسكرية للسلطة المدنية، وضمان أن تخدم العلاقات الخارجية المصلحة العامة.
وفي ظل الحرب، يصبح من الصعب على الحكومة أو المؤسسات الوطنية فرض رقابة فعالة على تجارة الذهب والأسلحة والوقود، كما تتراجع قدرة المجتمع على مساءلة الفاعلين الذين يحصلون على الموارد خارج الموازنة العامة.
ومن ثم، فإن استعادة السيادة السودانية تتطلب إعادة بناء المؤسسات الوطنية، وليس مجرد استبدال حليف خارجي بآخر. فالدولة التي تعتمد على شبكات خارجية غير خاضعة للمساءلة ستظل عرضة للتأثير، حتى لو تغيرت الدول التي تتعامل معها.
5.4. اقتصاد الحرب وتفكيك الاقتصاد الوطني
يؤدي الاعتماد على الذهب والتهريب والتمويل غير الشفاف إلى تحويل الموارد التي كان يمكن استخدامها في التنمية إلى مصادر لتمويل الحرب. وتوضح دراسة سوليمان وبلدو (2025) أن الذهب أصبح أحد أهم مصادر الإيرادات للأطراف المتحاربة، وأن شبكات التجارة العابرة للحدود توفر قنوات للحصول على الوقود والإمدادات والمعدات اللازمة لاستمرار القتال (Soliman and Baldo, 2025).
وتؤدي هذه البنية إلى نشوء حوافز اقتصادية لاستمرار الحرب، إذ يستفيد بعض الوسطاء والتجار والفاعلين المسلحين من ضعف الرقابة وانخفاض القدرة على فرض الضرائب والقواعد القانونية. كما يؤدي انهيار الإنتاج الزراعي والصناعي والخدمات المصرفية إلى زيادة اعتماد السكان على الواردات والمساعدات والتحويلات الخارجية، ما يرفع أهمية القنوات التجارية والمالية التي تتحكم فيها مراكز إقليمية.
وفي هذه الظروف، قد تصبح الدولة أقل قدرة على التفاوض مع المستثمرين والتجار، لأنها تحتاج بصورة عاجلة إلى النقد الأجنبي والوقود والغذاء. ويؤدي استمرار هذا النمط إلى إعادة تشكيل الاقتصاد السوداني حول الأنشطة التي يمكن حمايتها بالسلاح أو تهريبها عبر الحدود، بدلاً من الإنتاج الذي يوفر فرص العمل والإيرادات العامة.
5.5. التبعية التجارية ومخاطر الاعتماد على سوق واحدة
في أكتوبر 2025، أفادت رويترز بأن القيود الفعلية على الرحلات والشحنات بين الإمارات وبورتسودان أثرت بشدة في تجارة الذهب السوداني، وأن العملة السودانية تراجعت من نحو 2,200 جنيه للدولار إلى نحو 3,600 جنيه للدولار في الفترة التي تناولها التقرير. وأشارت الوكالة إلى أن الإمارات كانت تستوعب نحو 90% من صادرات الذهب القانونية السودانية، وأن قيمة هذه الصادرات بلغت نحو 840 مليون دولار في النصف الأول من عام 2025، كما أن اضطراب التجارة أدى إلى زيادة الضغوط على واردات الوقود والقمح والسلع الاستراتيجية (Reuters, 2025b).
وتوضح هذه الواقعة أن العلاقات التجارية مع الإمارات ليست مجرد قضية تتعلق بالذهب، بل تتصل باستقرار النقد الأجنبي وأسعار الصرف والقدرة على استيراد السلع الأساسية. كما تبين أن الاعتماد على سوق واحدة يمكن أن يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية عندما تتدهور العلاقات السياسية أو تتغير شروط التجارة.
لكن هذه البيانات لا تثبت أن كل القيود التجارية كانت جزءاً من خطة سياسية إماراتية لإخضاع السودان، ولا أن جميع تدفقات الذهب غير المشروعة توقفت. فقد أشارت رويترز أيضاً إلى أن بعض الذهب تحول إلى مسارات أخرى عبر مصر، مع استمرار وصول جزء منه في نهاية المطاف إلى الإمارات.
والدرس الاقتصادي هو أن السودان يحتاج إلى تنويع أسواق الذهب، وتطوير التكرير المحلي، وتحسين تتبع المصدر، وتوسيع القدرة التفاوضية للمصدرين، مع تجنب اتخاذ إجراءات متسرعة قد تؤدي إلى انهيار الإيرادات العامة من دون توفير بدائل عملية.
5.6. الأضرار الإنسانية والاجتماعية
أدت الحرب إلى نزوح واسع النطاق، وانهيار الخدمات الصحية، وتعطيل التعليم، وتدمير البنية التحتية، وارتفاع مخاطر المجاعة والعنف الجنسي والانتهاكات ضد المدنيين. وتتحمل الأطراف السودانية المتحاربة المسؤولية المباشرة عن الانتهاكات التي ترتكبها قواتها، فيما تتحمل الجهات الخارجية مسؤولياتها بحسب طبيعة أفعالها ومدى مساهمتها في تسليح الأطراف أو تمكينها من مواصلة القتال.
ولا ينبغي تحويل المدنيين السودانيين إلى أدوات في التنافس الإقليمي، أو التعامل مع معاناتهم باعتبارها تكلفة مقبولة لتحقيق مكاسب استراتيجية. ومن الضروري أيضاً عدم اختزال الأزمة الإنسانية في دور الإمارات وحدها، إذ إن الحرب تشمل أطرافاً سودانية متعددة وشبكات إمداد دولية ومواقف إقليمية متباينة، كما تتأثر بضعف الاستجابة الدولية وقيود وصول المساعدات.
وتشير تقارير الأمم المتحدة لعامي 2025 و2026 إلى أن الأطراف المتحاربة استهدفت المدنيين والبنية التحتية الضرورية للحياة، بما في ذلك المرافق الصحية والأسواق وشبكات الغذاء والمياه ومخيمات النازحين، وأن بعض الانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2025; United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026).
ولا تعني هذه النتائج أن كل دولة أو شركة ساهمت في استمرار الحرب تتحمل تلقائياً المسؤولية الجنائية عن جميع الجرائم التي ارتكبتها الأطراف السودانية. لكن استمرار الإمدادات العسكرية في ظل أدلة متزايدة على الانتهاكات يفرض واجباً سياسياً وقانونياً للتحقق من المخاطر، ومراجعة تراخيص التصدير، ووقف الدعم الذي يمكن أن يسهم في ارتكاب انتهاكات جسيمة.
5.7. تعقيد الانتقال المدني وإعادة بناء الدولة
يؤدي استمرار الحرب إلى إضعاف القوى المدنية، وتفكيك النقابات والمنظمات المهنية، وإرهاق لجان المقاومة وغرف الطوارئ، وتقليص المجال العام الذي يمكن أن تتشكل فيه قيادة مدنية مستقلة. كما أن اعتماد الأطراف المسلحة على دعم خارجي قد يجعلها أقل استعداداً لقبول تسوية تفرض عليها التخلي عن الموارد الاقتصادية أو الخضوع للمساءلة.
وفي المقابل، لا ينبغي افتراض أن كل دعم خارجي موجه بالضرورة ضد الانتقال المدني، أو أن جميع القوى المدنية تمتلك الموقف نفسه من العلاقات الخارجية. فالقوى المدنية السودانية متعددة، وتختلف رؤاها بشأن الحرب والتفاوض والعلاقة بالمؤسسات العسكرية.
لكن المعيار الأساسي يجب أن يكون مدى احترام أي طرف خارجي لحق السودانيين في تقرير مستقبلهم السياسي دون إكراه أو هيمنة مسلحة. ولا يمكن بناء انتقال مدني مستدام إذا ظلت مراكز القوة العسكرية تمتلك موارد مستقلة وشبكات تمويل وتسليح خارجية، أو إذا أصبحت التسوية السياسية رهينة تفاهمات غير معلنة بين قادة مسلحين ورعاة إقليميين.
الفصل السادس: الموقف الإماراتي الرسمي والدعوى أمام محكمة العدل الدولية وحدود الاستنتاج القانوني
6.1. النفي الإماراتي الرسمي والمساعدات الإنسانية
تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري أو لوجستي أو مالي لأي طرف في الحرب السودانية، وتؤكد أن أنشطتها في تشاد ذات طابع إنساني، وأنها تدعم وقف الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية. كما أعلنت وزارة الخارجية الإماراتية في مايو 2025 رفضها قرار سلطات بورتسودان قطع العلاقات الدبلوماسية، ووصفت الاتهامات الموجهة إليها بأنها غير صحيحة، وأكدت دعمها قيام حكومة مدنية مستقلة عن السيطرة العسكرية (وزارة الخارجية الإماراتية، 2025).
ويجب تسجيل هذا الموقف ضمن التقييم العلمي، لكنه لا يحسم القضية من الناحية الواقعية. فالنفي الرسمي موقف لطرف معني بالنزاع، ويجب اختباره في ضوء الأدلة المستقلة، كما ينبغي أن تتاح للجهة المتهمة فرصة تقديم سجلات الشحن والتصدير والرحلات والجهات المستفيدة.
والاختبار الأكثر موثوقية هو مقارنة البيانات الإماراتية ببيانات الدول المصدرة للأسلحة، وسجلات شركات النقل، وصور الأقمار الصناعية، وأرقام المعدات والذخائر التي عثر عليها في السودان.
كما أن وجود مساعدات إنسانية حقيقية لا يتناقض منطقياً مع احتمال وجود أنشطة أخرى مثار جدل، كما أن الاتهامات المتعلقة بالإمدادات العسكرية لا تبرر تجاهل المساعدات التي تصل فعلياً إلى المدنيين. ولا يمكن اعتبار تقديم المساعدات دليلاً على انتفاء المسؤولية عن أي دعم عسكري قد يثبت بصورة مستقلة.
ويقتضي التقييم الموضوعي إخضاع المساعدات لآليات تحقق مستقلة، بما يشمل تحديد الكميات والجهات المستفيدة ومسارات النقل، والفصل بين القنوات الإنسانية والقنوات التجارية والعسكرية. ويمكن أن يؤدي إنشاء آلية دولية موحدة لتسجيل الرحلات والشحنات المتجهة إلى المناطق الحدودية السودانية إلى تقليل الالتباس، وحماية العمل الإنساني من الاستغلال السياسي والعسكري.
6.2. دعوى السودان أمام محكمة العدل الدولية في مارس ومايو 2025
في مارس 2025، رفعت السودان دعوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية، متهمة إياها بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، بسبب ما وصفته بدعم قوات الدعم السريع في سياق الفظائع المرتكبة ضد جماعة المساليت وغيرها في دارفور. وطلب السودان تدابير مؤقتة، بينما رفضت الإمارات الاتهامات وطعنت في اختصاص المحكمة.
وفي 5 مايو 2025، رفضت المحكمة طلب السودان اتخاذ التدابير المؤقتة، وأمرت بشطب القضية من جدولها، بسبب افتقارها إلى الاختصاص في ظل التحفظ الإماراتي ذي الصلة بالمادة التاسعة من اتفاقية الإبادة الجماعية (International Court of Justice, 2025).
وتتطلب هذه النتيجة تفسيراً قانونياً دقيقاً. فالمحكمة لم تصدر حكماً موضوعياً يقرر أن الإمارات لم تقدم دعماً لقوات الدعم السريع، ولم تفصل في صحة جميع الوقائع المتعلقة بالأسلحة أو الانتهاكات. وإنما انتهت إلى أنها لا تملك الاختصاص اللازم للنظر في الدعوى وفق الأساس القانوني الذي قدمه السودان.
ومن ثم، فإن استخدام قرار المحكمة لإثبات براءة الإمارات من جميع الاتهامات تجاوز لما قررته المحكمة فعلياً. وبالمثل، لا يجوز الادعاء بأن المحكمة أثبتت مسؤولية الإمارات عن الإبادة الجماعية، لأنها لم تفصل في موضوع الدعوى.
وتظل مسألة المسؤولية القانونية عن نقل الأسلحة، وانتهاك حظر السلاح، والمساعدة في ارتكاب انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، خاضعة لتقييم الأدلة والقواعد القانونية المختصة، بحسب الوقائع والاختصاص المتاح لكل جهة قضائية أو دولية. ويجب أيضاً التمييز بين المسؤولية الدولية للدولة، والمسؤولية الجنائية الفردية، والمسؤولية السياسية والأخلاقية. فلكل منها شروط إثبات مختلفة.
6.3. من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية الدولية والجنائية
لا تتطابق المسؤولية السياسية مع المسؤولية الدولية للدولة، ولا تتطابق أي منهما تلقائياً مع المسؤولية الجنائية الفردية. فقد تتعرض دولة لانتقادات سياسية بسبب علاقاتها مع طرف مسلح، بينما تتطلب المسؤولية الدولية إثبات فعل منسوب إليها يشكل خرقاً لالتزام دولي. أما المسؤولية الجنائية الفردية فتتطلب إثبات عناصر الجريمة ومساهمة الشخص المعني فيها وفق المعايير القانونية ذات الصلة.
وفي مجال نقل الأسلحة، ينبغي فحص مدى الالتزام بحظر السلاح المفروض على دارفور، والتراخيص الوطنية، والتزامات الدول المصدرة والمستوردة، وقواعد العناية الواجبة، وما إذا كانت هناك أدلة على إعادة تصدير معدات عسكرية من دون تصريح أو مع العلم بوجهتها النهائية.
كما يجب التمييز بين انتهاك حظر السلاح وبين المساعدة في ارتكاب جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية. فكل توصيف يتطلب عناصر قانونية وأدلة مختلفة، ولا يكفي إثبات أحدها لإثبات الآخر تلقائياً.
وتتيح الأدلة المتعلقة بالشركات المسجلة في الإمارات، والذخائر المعاد تصديرها، والمقاتلين الأجانب، ومسارات النقل، فتح تحقيقات متخصصة في مسؤولية الأفراد والكيانات المعنية. لكن يجب أن تستند أي إدانة نهائية إلى أدلة قابلة للفحص وإجراءات عادلة، لا إلى الاستنتاج السياسي وحده.
الفصل السابع: النظريات العلمية التي تفسر النفوذ الإماراتي واقتصاد الحرب وشبكات الوكالة
7.1. نظرية الدولة الريعية وتدويل الموارد
تساعد نظرية الدولة الريعية على تفسير العلاقة بين الموارد الطبيعية والسلطة السياسية، خاصة عندما تتيح الإيرادات الناتجة عن الموارد للجهات المسيطرة تمويل مؤسساتها خارج نظام الضرائب والموازنة العامة. وفي السودان، أدى تداخل المؤسسات العسكرية مع قطاعات التعدين والتجارة والتمويل إلى إنشاء شبكات اقتصادية تمنح الفاعلين المسلحين استقلالاً نسبياً عن الدولة المدنية.
وتوضح دراسة سوليمان وبلدو (2025) أن الذهب أصبح مورداً مالياً أساسياً للأطراف المتحاربة، وأن السيطرة على استخراجه وتسويقه وتهريبه ترتبط مباشرة بالقدرة على مواصلة الحرب. ويمكن استخدام هذا الإطار لفهم كيفية استفادة الجهات الخارجية من شبكات الموارد، لكنه لا يثبت وحده أن كل علاقة تجارية تشكل تدخلاً سياسياً.
7.2. نظرية الأمننة وتبرير التدخل
تفسر نظرية الأمننة كيف تتحول قضايا اقتصادية أو سياسية إلى مسائل أمن قومي، بما يسمح بتبرير إجراءات استثنائية. فقد تبرر دولة ما اهتمامها بالسودان باعتبارات الأمن الغذائي أو حماية الممرات البحرية أو مكافحة الإرهاب أو مواجهة الإسلام السياسي.
وقد تكون هذه المخاوف حقيقية، لكنها قد تُستخدم أيضاً لتبرير تدخلات تتجاوز الحدود القانونية إذا غابت الرقابة والمساءلة. ومن ثم، ينبغي تقييم مدى التناسب بين التهديد المعلن والأداة المستخدمة، وما إذا كان بالإمكان تحقيق الهدف عبر التعاون الاقتصادي والدبلوماسي بدلاً من دعم أطراف مسلحة.
7.3. الاعتماد المتبادل غير المتكافئ
لا تعني العلاقات الاقتصادية بين السودان والإمارات أن الطرفين يمتلكان القدرة نفسها على التأثير في شروط التبادل. فالإمارات تمتلك بنية مالية وتجارية عالمية، فيما يعتمد السودان على صادرات محدودة وأسواق خارجية ومصادر تمويل أجنبية، خاصة في ظل الحرب.
ويمنح هذا الاختلال الطرف الأقوى قدرة أكبر على تحديد شروط التجارة والتمويل، بينما يواجه الطرف الأضعف صعوبة في تنويع الخيارات. لكن الاعتماد المتبادل لا يعني أن السودان عاجز تماماً عن المناورة. فتنويع الأسواق، وإصلاح القطاع المصرفي، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، وتحسين الشفافية، يمكن أن تقلل من عدم التكافؤ.
7.4. الاقتصاد السياسي للحرب
يركز هذا الإطار على المصالح المادية التي تجعل استمرار الحرب ممكناً أو مربحاً لبعض الفاعلين. فالحرب لا تستمر بالأسلحة وحدها، بل تحتاج إلى الوقود والغذاء والتمويل والنقل وشبكات التهريب والأسواق التي تستوعب الموارد المنهوبة أو المتداولة بصورة غير قانونية.
وتوضح حالة الذهب السوداني أن الموارد الطبيعية يمكن أن تتحول إلى مصادر تمويل للعمليات العسكرية، وأن شبكات التجارة قد تستمر حتى عندما تتعطل المؤسسات الرسمية. ويتيح هذا الإطار تفسير سبب عدم كفاية اتفاق وقف إطلاق النار وحده إذا لم يتضمن ترتيبات لوقف الإمدادات العسكرية غير المشروعة ومراقبة الموارد الاقتصادية للأطراف المتحاربة.
7.5. نظرية الوكالة وحدود السيطرة الخارجية
يمكن استخدام نظرية الوكالة لتحليل العلاقة بين الداعم الخارجي والفاعل المحلي. فالدولة التي تقدم الدعم إلى قوة مسلحة قد تسعى إلى التأثير في قراراتها، لكنها لا تضمن بالضرورة السيطرة الكاملة عليها. وقد يمتلك الطرف المحلي معلومات ومصالح وقدرات مستقلة تسمح له باتخاذ قرارات لا تتطابق تماماً مع رغبات داعمه.
ويفيد هذا الإطار في تجنب المبالغة في تصوير قوات الدعم السريع باعتبارها مجرد أداة خارجية، كما يساعد على فهم كيف يمكن للدعم الخارجي أن يغير ميزان القوة دون أن يلغي المسؤولية المستقلة للفاعلين السودانيين.
وتعني هذه النظريات مجتمعة أن تفسير السياسة الإماراتية لا ينبغي أن يقتصر على سؤال النوايا، بل يجب أن يدرس البنية الاقتصادية، وشبكات العلاقات، وتدفقات الموارد، والنتائج العسكرية والسياسية. فالدليل على وجود شبكة دعم لا يكشف وحده جميع أهدافها، لكنه يتيح تقييم آثارها العملية ومدى توافقها مع القانون الدولي والمصلحة الوطنية السودانية.
الفصل الثامن: الأساطير والشائعات والمعلومات المضللة حول الدور الإماراتي
8.1. الادعاء بأن الأدلة على الدعم الإماراتي معدومة
هذا الادعاء غير صحيح. فقد خلص فريق الخبراء الأممي في عام 2024 إلى أن الاتهامات المتعلقة بالدعم الإماراتي عبر أم جرس كانت ذات مصداقية، كما نشرت منظمة العفو الدولية في عام 2025 نتائج تحقيقات بشأن أسلحة يرجح أنها أعيد تصديرها عبر الإمارات. ثم جاء تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية في سبتمبر 2026 ليقدم أدلة أوسع على دور كيانات وشبكات مرتبطة بالإمارات في تجنيد المقاتلين ونقلهم وتمويلهم وتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع (United Nations Security Council, 2024; Amnesty International, 2025; United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan, 2026).
لكن الاعتراف بوجود أدلة لا يعني أن جميع تفاصيل القضية حُسمت، أو أن كل اتهام متداول صحيح. فالتقييم العلمي يتطلب التمييز بين الأدلة المستقلة والادعاءات الحزبية، وبين القرائن القوية والأحكام القضائية النهائية.
8.2. الادعاء بأن محكمة العدل الدولية برأت الإمارات نهائياً
هذا الادعاء غير صحيح قانونياً. فقد رفضت المحكمة طلب التدابير المؤقتة وشطبت القضية بسبب عدم اختصاصها، في ضوء التحفظ الإماراتي على الاختصاص ذي الصلة باتفاقية الإبادة الجماعية. ولم يصدر عن المحكمة حكم موضوعي يثبت صحة أو بطلان جميع الوقائع التي قدمها السودان بشأن الدعم العسكري أو الجرائم المرتكبة في دارفور (International Court of Justice, 2025).
8.3. الادعاء بأن كل الذهب السوداني الذي يصل إلى الإمارات مسروق أو مهرب
هذا تعميم غير مدعوم. فبيانات التجارة تشمل صادرات رسمية، كما توجد مؤشرات إلى تدفقات غير رسمية وعمليات تهريب. ولا تسمح البيانات الإجمالية وحدها بتصنيف كل شحنة بحسب مصدرها القانوني.
لكن ضعف التتبع والرقابة، وارتباط بعض شبكات الذهب بأطراف مسلحة، يجعلان فرضية تسرب الذهب غير المشروع إلى الأسواق الدولية خطراً حقيقياً يتطلب المعالجة. وتبين العقوبات الأمريكية على شركات محددة أن بعض شبكات التمويل والذهب تستحق التحقيق، لكنها لا تبرر تصنيف جميع الشركات الإماراتية أو كل تجارة الذهب باعتبارها غير مشروعة.
8.4. الادعاء بأن الإمارات أنشأت قوات الدعم السريع وتتحكم فيها بالكامل
لا تتوافر أدلة كافية لإثبات هذا الادعاء بصيغته المطلقة. فقد نشأت قوات الدعم السريع داخل السياق السوداني، وتطورت من تشكيلات مرتبطة بحرب دارفور وسياسات نظام البشير، ثم اكتسبت موارد اقتصادية وعسكرية وشبكات علاقات خاصة بها.
وقد تكون العلاقات الخارجية قد أسهمت في تعزيز قدراتها، لكن ذلك لا يثبت أن أبوظبي أنشأتها أو تتحكم في جميع قراراتها. فالقوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والقيادات السياسية والاقتصادية المحلية تمتلك مصالحها ومسؤولياتها الخاصة.
8.5. الادعاء بأن كل الإماراتيين يؤيدون الحرب أو يستفيدون منها
هذا ادعاء لا أساس له. فسياسات الحكومات لا تعبر بالضرورة عن مواقف جميع المواطنين، كما أن المصالح التجارية تختلف بين الشركات والأفراد. ومن الخطأ تحميل المواطنين الإماراتيين مسؤولية جماعية عن سياسات حكومتهم، تماماً كما أنه من الخطأ تحميل السودانيين مسؤولية جماعية عن قرارات الأطراف المسلحة.
8.6. الادعاء بأن المساعدات الإنسانية الإماراتية تنفي احتمال الدعم العسكري
لا يوجد تعارض منطقي لازم بين وجود مساعدات إنسانية وبين احتمال وجود عمليات أخرى غير مشروعة. ويجب تقييم كل نشاط على حدة، استناداً إلى بيانات الشحن والجهات المستفيدة والرقابة المستقلة.
وفي المقابل، فإن وجود اتهامات بالدعم العسكري لا يبرر إنكار المساعدات الإنسانية التي يمكن التحقق من وصولها إلى المدنيين.
8.7. الادعاء بأن الحرب السودانية مجرد حرب بالوكالة بين الإمارات ومصر
هذا التفسير اختزالي. فمصر والإمارات تؤثران في الصراع، لكن الحرب نشأت من تناقضات سودانية داخلية تتعلق بالسلطة والجيش والموارد ومستقبل الانتقال السياسي. كما أن القوى الخارجية ليست كتلة واحدة، وقد تختلف مصالحها وأولوياتها.
وتؤكد دراسة سوليمان وبلدو (2025) أن الحرب تتشكل من شبكة معقدة من العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية، وليس من مواجهة ثنائية بسيطة.
8.8. الادعاء بأن قطع العلاقات الدبلوماسية ينهي النفوذ الإماراتي في السودان
لا يؤدي قطع العلاقات الدبلوماسية بالضرورة إلى توقف التجارة أو التحويلات المالية أو شبكات التوريد أو التهريب. وتوضح بيانات تجارة الذهب استمرار العلاقات الاقتصادية بين السودان والإمارات رغم التوتر السياسي. ومن ثم، فإن معالجة النفوذ الاقتصادي تتطلب إصلاح المؤسسات الوطنية، وتنويع الأسواق، وتحسين الرقابة على الموارد، وليس الاكتفاء بالإجراءات الدبلوماسية.
8.9. منهجية التحقق من المعلومات المتداولة
يمكن اعتماد مجموعة من القواعد المنهجية لتقليل التضليل. أولاً، إعطاء الأولوية للتقارير الأممية والتحقيقات التقنية المستقلة والبيانات الرسمية القابلة للمقارنة. ثانياً، التمييز بين الخبر والتحليل والرأي، وعدم تقديم استنتاجات الباحث باعتبارها وقائع مثبتة. ثالثاً، فحص تاريخ النشر والسياق، لأن إعادة تداول تقرير قديم بوصفه خبراً جديداً يمكن أن تنتج انطباعات مضللة.
رابعاً، التحقق من الصور ومقاطع الفيديو جغرافياً وزمنياً، وفحص علامات الأسلحة والأرقام التسلسلية عند توافرها. خامساً، مقارنة بيانات الدول المصدرة للأسلحة ببيانات الاستيراد وسجلات الشركات والنقل، وعدم الاكتفاء بتصريحات الأطراف المتحاربة. سادساً، عدم استنتاج النوايا السياسية من مجرد وجود علاقة تجارية أو دبلوماسية، بل تقييم السلوك المتكرر والنتائج والمصالح والوثائق. سابعاً، عدم استخدام غياب الحكم القضائي النهائي دليلاً على عدم وجود أدلة، أو استخدام وجود أدلة أولية لإعلان مسؤولية جنائية نهائية.
الفصل التاسع: الفرص والتحديات أمام العلاقات السودانية الإماراتية والخيارات المتاحة للسودان
9.1. الفرص الاقتصادية وشروط تحويلها إلى تنمية وطنية
يمكن للعلاقات الاقتصادية مع الإمارات أن تسهم في إعادة بناء السودان إذا أعيد تنظيمها على أسس شفافة وعادلة. وتشمل الفرص المحتملة تطوير الزراعة والصناعات الغذائية، وتحسين تخزين المنتجات ونقلها، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، وإعادة تأهيل المنشآت الصحية، والاستثمار في الطاقة المتجددة والمياه، وتطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالذهب والمعادن.
كما يمكن للإمارات، بحكم موقعها في التجارة العالمية، أن تساعد في توسيع وصول المنتجات السودانية إلى الأسواق الدولية. لكن تحقيق هذه الفرص يتطلب عقوداً واضحة، وشفافية في ملكية الشركات، وآليات مستقلة لتسوية النزاعات، وضمانات لحماية حقوق العمال والمزارعين والمجتمعات المحلية.
ولا ينبغي رفض الاستثمار الأجنبي لمجرد أنه يأتي من دولة ذات مصالح استراتيجية في السودان. بل يجب تقييم كل مشروع بحسب شروطه، وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، ومدى توافقه مع السيادة الوطنية. وفي المقابل، لا ينبغي استخدام الحاجة إلى الاستثمار لتبرير عقود غير شفافة أو امتيازات طويلة الأمد تضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها.
9.2. التحديات السياسية والأمنية وإعادة بناء الثقة
تتمثل أبرز التحديات في استمرار الحرب، وتعدد مراكز السلطة، وضعف الرقابة على الحدود، وتفكك المؤسسات العامة، وغياب الثقة بين الأطراف السودانية والقوى الإقليمية.
كما أن الاتهامات المتعلقة بتسليح قوات الدعم السريع ألحقت ضرراً عميقاً بالعلاقات السياسية بين السودان والإمارات، وأثارت تساؤلات حول مدى توافق المصالح التجارية مع التزامات الدول بموجب القانون الدولي.
ولا يمكن تجاوز هذه الأزمة بمجرد إصدار بيانات دبلوماسية تؤكد الرغبة في السلام. بل يتطلب الأمر تعاوناً عملياً للتحقق من مسارات السلاح، ووقف أي نقل غير مشروع، ودعم آليات مستقلة لحماية المدنيين.
وتحتاج إعادة بناء الثقة إلى إجراءات قابلة للتحقق، تشمل نشر بيانات المساعدات الإنسانية، والتعاون مع التحقيقات الدولية، والكشف عن سجلات الشحن ذات الصلة عند طلبها بصورة قانونية، وضمان عدم استخدام المؤسسات التجارية غطاءً لنقل الأسلحة.
كما يتعين على السلطات السودانية المستقبلية وضع قواعد واضحة للتعامل مع المستثمرين الأجانب، ومنع احتكار الموارد الاستراتيجية، وإخضاع الشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية للرقابة المالية. ويمكن أن تصبح العلاقات الاقتصادية أكثر استدامة إذا انتقلت من ترتيبات تقوم على التعامل مع مراكز القوة المسلحة إلى علاقات مؤسسية مع دولة مدنية تخضع للمساءلة.
9.3. السيناريوهات المستقبلية للعلاقة الإماراتية السودانية
يمكن تصور أربعة سيناريوهات رئيسية، مع التأكيد أن هذه السيناريوهات أدوات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة.
في السيناريو الأول، يستمر اقتصاد الحرب، وتبقى شبكات الذهب والتهريب والإمدادات العسكرية عاملة، بينما تتراجع قدرة الدولة السودانية على فرض الرقابة على الموارد والحدود. وتظل العلاقات الخارجية مع الأطراف المسلحة مصدراً للتمويل والإمدادات، ويستمر الاقتصاد السوداني في التفتت إلى مناطق نفوذ متنافسة. ويؤدي هذا المسار إلى زيادة الكلفة الإنسانية، وتعميق الاعتماد على الخارج، وتقليص فرص إعادة بناء مؤسسات وطنية مستقلة.
وفي السيناريو الثاني، تتوصل الأطراف إلى وقف إطلاق نار أو تسوية جزئية، لكن دون إصلاح شامل للمؤسسات العسكرية والاقتصادية. وقد يسمح ذلك باستئناف بعض الاستثمارات والتجارة، إلا أن شبكات اقتصاد الحرب قد تستمر في العمل تحت أشكال جديدة. ويظل هذا السيناريو هشاً ما لم يتضمن آليات للتحقق من وقف الإمدادات العسكرية، وإدارة الموارد العامة، وإخضاع المؤسسات المسلحة للرقابة.
أما السيناريو الثالث، فيقوم على وقف الحرب وتأسيس سلطة مدنية مستقلة وإعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والعسكرية وإخضاع الاقتصاد العسكري للرقابة العامة. وفي ظل هذا المسار، يمكن أن تستمر العلاقات مع الإمارات في إطار تعاقدي شفاف، يضمن حماية الاستثمارات المشروعة، ويمنع استخدام الموارد السودانية لتمويل النزاعات. كما يمكن تطوير التعاون في الزراعة والموانئ والطاقة والصحة والتعليم، بما يحقق منافع متبادلة بدلاً من الاعتماد على العلاقات الشخصية أو ترتيبات القوة المسلحة.
ويتمثل السيناريو الرابع في التوصل إلى تفاهم إقليمي منظم يمنع تسليح الأطراف المتحاربة، ويدعم وقف إطلاق النار، ويتيح وصول المساعدات، ويضع إطاراً لإعادة الإعمار. ويتطلب ذلك إدراكاً بأن انهيار السودان لا يخدم الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل، وأن استمرار الحرب قد ينتج تدفقات لاجئين أوسع، وشبكات تهريب أكثر تعقيداً، ومخاطر أمنية واقتصادية تمتد إلى دول الجوار. لكن نجاح هذا السيناريو يعتمد على وجود آليات تحقق وعقوبات ومراقبة مستقلة، وليس على البيانات السياسية وحدها.
الفصل العاشر: آليات عملية للمحاسبة ووقف الإمدادات وإصلاح الاقتصاد العسكري واستعادة السيادة السودانية
10.1. إنشاء نظام وطني لتتبع الذهب ومكافحة تمويل الحرب
ينبغي إنشاء نظام رقمي مستقل لتتبع الذهب منذ موقع الاستخراج وحتى التصدير والتكرير، يشمل بيانات المنتجين والتجار والوسطاء وشركات النقل والمصدر النهائي. ويجب ربط النظام بمتطلبات العناية الواجبة ومكافحة غسل الأموال وتمويل النزاعات، مع تطبيق عقوبات على الشركات التي تخفي المصدر أو تتعامل مع أطراف مسلحة خارج الإطار القانوني.
كما ينبغي التعاون مع مراكز تجارة الذهب الدولية، بما فيها الإمارات، لتطوير آليات تضمن التحقق من المصدر، ونشر بيانات سنوية عن الواردات السودانية بحسب الكميات والقيمة ومناطق المنشأ. ويمكن أن تشمل هذه الآليات التحقق المستقل من سلسلة الحيازة، وتسجيل المالك المستفيد للشركات، ومراجعة المعاملات الكبيرة، وتبادل البيانات بين السلطات الجمركية والمصارف والجهات الرقابية.
ويجب ألا تقتصر مكافحة التهريب على مصادرة الشحنات، بل ينبغي أن تشمل تفكيك الشبكات التي تمول الاستخراج والنقل والتصدير، ومراجعة التراخيص، وتحديد الجهات التي تستفيد من الأرباح. كما ينبغي حماية العاملين في التعدين الأهلي وصغار المنتجين من أن يتحولوا إلى الحلقة الأضعف في منظومة تسيطر عليها شبكات مسلحة وتجار كبار.
10.2. إصلاح الاقتصاد العسكري وإخضاع الشركات المرتبطة بالقوات المسلحة للرقابة
يتطلب منع استخدام الموارد العامة والخاصة لتمويل الحروب إخضاع الشركات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية والأمنية لرقابة مالية مستقلة. ويشمل ذلك نشر الحسابات، وتحديد الملكية الفعلية للشركات، وإدراج الإيرادات والمصروفات في الموازنة العامة، ومنع استخدام المؤسسات العسكرية في الأنشطة التجارية التي تتعارض مع مهامها المهنية.
كما يجب إنشاء آلية وطنية لاسترداد الأصول المنهوبة، بالتعاون مع المؤسسات الدولية، وضمان أن تعود الأموال المستردة إلى الخدمات العامة وإعادة الإعمار. ويقتضي ذلك أيضاً مراجعة العقود التي أبرمتها المؤسسات العسكرية والأمنية مع الشركات الأجنبية، والتحقق من الالتزامات المالية والامتيازات والضمانات التي قد تقيد خيارات الدولة المستقبلية.
ولا يمكن بناء دولة مدنية مستقرة إذا ظلت المؤسسات المسلحة تمتلك مصادر تمويل مستقلة تسمح لها بمقاومة القرارات الحكومية. ولذلك يجب أن تكون إعادة تنظيم الاقتصاد العسكري جزءاً أساسياً من التسوية السياسية، لا قضية مؤجلة إلى ما بعد انتهاء الحرب.
10.3. تطوير إطار قانوني للاستثمار الأجنبي
ينبغي أن يخضع الاستثمار في الأراضي والموانئ والمعادن والمياه والطاقة لمعايير وطنية موحدة، تشمل الشفافية والمنافسة العادلة وحماية المجتمعات المحلية. ويجب نشر العقود والامتيازات الأساسية، وتحديد مدة التعاقد، وحقوق الدولة في المراجعة والإنهاء، وآليات التعويض وتسوية النزاعات.
كما ينبغي منع تضارب المصالح، وإلزام الشركات بالإفصاح عن المالكين المستفيدين، وإجراء تقييمات مستقلة للأثر الاجتماعي والبيئي للمشروعات الكبرى. وينبغي ألا تمنح الشركات الأجنبية امتيازات حصرية غير مبررة، أو حقوقاً تتعارض مع الأمن الغذائي وحقوق المزارعين والرعاة والمجتمعات المحلية.
وفي حالة الموانئ، يجب أن تتضمن العقود شروطاً واضحة بشأن ملكية الأصول، ونسب الإيرادات، والعمالة المحلية، ونقل التكنولوجيا، والالتزامات البيئية، والرقابة العامة. كما ينبغي منع دمج الوظائف التجارية واللوجستية مع ترتيبات عسكرية غير معلنة.
10.4. إنشاء آلية إقليمية لمراقبة تدفقات السلاح والمقاتلين
يمكن إنشاء آلية إقليمية تضم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية والدول المجاورة، لمراقبة تدفقات السلاح والوقود والمعدات إلى السودان. وتشمل مهامها تسجيل الرحلات الجوية ذات الصلة، وتبادل بيانات الشحن، والتحقق من الوجهات النهائية للمعدات العسكرية، ومراقبة مسارات التهريب البرية والبحرية.
ويجب أن تكون الآلية مستقلة وقابلة للمساءلة، وأن تعتمد معايير موحدة للتحقق من المعلومات، مع حماية البيانات الإنسانية وعدم تعطيل المساعدات المشروعة. كما ينبغي أن تشمل التحقيق في شبكات التجنيد والتدريب والنقل، وألا تقتصر على الشحنات العسكرية التقليدية.
ويجب أن تتضمن آلية المراقبة إجراءات واضحة لتوثيق الأدلة وحفظها، وإتاحة المعلومات للجهات القضائية المختصة، وحماية الشهود والمبلغين، وتحديد المسؤوليات بحسب الأدلة المتاحة. ويمكن الاستفادة من الأرقام التسلسلية للأسلحة، وسجلات التراخيص، وبيانات الرحلات، وصور الأقمار الصناعية، والسجلات المصرفية، والعقود التجارية، لبناء صورة متكاملة عن شبكات الإمداد.
10.5. تطوير دبلوماسية سودانية مستقلة ومتوازنة
تحتاج الدولة السودانية إلى سياسة خارجية تستند إلى المصالح الوطنية طويلة الأجل، وليس إلى التحالفات الشخصية أو التنافس بين المؤسسات المسلحة. ويشمل ذلك تنويع العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، وعدم الاعتماد على سوق واحدة لتصدير الموارد الاستراتيجية، وبناء شراكات متوازنة مع دول الخليج وإفريقيا وأوروبا وآسيا.
كما يجب الفصل بين العلاقات التجارية والعلاقات الأمنية، ومنع أي اتفاقات عسكرية أو اقتصادية سرية تتعارض مع السيادة الوطنية أو تخضع الموارد العامة لمصالح فئوية. وينبغي أن تخضع الاتفاقات الاستراتيجية لمراجعة المؤسسات التشريعية والرقابية، وأن تكون قابلة للتدقيق العام.
ولا يعني ذلك تبني سياسة عدائية تجاه الإمارات أو أي دولة أخرى، بل بناء علاقة متوازنة لا تسمح لأي طرف خارجي بامتلاك نفوذ غير متناسب على موارد السودان أو قراراته الأمنية. فالدولة التي تنوع أسواقها وتطور مؤسساتها الرقابية وتخضع القوات المسلحة للسلطة المدنية تكون أقدر على التفاوض وحماية مصالحها.
10.6. ربط إعادة الإعمار بالعدالة والمساءلة
لا يمكن بناء سلام مستدام إذا تحولت إعادة الإعمار إلى فرصة جديدة لتوزيع الامتيازات بين الأطراف المسلحة أو الشركات المرتبطة بها. ويجب أن تستند مشروعات إعادة الإعمار إلى احتياجات السكان، وأن تتضمن آليات للرقابة المجتمعية، وتدقيقاً مستقلاً للإنفاق، وقواعد تمنع تضارب المصالح.
كما ينبغي ربط أي تعاون اقتصادي طويل الأجل بالتزامات واضحة تتعلق بحقوق الإنسان، وحماية المدنيين، واحترام القانون الدولي، وعدم تمويل الأطراف المتورطة في الانتهاكات. ويمكن أن تشمل العقود بنوداً تتيح تعليق التمويل أو إنهاء الامتيازات عند ثبوت استخدام الموارد في انتهاكات جسيمة، مع توفير آليات مستقلة للتحقيق والتظلم.
ويجب ألا تكون المساءلة أداة انتقام سياسي أو عقاب جماعي، بل عملية قانونية تستند إلى أدلة قابلة للتحقق، وتستهدف الأفراد والكيانات التي ثبتت مسؤوليتها. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام تعقيد الإثبات ذريعة لتأجيل التحقيقات أو تعطيل التعاون الدولي.
الفصل الحادي عشر: الخلاصة النقدية؛ ما الذي تثبته الأدلة عن الإمارات، وما الذي لا يجوز الجزم به؟
تشير الأدلة التاريخية والاقتصادية والأمنية إلى أن المصالح الإماراتية في السودان متعددة، وتشمل الوصول إلى الذهب، وتأمين الموارد الزراعية والغذائية، وتطوير الموانئ وشبكات النقل، وتعزيز النفوذ في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، والحد من نفوذ خصوم إقليميين، والحفاظ على علاقات مؤثرة مع مراكز القوة السودانية. وتفسر هذه المصالح جانباً مهماً من اهتمام أبوظبي بالسودان، لكنها لا تثبت أن جميع التحركات الإماراتية تخضع لخطة واحدة، أو أن كل استثمار إماراتي يهدف إلى السيطرة السياسية، أو أن كل التطورات السودانية ناتجة عن تدخل خارجي.
أما في ما يتعلق بالحرب الحالية، فإن الأدلة المتاحة أكثر تحديداً وتراكمًا. فقد خلص فريق الخبراء الأممي في عام 2024 إلى أن الاتهامات المتعلقة بالدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع عبر أم جرس كانت ذات مصداقية. وكشفت تحقيقات مستقلة لاحقة عن أسلحة يرجح أنها أعيد تصديرها عبر الإمارات، وذخائر مرتبطة بشحنات سابقة، ومسارات نقل جوي أثارت تساؤلات دولية جدية. ثم أضافت العقوبات الأمريكية في يناير 2025 أسماء شركات مسجلة في الإمارات قالت وزارة الخزانة إنها قدمت أموالاً ومعدات عسكرية لقوات الدعم السريع، وربطت شركات أخرى بشراء الذهب ونقله إلى دبي وبشبكات مالية مرتبطة بمسؤولي المشتريات في القوات.
وفي مايو 2026، نشرت هيومن رايتس ووتش تحقيقاً بشأن تجنيد متعاقدين عسكريين كولومبيين ونقلهم عبر منشآت مرتبطة بالإمارات إلى السودان. وفي سبتمبر 2026، خلصت بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن كيانات ووسطاء وشبكات تجنيد مرتبطة بالإمارات شاركوا في شبكة عابرة للحدود وفرت أفراداً وتدريباً وأسلحة ودعماً لوجستياً لقوات الدعم السريع. وبذلك، لم تعد القضية مقتصرة على الاشتباه في رحلات جوية أو على العثور على أسلحة ذات منشأ أجنبي، بل أصبحت تشمل أدلة وتقارير عن شبكات تجنيد وتمويل ونقل ودعم عسكري.
وتنفي الإمارات تقديم دعم عسكري لأي طرف، وتؤكد أن نشاطها في تشاد إنساني. ولم تصدر محكمة العدل الدولية حكماً موضوعياً نهائياً بشأن الاتهامات السودانية الموجهة إليها، إذ شطبت القضية في مايو 2025 بسبب عدم اختصاصها. وبالتالي، فإن التقييم الأكثر اتزاناً لا يساوي بين الأدلة المستقلة والنفي الرسمي، ولا يحول في الوقت نفسه القرائن المتاحة إلى أحكام قضائية لم تصدر.
وتكشف الحالة السودانية عن مشكلة أعمق من العلاقة الثنائية بين الخرطوم وأبوظبي: وهي أن ضعف مؤسسات الدولة، واستقلال الاقتصاد العسكري، وغياب الشفافية في تجارة الموارد، والتنافس الإقليمي، تتيح جميعها تحويل السودان إلى ساحة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية والأمنية الخارجية مع الصراع الداخلي.
ولا يمكن معالجة هذه المشكلة بقطع العلاقات مع دولة واحدة فقط، لأن شبكات الحرب تمتد إلى عدة دول وأسواق وشركات ووسطاء. كما لا يمكن تجاوزها بتبرير جميع التدخلات الخارجية باعتبارها دفاعاً عن المصالح الوطنية. إن المخرج المستدام يتمثل في بناء دولة سودانية مدنية مستقلة، تحتكر الاستخدام المشروع للقوة، وتخضع مؤسساتها العسكرية للرقابة، وتدير مواردها عبر نظام مالي شفاف، وتفرض شروطاً وطنية واضحة على الاستثمار الأجنبي.
وفي هذا الإطار، يمكن أن تكون العلاقات السودانية الإماراتية مصدراً للتنمية وإعادة الإعمار إذا قامت على احترام السيادة، والتعاقد الشفاف، وتتبع الموارد، ووقف أي دعم عسكري غير مشروع، والتعاون في حماية المدنيين. أما إذا استمرت العلاقات الاقتصادية والأمنية في العمل عبر شبكات غير خاضعة للمساءلة، فستظل الموارد السودانية معرضة للتحول من أساس للتنمية إلى مصدر لتمويل الحرب، وسيظل مستقبل السودان رهينة التفاعل بين تناقضاته الداخلية وتنافسات القوى الخارجية.
والنتيجة المركزية هي أن فهم ما تريده الإمارات من السودان يتطلب الجمع بين تحليل المصالح الاقتصادية والقرائن الأمنية والوثائق الدبلوماسية، مع رفض الأساطير التبريرية ونظريات المؤامرة الشاملة معاً. فالمعيار الحاسم ليس النوايا المعلنة وحدها، بل مدى توافق السلوك الفعلي مع القانون الدولي، واحترام السيادة السودانية، وعدم الإسهام في إطالة الحرب، وقدرة العلاقات الاقتصادية على خدمة المجتمع السوداني بدلاً من تمكين اقتصاد الصراع.
وتفرض الأدلة الجديدة ضرورة الانتقال من مرحلة تبادل الاتهامات إلى تحقيق دولي مستقل في الشركات والوسطاء والممولين ومسارات الأسلحة والمقاتلين، مع حماية الأدلة والشهود وإتاحة النتائج للجهات القضائية المختصة. كما تقتضي مسؤولية المجتمع الدولي تطبيق حظر السلاح، ومراجعة تراخيص التصدير وإعادة التصدير، وفرض تدابير محددة على الجهات التي تثبت مساهمتها في الإمداد العسكري غير المشروع، من دون تجريم جماعي للمواطنين أو الشركات التي لم تثبت صلتها بالانتهاكات.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يستعيد السودان القدرة على إدارة موارده وعلاقاته الخارجية من خلال مؤسسات مدنية خاضعة للمساءلة. فوقف التدخل الخارجي لن يكون مستداماً إذا بقيت المؤسسات العسكرية السودانية تمتلك اقتصادات مستقلة، وإذا ظلت تجارة الذهب غير شفافة، وإذا بقيت العقود الاستراتيجية بعيدة عن الرقابة العامة. ولذلك فإن استعادة السيادة ليست مجرد موقف دبلوماسي ضد الإمارات أو غيرها، بل مشروع إصلاح داخلي يربط الأمن بالاقتصاد والعدالة والمواطنة.
المراجع
- Amnesty International. Sudan: Advanced Chinese weaponry provided by UAE identified in breach of arms embargo – new investigation. London: Amnesty International; 2025. Available from: https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/05/sudan-advanced-chinese-weaponry-provided-by-uae-identified-in-breach-of-arms-embargo-new-investigation/. Accessed 11 October 2026.
- Berg P. The great game of the UAE and Saudi Arabia in Sudan. Project on Middle East Political Science; 2020.
- Colom Piella G. The UAE’s dogs of war: boosting a small state’s regional power projection. Defence Studies. 2021.
- Donelli F. Foreign aid, identities and interests: Qatar and the UAE in Sudan. The International Spectator. 2024.
- Human Rights Watch. World Report 2025: United Arab Emirates. New York: Human Rights Watch; 2025. Available from: https://www.hrw.org/world-report/2025/country-chapters/united-arab-emirates. Accessed 11 October 2026.
- Human Rights Watch. From Bogotá to El Fasher: The UAE’s Role in the Deployment of Colombian Fighters and Other Backing to the Rapid Support Forces in Sudan. New York: Human Rights Watch; 2026a. Available from: https://www.hrw.org/report/2026/05/25/from-bogota-to-el-fasher/the-uaes-role-in-the-deployment-of-colombian-fighters. Accessed 11 October 2026.
- Human Rights Watch. World Report 2026: United Arab Emirates. New York: Human Rights Watch; 2026b. Available from: https://www.hrw.org/world-report/2026/country-chapters/united-arab-emirates. Accessed 11 October 2026.
- International Court of Justice. Application of the Convention on the Prevention and Punishment of the Crime of Genocide in Sudan (Sudan v. United Arab Emirates): Order of 5 May 2025. The Hague: International Court of Justice; 2025. Available from: https://www.icj-cij.org/case/197/orders. Accessed 11 October 2026.
- Reuters. UAE flights flood airstrip UN says supplies weapons to Sudan rebels. Reuters. 12 December 2024.
- Reuters. UN panel investigates Emirati links to seized weapons in Darfur. Reuters. 29 April 2025.
- Reuters. Sudan pound suffers as de facto UAE flight ban hits gold exports. Reuters. 21 October 2025.
- Reuters. Foreign support, drones fuel Sudan war and possible war crimes, UN probe says. Reuters. 3 September 2026.
- Soliman A, Baldo S. Gold and the war in Sudan: how regional solutions can support an end to conflict. London: Chatham House; 2025. Updated 24 March 2026.
- Sudan’s Counterrevolutionary War. Critical Times. Durham: Duke University Press; 2025.
- United Arab Emirates, Ministry of Foreign Affairs. دولة الإمارات لا تعترف بقرار سلطة بورتسودان. أبوظبي: وزارة الخارجية الإماراتية؛ 2025.
- United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. A war of atrocities: Sudan civilians deliberately targeted, UN Fact-Finding Mission reports international crimes on large-scale. Geneva: United Nations Human Rights Council; 2025.
- United Nations Independent International Fact-Finding Mission for the Sudan. Fuelling Sudan’s conflict: weapons, fighters and external support networks. Report A/HRC/63/23. Geneva: United Nations Human Rights Council; 2026. Available from: https://www.ohchr.org/sites/default/files/documents/hrbodies/hrcouncil/sessions-regular/session63/advance-versions/a-hrc-63-23-auv.pdf. Accessed 11 October 2026.
- United Nations Security Council. Final report of the Panel of Experts on the Sudan submitted pursuant to resolution 2676 (2023). UN document S/2024/65. New York: United Nations; 2024.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury sanctions military-affiliated companies fueling both sides of the conflict in Sudan. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2023. Available from: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy1514. Accessed 11 October 2026.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury targets entities funding the conflict in Sudan. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2024. Available from: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2066. Accessed 11 October 2026.
- U.S. Department of the Treasury. Treasury sanctions Sudanese paramilitary leader, weapons supplier, and related companies. Washington, DC: U.S. Department of the Treasury; 2025a. Available from: https://home.treasury.gov/news/press-releases/jy2772. Accessed 11 October 2026.
