ماذا حدث في الخرطوم في الثلاثين من يونيو 1989؟ .. بقلم: د. عصام محجوب الماحي

isammahgoub@gmail.com

* كيف استقبل السودانيون انقلاب 30 يونيو 89؟
* حالة سودانية خاصة: فرح وحزن معاً.. ثم انتظار وترقب!
* فرح كثيرون لذهاب الصادق المهدي مِن الحُكْمِ وحزن مثلهم على ضياع الديمقراطية
* الانقلابات تأتي دائما بعد (حمل) كاذب و(حلم) فاجر بكل السلطة
* عندما تكشف سلطة الإنقاذ عن نفسها وتنزع ثيابها قطعة بعد أخرى.. سيصيح أصغر الأطفال عمراً: أنظروا سلطتنا العارية!

أدناه رؤية تحليلية كُتِبَت يوم الجمعة 7 يوليو 1989،،،
* ماذا حدث في الخرطوم في الثلاثين من يونيو 1989؟
… المحصلة تقول: ان انقلاباً عسكرياً استولى على السُلْطة في البلاد، وذُبِحَت له ديمقراطية ذات تعددية سياسية (قربانا)، ليسمى المولود في نفس اليوم “ثورة الإنقاذ الوطني”.
… ولأن القصة لها أكثر من بداية، بل انها أكثر من حكاية داخل القصة التي (تحكي) أحداث السودان في الفترة الأخيرة إلى أن استولى على السُلْطة فجر الجمعة 30 يونيو 89 العميد أركان حرب عمر حسن أحمد البشير والذي صَعَّد نفسه صباح اليوم التالي من رتبة عميد إلى فريق مباشرة، معلناً انه سيكون رئيساً لمجلس الثورة.. وبالتالي رئيساً للجمهورية ورئيساً للوزراء ووزير للدفاع وبالطبع قائداً عاماً وأعلى للقوات المسلحة السودانية. وفي اليوم الثالث، قال في معرض حديثه عن العلاقة بين مجلس قيادة الثورة (العسكري) ومجلس الوزراء (المدني) الذي كان يتشاور حول تشكيله، قال إن نائبه، أي نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، سيكون نائبه، أي نائب رئيس مجلس الوزراء. وصار بالفعل ما قال.
… ولأنها أكثر من قصة داخل القصة الكبرى، فإن نهاية كل قصة تتداخل مع بداية أخرى.. ونهاية الأخرى قد لا نجد لها بداية، وهكذا، لأن الحياة السياسية على وجه التحديد في السودان، كانت ولا زالت عبارة عن مسرح عريض اختلطت وتختلط فيه كل أشكال المعرفة الإنسانية المسرحية. مسرح جاد وهزلي.. درامي وكوميدي، وعبثي أيضاً. مسرح كل شخوصه أبطال.. وأبطاله (كومبارس). متفرجيه حاضرون أحياناً، مغيَّبون حيناً، يائسون تارة أخرى.. وفي حالة ثالثة فريدة ومتفردة غير مبالين. وهي حالة اختص بها الشعب السوداني، ولم تجد حالة اللامبالاة معنىً حقيقياً وتصويراً واقعياً في التاريخ المعاصر، إلَّا في السودان وفي الفترة الأخيرة.

* كيف استقبل السودانيون انقلاب 30 يونيو 89؟
… تخيلوا معنا تعابير مواطن سوداني صباح الجمعة 30 يونيو 89. وهي تعابير تُرْسَم على الوجه نتيجة لتأثير أكثر من عامل. بعضها قد لا يكون للإنسان السوداني يد فيها أو قرار عليها. فهنالك غبار عالق في الجو باستمرار، ودرجة حرارة مرتفعة بشكل عام، تنخفض أو ترتفع درجة أو درجتين تبعا لتغيرات مناخية موسمية أو دائمة. إلَّا أن المواطن السوداني، أصبح قادراً على التأقلم مع الرياح (الترابية) الشديدة التي تهب بعد حر قائظ وجو خانق، فما بعدها سيأتي نسيم عليل أو بارد نوعاً ما! كما وانه مستعد أن يخرج منشرحاً أثناء وبعد (كتاحة) ترابية عنيفة، محتفلا بأعياد “شم النسيم”. هذه المؤثرات، خارجية وطبيعية وغير مُتَحَكَم فيها.. تضع بصماتها على تعابير الأوجه السودانية ذات السحنة المعروفة.
… غير أن هنالك بعض المؤثرات على نفس الأوجه، وهي أشياء مادية، يمكن للإنسان أن يتحكم فيها ويضبط إيقاعات حياته عليها. فعلى الأوجه السودانية تَرْتَسِم تعابير مواطن يعاني ليحصل على مقعد في (باص) أو حافلة أو عربة أجرة أو أي راكبة تقِلّه لا لفسحة أو ترويحة وإنما لمكان عمله، حيث لا عمل!!
وعلى وجه نفس المواطن، تتضح تماماً تعابير المعاناة للحصول على رغيف الخبز وعلى الطاقة.. فحماً كان، غازا كان أو حتى كهرباء ليطهى عليها قطعة لحم، إذا تحصل عليها وبسعر خرافي، أو ربطة خضار، يساوم عليها (الخضرجي) إلى أن يقول له الاخير: أنت عارف الدولار (الليلة) بي كم؟ بمعنى أن (ربطة) الجرجير، (كوم) الطماطم، (حزمة) الملوخية أو عدد محدود من (أصابع) البامية تعتمد أسعارها على سعر الدولار.. ارتفاعاً وليس انخفاضاً! وسعره أين؟ في (فرندات) الأسواق، حيث الصرافات هي جيوب سماسرة السوق السوداء للعملات الأجنبية والذين هم جميعاً صِبْيَة للمعلم الكبير. أمّا مَن هو المعلم الكبير.. فهذه قصة أخرى!
… على نفس وجه نفس المواطن ترْتَسِم تعابير معاناة الحصول على الماء عذباً كان أو غير ذلك، صالحاً للشرب أو ملوثاً.. لإنعدام “الكلور” الذي ينقي مياه النيل. ومعاناة أخرى هي الحصول على الكهرباء التي صارت ضمن الرفاهيات التي لا يتحصل عليها إلَّا الأثرياء، والأثرياء جدا الذين أصبحوا يوفرون لأنفسهم كل شيئ.. بدءاً بالأمن، حيث الحرس الخاص وشركات الأمن الخاصة، وانتهاء بالكهرباء حيث المولدات الكهربائية التي تتعالي أصوات محركاتها يوماً بعد يوم.
… كل ذلك العَدَم والانْعِدَام، للخبز.. الخضار.. اللحوم.. المياه والكهرباء، في بلدٍ مساحته مليون ميل مربع وفوق أرضه يجري النيلين الأزرق والأبيض، هذا غير الأنهر والخيران والروافد الكثيرة التي تغذيهما وتغذي النيل العظيم فيما بعد. في بلدٍ من المفترض أن يكون لا أن يصبح سلة لغذاء العالم.. فصار سلة لجَمْعِ فتات العالم من إغاثة وإعانة بدأت بالصلصة والساردين والبسكويت، وأصبح من ضمنها القمح والذرة وتخللتها الراجمات والدبابات والصواريخ والعربات العسكرية المسلحة والذخيرة لإدارة حرب أهلية بين أبناء وطن واحد في الجنوب!
… لعلكم تلاحظون أن أكثر مِن قِصّة وحكاية ورواية تداخلت فقط عند محاولة (تصوير) وجه مواطن سوداني فجر الثلاثين من يونيو 1989، وتصويرها بالقلم والكلمة لا غير. وجه كالذي تحدثنا عنه، كيف كانت تعابيره صبيحة الجمعة الحزينة من يونيو 89؟

* حالة سودانية خاصة: فرح وحزن معاً.. ثم إنتظار وترقب!
… لقد خرج إلى الشوارع والطرقات كل الناس. من العمارات و(الفيلل) الفارهة خرجوا.. ومن الأكواخ التي تجاورها في أغنى وأجمل أحياء العاصمة خرجوا أيضاً! فالفيلا ذات الطابقين أو الثلاثة طوابق التي صُمِمَت على أحدث المواصفات المعمارية، جمالاً وإتقانا.. تأثيثاً وتزويقاً، بعضها تعمل أبوابها وستائرها (بالريموت كنترول) ويتوفر فيها كل شيء.. يفيض في داخلها كل شيء، من الخبز حتى المركبة، وتجاور هذه الفيلا أو يفصل بينها وبين أخرى مشابهة لها أو أجمل منها، كوخ ليس من الخشب أو الصفيح كالتي يسكن فيها بعض الغجر في أوروبا على أطراف المدن، وإنما من (الخيش) والكرتون، ويسكن فيها سودانيون منبتاً وجذوراً.. أصْلاً وفَصْلاً.. عِرْقاً ودَماً.. لغة وديناً أيضاً. يعيشون فيها حياة تحت مستوى البشر في أي مكان آخر في العالم، وقليلاً قليلاً فوق مستوى الحيوان الشَرِيد الطَلِيق وليس ذلك الأليف الذي ترعاه بعض الأسر الثرية والميسورة.
خرجوا جميعاً إلى الشوارع، كما خرج أولئك الذين لا زال لديهم بعض من المقدرة على مواجهة أعباء الحياة.. يعيشون يومهم بيومهم، يصرفون كل ما يكسبون ويكسبون أقل مما يحتاجون. معدل تدهور حياتهم يسير بسرعة جنونية، وبصاروخية ينطلق معدل معاناتهم إلى عنان السماء. اليوم بالنسبة لهم أسوأ من الأمس، والغد شيء مجهول لا يعلمون كيف يواجهونه. خرجوا إلى الشوارع ليقفوا أمام أبواب منازلهم ويسألون بعضهم البعض. خرجوا، لا ليعلنوا رفضهم الانقلاب العسكري وأيضاً لا ليعلنوا تأييدهم له. خرجوا، لأنهم جميعاً في حيرة مِن أمرهم. ما الذي حدث؟ كيف حدث؟ مَنْ الذي انقلب على مَنْ؟ ولماذا الانقلاب؟ ومَنْ هم الانقلابيون ومّنْ هم الذين وراءهم؟
لم يخطر على بال أحد أن يقاوم برغم مواثيق المقاومة التي أعدت ومُهِرَت سلفاً.. كما لم يخطر على بال أحد أن يؤيد.

* فرح كثيرون لذهاب الصادق المهدي مِن الحُكْمِ وحزن مثلهم على ضياع الديمقراطية
… إرْتَسَمَت على الأوجه أكثر من حالة. كل وجه تنظر إليه يشعرك بأنه حالة سودانية خاصة في زمنٍ سوداني تختلط فيه كل الأشياء. الحديث عن السلام يتم بلغة الحرب.. والحديث عن الحرب يتم فيه بلغة السلام!
ترى الشعب جائعاً هائماً على وجهه، زاحفاً على أرجله من أبعد المسافات إلى قلب العاصمة وعائداً إلى نفس المكان راجلاً أيضاً، بينما السيارات الفارهة في منافسة متواضعة بين (الكريسيدا) اليابانية و(المرسيدس) الألمانية، تَنْفُث عوادمها بقايا إحتراق البترول الذي تكلف فاتورة استيراده أكثر مِن ثُلث مجمل صادرات السودان، بينما البترول السوداني قابع تحت الأرض، جاهز للاستخراج للاستهلاك المحلي والتصدير، ولا أحد يَلْمَسه أو يَشُم رائحته لأن الحرب في الجنوب مستمرة.. ولا أحد يحتج.
… على وجه ما، ترى تعبير يشعرك بأن صاحبه حزين، ولكنك تلحظ أيضاً أنه يتكلم مع الآخرين بفرحٍ طاغٍ. هل هو حزين لضياع الديمقراطية؟ ليكن هذا هو استنتاجنا فالأمر سيان، ولا ضرر من هذا الاستنتاج. فلماذا الفرح؟
عندما تسأل، تجد أكثر من إجابة تلتقي كلها عند نقطة واحدة: لقد ذهب الصادق المهدي.. وهذا الأمر وحْدَه يفضي إلى السرورٍ والفرحٍ!
… لنفكر لحظة في هذه الحالة السودانية الخاصة. أن يُضَع على كفتي ميزان أمران غير متشابهين، لا في الخصائص ولا في السِمات ولا في المكونات، ويقال لنا أوزنوهما.. أو عايروهما.. أو نُسأل: أيهما يرجح كَفَّة الأخر؟ في كَفٍّ نضع (الديمقراطية)، وفي الأخرى (صادق المهدي). أن يعادل فرد، شكل من أشكال الحُكْمِ.. أن يصبح ذهاب فرد من على كرسي الحُكْمِ في وضع ديمقراطي تعددي، معادلاً تماماً ومساوياً في المقدار وفي (الاتجاه) لضياع تجربة إنسانية عميقة ذات جذور، خاصة في السودان، لتحل محلها تجربة جُربت فما أعطت إلَّا الخراب والدمار، وما كان مردودها الَّا الانقضاض عليها لاستعادة الديمقراطية!
قطعاً هنالك خطأ ما في هذه المعادلة. وتلك قصة أخرى.

* عندما تكشف سُلْطة الإنقاذ عن نفسها وتنزع ثيابها قطعة بعد أخرى.. سيصيح أصغر الأطفال عمراً: انظروا.. سلطتنا العارية!
… تخيلوا وجها، بالإضافة إلى كل التعابير التي رسمناها عليه، يضاف إليه تعبير خليط بين الفرح والحزن في نفس الوقت. هذا هو باختصار غير مُخِل، وجه الإنسان السوداني صبيحة يوم الجمعة 30 يونيو 89. وجه، عند قراءته بتمهل، لا تجد وصفاً تصف به (حامله) بغير إنه لا يبالي.. ولا يتفاعل مع ما حدث.
بَيْد اننا نلمح وبفراسة شديدة، إذا ما دققنا النظر مِن (زاويةٍ) ما.. في (رُكْنٍ) ما، ملامح حالة جديدة، هي حالة الانتظار والترقب. أي أن نفس الإنسان الذي نعتقد أنه لا يبالي ولا ينفعل، ينتظر الأحداث أن تكشف عن نفسها. ولأن كل شيء في السودان، في اللحظة الصادقة والصحيحة، تجده عند المواطن البسيط في الشارع العام، فقد قرر الجميع في نفس اللحظة، أن ينتظروا. وتبادلوا تلك (الشفرة) السرية التي لا تستطيع رصدها أقوى أجهزة المخابرات والمعلومات العالمية. وصدر القرار الشعبي العام دون اجتماع وبدون (منشور): أن ينتظروا.. وأن لا يقاوموا هذا الانقلاب، وفي نفس الوقت ألَّا يمنحونه تأييداً رخيصاً.
… وكانت تلك (الحِكْمَة) البالغة، حِكْمَة سودانية (بَحْتَة) ودرس سوداني جديد يضاف إلى الدروس السابقة. صحيح أن الشعب السوداني يعطي دروسه، كأي مُدرس يحفظ عن ظهر قلب المادة التي يقوم بتدريسها.. ولكنه لم يَنَم مِن وفي مقدراته لاستيعاب الجديد والمزيد مما قد يثري المادة ولم يطورها بمزيد من الإطلاع. أما الآن، فقد جاءت للشعب السوداني، الفرصة والسانحة لينمي مِن وفي مقدراته، فاتخذ قراره: أن يفرح.. أن يحزن، ولكن في نفس الوقت.. أن ينتظر!
مَن الذي اتخذ القرار؟ مَن الذي سَرَّبه؟ مَن الذي أذاعه ونشره ليلتزم به الجميع؟ لا أحد يعلم.. ولكنه الشعب المُعلم!
أمَّا فترة الانتظار.. طولها، قُصْرها أو أبعادها، فهي قد تختلف. البعض قد يَمِلّ صيغة الانتظار، ويذهب إلى السُلْطة في عقر دارها ليعاقرها، فتمتص رحيقه.. وتتركه فيما بعد عظم دون لحم. والبعض قد يعتقد ان الانتظار حالة سلبية، فيحمل (معوله) ليهدم السُلْطة على رؤوس ساكنيها، وربما تنفرد به السُلْطة.. وتصرعه قبل أن يصرعها. أمَّا العاقلون، وهم كثر، حتماً سيتركون السُلطة تكشف عن نفسها رويداً رويداً، وتنزع عنها ثيابها التي تتخفى فيها قطعة بعد أخرى.. وربما تتبقى لها ورقة (توت) أخيرة تستر آخر ما يمكن أن تكشف عنه.. وفي تلك اللحظة، قد يصيح أصغر الأطفال عمراً: أنظروا سلطتنا العارية! وعندها، عندها فقط.. تسقط السُلْطة الانقلابية مضَرَّجة بعارها وعريها ويسقط معها من هم وراءها تخطيطاً وتنفيذاً.. وتمويها أيضاً.
… إن المسألة قطعاً ليست مسألة يوم أو أيام.. شهر أو أشهر، عام يزيد أو يقل. فالشعب لم يكن راضياً عن أداء مؤسسات النظام الديمقراطي السابق ولا عن أداء الذين تولوا أمر الحُكْم. كما أن عدم رضاءه عن الانقلاب على الديمقراطية، نابع مِن كون الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يمكن أن يكشف عن أخطائه من داخله، بالإضافة إلى توفر الفرص لتصحيح تلك الأخطاء. وهذا مكسب كبير لا يمكن التفريط فيه، ولا يتوفر في أي شكل آخر من أشكال الحُكْم.
… غير أن فطنة الشعب السوداني (مَكَّنَتْه) مِن ملاحظة تزامن سرقة السُلْطة، أو الانقلاب على الديمقراطية، مع تباشير حل الكثير من المشاكل المستعصية: إحلال السلام وفق مبادرة السلام السودانية؛ إنقاذ الاقتصاد الوطني من التردي والتدهور والانهيار بوقف الحرب ووقف الصرف عليها وبالتالي الدخول في عصر التنمية الحقيقية واستخراج البترول؛ وفوق كل ذلك، التيار العالمي الجارف نحو الديمقراطية والتعددية السياسية؛ هذا غير إرهاصات التغيير التي هَلَّت بشائرها بنهوض القوى الوطنية واقتراب موعد الاحْتِكام للشعب في انتخابات حرة عامة.
كل تلك المعطيات تشير إلى أن قرار الانتظار وعدم مواجهة السُلْطة الانقلابية وعدم تأييدها في نفس الوقت، هو القرار الصائب. كيف؟ ثلاثة أسباب رئيسية، يتفرع منها ويصب فيها آخران يمكن أن تكشف الإجابة التي حَيَّرت الآخرين ولم تحيِّر السودانيين، وإن لم يفصحوا.
… إن ذهاب المؤسسات الديمقراطية السابقة في شكل أعضائها وزعاماتها يعني أنها (أوراق) احترقت تماماً.. أو بصحيح العبارة، يؤكد عدم الدفاع عنهم أنهم أحرقوا أنفسهم بأنفسهم.. شعبياً وسياسياً.
إن أي دور مستقبلي لن يكون لصالح نفس الاتجاه أو الخط السياسي السابق.. وسيشهد المستقبل نهوض قيادات (لتَشْغل) المساحة المتاحة للحركة السياسية، وانزواء قيادات بعيداً عن المسرح السياسي.. وهذه واحدة من جملة أسباب. كما ان بقاء واستمرار السلطة الانقلابية، سوف يضع برنامج (الذين) من خلفها، أمام الاختبار العملي.. خاصة وأن (كل) السُلْطة صارت في (أياديهم) واصبح استخراج القرار سهلاً، وبالتالي في حالة سقوط البرنامج المعني سينفتح الباب واسعاً أمام القوى السياسية التي أدارته لتخرج بدورها من المسرح السياسي نهائياً.. وهذا وحده، كجملة أسباب ثانية، مكسب لا يضاهى.
ثالثاً، وهو أهم الأسباب بتفريعاتها: إن الحلقة الشيطانية التي سعى البعض لتكريسها وقراءة التاريخ والحاضر والمستقبل من خلالها.. حلقة حُكْم الأحزاب الذي يعقبه حُكْم المؤسسة العسكرية.. فالأحزاب، ثم تعود المؤسسة العسكرية للحُكْمِ ثانياً وثالثاً وهكذا دواليك، تلك الحلقة الشريرة التي أُقْحِمَت فيها المؤسسة العسكرية قَسْراً دون إرادتها، ودون قرارها وبدون اشتراكها الفعلي، صار مِن المحتمل إن لمْ يكن مِن المؤكد، إعادة تقييمها لتُفْهم الفهم الصحيح.. ولتُقْرأ القراءة الواقعية.

* الانقلابات تأتي دائما بعد (حمل) كاذب و(حلم) فاجر بكل السُلْطة!
… إن المؤسسة العسكرية القومية لم تقم بانقلاب عسكري حتى الآن، وعليه يصبح التفسير الأوحد لمغامرات نوفمبر 57 ومايو 69 وأخيراً يونيو 89، هو أن قوى سياسية بعينها (إمتطت) القوات المسلحة لتصل للسُلْطة وتفرض برنامجها المتطرف، وبالتالي (تَطْبع) المؤسسة العسكرية (بطابِع) لا يشبهها، وتلبسها (لباساً) غير لباسها.
إن الفهم الصحيح للانقلابات العسكرية التي استلمت السُلْطة وحكمت البلاد في نوفمبر، مايو وأخيراً في يونيو، يوضح أن هنالك قوى سياسية كانت خلف كل مؤامرة من تلك المغامرات. فإذا (نَحَّيْنا) جانباً حركة نوفمبر 58.. لإعتبار أن الحُكْم تم تسليمه وتسلمه بدعوة صريحة من الأداة السياسية التنفيذية في البلاد.. ولإعتبار أن الحُكْم كان حُكْماً عسكرياً صرفاً ولم يَجْنَحْ كثيراً ولم يكشف وجهاً سياسياً.. ولإعتبار ان محاولات تغييره كانت تتم من داخل المؤسسة العسكرية نفسها لإبعادها عن المركز السياسي وحصر دورها في مهامها المعروفة، نجد أن (دَرْس) إسقاط النظام بثورة شعبية قد تم فهمه فهماً صحيحاً عندما استجابت قيادة المؤسسة العسكرية الحاكمة لإرادة التغيير وذهبت لثكناتها كما طالبها الشعب في صوت واحد. أمّا مايو 69 ويونيو 89، لم يكونا انقلابين عسكريين قامت بهما المؤسسة العسكرية. الواضح والثابت أن اليسار المتطرف في مايو، أراد فرض برنامجه على الشعب السوداني باستغلال المؤسسة العسكرية، ولذلك حرك الشيوعيون واليسار عموماً عناصرهم (المُنْدَسَّة) في المؤسسة العسكرية لفرض ارادة غير إرادة الشعب باسم قوات الشعب. جرى وضع برنامج اليسار بكل تفصيلاته وتفعيلاته في الاختبار، وكانت النتيجة ان اليسار عندما عادت الديمقراطية، عاد له وزنه الحقيقي بدلاً من حالة الانتفاخ التي كان يَوهِم نفسه بها كالحمل الكاذب قبل مايو 69. وتتكرر نفس المأساة والملهاة عندما نَبَتَت لليمين المتطرف، متمثل في مسمياته الكثيرة انتهاء بما سمي بالجبهة الإسلامية القومية، نَبَتَت له عضلات في غير مكانها الصحيح.. ويتسارع نبضها وتصاب هي الأخرى بحالة حمل كاذب يعززه حلم فاجر بكل السُلْطة.. فتُحَرِك (الدمي) المُنْدَسَّة أيضاً في (جسم) القوات المسلحة لاستلام السُلطة، فكان لها ما أرادت. وها هي أمام كل (السُلْطة) التي بيدها، وبيدها الأخرى البرنامج الذي ملأت به الدنيا ضجيجاً وصخباً قبل يونيو 89.
… والتاريخ هنا، لا يكرر نفسه، إلَّا للذين لا يعتبرون.. فتكون الملهاة العظمى أو المأساة الكبرى.. خير شاهد على حالة اليمين المتطرف في الغدِ القريب.

*رؤية تحليلية كُتِبَت يوم الجمعة 7 يوليو 1989،،،

//////////////

عن د.عصام محجوب الماحي

د.عصام محجوب الماحي

شاهد أيضاً

(11) حكاية الثورة الرومانية – ديسمبر 1989 – من الألف للياء

isammahgoub@gmail.comد. عصام محجوب الماحي (الحلقة الحادية عشر) شاوشيسكو لزوجته إيلينا حول ايليسكو: “لمْ تتركيني أقضي …

اترك تعليقاً