بقلم أبشر الحاج
تستوي بعض الأسئلة في تاريخ الفكر لا لتستجدي أجوبة جاهزة، بل لتحدث زلزالا في البنية المعرفية التي نزن بها أوهامنا. ومن هذه الأسئلة الحافية: ماذا يحدث حين تقف الإنسانية أمام مدونة كبرى مفعمة بقيم الرحمة والتسامح والعدل، فيعمد عقل مأزوم إلى انتزاع عبارة واحدة، ليقيم منها صمما أيديولوجيا يشرعن الخراب؟
إن الاستفهام هنا ليس انشغالا باللاهوت بقدر ما هو تشريح للعقل البشري في أقصى لحظات اغترابه؛ هل نلجأ إلى النص لنستقرئ منه التكليف، أم لنتخذ منه درعا يبارك ما حسمنا أمرنا عليه مسبقا؟
ولنعد صياغة المسألة بأكثر الطرق استفزازا للوعي: كيف لمنظومة أخلاقية تعنى بحفظ الإنسان وكرامته أن تختزل في مفصل واحد يقتطع قصدا، ليتحول إلى فتوى دائمة للإبادة؟ ليست الأزمة في النص ذاته، بل في “هيرمينوطيقا الاستهلاك” التي يمارسها الإنسان؛ حيث لا يغدو الدين أداة للمراجعة ومحاسبة الذات، بل مجرد آلية لتأليه الرغبات الذاتية. حينها يسقط النص من مرتبة “السلطة الموجهة” ليصير مجرد “أداة مسخرة”.
وهذه ليست ظاهرة دينية حصرا، بل هي العاهة الأزلية للفكر الإنساني. إنك تستطيع اقتطاع مجتزأ من قانون، أو فلسفة، أو دستور، ثم تشهيره كخنجر في وجه الروح العامة للمنظومة التي أنجبته. إن الجزء – متى ما فصل عن كليته – يتحول حتما إلى سلاح فتاك ضد الكل.
غير أن السؤال الأشد إرباكا: لماذا تحتاج الحروب دوما إلى “سردية” تعمد إلى تسويغها؟
لأن البارود وحده لا يملك طاقة الاستمرار؛ إنه بحاجة إلى “معنى”. تحتاج الحرب إلى صناعة طوطم يقنع الإنسان بأن الآخر ليس مجرد مغاير، بل هو تهديد وجودي يستباح محوه. هنا تبدأ اللغة ممارسة سحرها الأسود الذي تعجز عنه البندقية: يجرد الإنسان من إنسانيته ليختزل في صفة “العدو”، ثم تتسامى هذه الصفة لتصير مبررا، ثم يستحيل المبرر واجبا أخلاقيا! وهكذا يصبح القتل ممارسة يسيرة، فقط لأننا جردنا الضحية أولا من شرطها الإنساني.
وهذا ما يضعنا مباشرة أمام العقدة الفاجعة للمأساة السودانية.
إن تجار الحروب بحاجة دائمة إلى إقناع الجمع بأن السلام خطيئة أو استسلام أو مكافأة للمخصوم. ومع تطاول الأمد، يقع الانزياح الخطير: تتحول الحرب من “وسيلة اضطرارية” إلى “غاية في ذاتها”.
في البداية يرفع الشعار: “نقاتل إحقاقا للحق”.
ثم يتراجع إلى: “نقاتل لننتصر”.
ثم يتكلس في: “لا كف عن القتال حتى يسحق الطرف الآخر”.
وبعد سقوط الأرواح ومرور السنوات، ينبثق السؤال الفلسفي العاري: ما معنى “الانتصار” أساسا؟
أي معنى لظفر يعلن على ركام وطن ينزف أبناءه، ويهدم ذاكرته، ويورث أجياله أن السلاح هو اللغة الوحيدة المعترف بها؟
من هنا تجب التفرقة الحازمة بين “مبرر نشوب الحرب” و”سردية استمرارها”. قد تشتعل الحروب تحت وطأة تعقيدات سياسية أو تاريخية، لكن استدامة نزيفها تتطلب ضخ مبررات يومية جديدة؛ لأن كل صباح إضافي يطلب حصته من الدماء، والثكالى، والبيوت المهدومة. وهنا يكمن الخطر الأكبر: ليس في الرصاص الذي يثقب الأجساد، بل في “المفهوم” الذي يجعل ثقب الأجساد أمرا مقبولا.
إن النزاعات الطويلة تتغذى على اللغة بقدر ما تتغذى على العتاد. تعيش على أوهام تضع الآخر في خانة “الشر المطلق”، وتصم التنازل بالخيانة، وتعتبر المصالحة هشاشة. وحين تعرف الحرب بأنها “معركة وجود”، تستباح كل الرذائل تحت يافطة البقاء.
إن ما نحتاجه اليوم هو إعادة هيكلة الأسئلة:
ليس: من المخطئ؟ بل: هل يمكن للعدالة أن تتعالى على منطق الثأر؟
وليس: من المفترض أن ينتصر؟ بل: ماذا سيبقى من جغرافية الوطن وذاكرته إذا استمر الجميع في مطاردة وهم الانتصار؟
وليس: هل ثمة نص يشرعن القتال؟ بل السؤال الأعمق: هل ندخل النص لنلتمس الحقيقة، أم لنستخرج منه صكوكا لشرعنة أدواء نفوسنا؟
لقد يدخل المرء إلى النص ممتلئا بالغيظ، فيخرج منه أشد غيظا، وهو يتوهم أنه نطق بإرادة السماء، بينما هو لم يفعل شيئا سوى أنه ألبس غضبه المادي لبوسا مقدسا. وتلك هي المفارقة الفاجعة: الأزمة ليست في جهل الناس بالنصوص، بل في أنهم يعرفون منها ما يكفي للتبرير، ويجهلون منها ما يكفي للمراجعة والردع.
في السودان اليوم، ليس السؤال الفكري الأهم: “من سيكسب الحرب؟”، بل: “هل نستطيع الانتصار على الفكرة التي تجعل من الحرب خيارا أبديا؟”.
حين تتحول الحرب إلى غاية، يلغى المفهوم الحقيقي للظفر؛ فلا يبقى سوى طرف أكثر صخبا في إعلان نصر وهمي، ووطن يلفظ أنفاسه الأخيرة. ولعل أعظم انتصار يحرزه العقل الإنساني، ليس في العثور على البلاغة التي تسوغ الاستمرار في المقتلة، بل في امتلاك الشجاعة الجريئة لطرح السؤال الذي يكسر هذه الدائرة المغلقة:
متي يغدو إيقاف القتال هو القيمة العليا التي تتضاءل أمامها كل المبررات؟!
