ماذا يعني لنا السودان؟ وحدةٌ تتجاوز الجراح… وسلامٌ يستحق أن يُصنع

م. هيثم عثمان إبراهيم
في لحظات الانهيار الكبرى، حين تتصدّع الثوابت وتتآكل الثقة، لا يعود الوطن مجرد جغرافيا أو تاريخ محفوظ في الذاكرة، بل يتحوّل إلى سؤال وجودي وأخلاقي يطرق ضمير كل فرد منا: ماذا يعني لنا السودان؟
هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو ضرورة نفسية وحضارية.
إنه محاولة لإعادة بناء المعنى من تحت ركام الألم، وتحويل الصدمة الجماعية إلى نقطة انطلاق لتجديد العقد الاجتماعي.
هل هو مجرد انتماء وراثي، هوية سلبية نرثها دون اختيار، ونحملها كعبء أو فخر أجوف؟
أم هو مشروعٌ واعٍ ومستمر، نختار أن نحمله بوعينا الكامل، ونصونه بمسؤوليتنا الأخلاقية، وننهض به بإرادتنا الحرة؟
الفارق بين الرؤيتين هو الفارق بين أن نكون مجرد نتاج للماضي، أو أن نكون صُنّاعًا للمستقبل.
أن نرى السودان كـ”ميراث” يعني أننا قد نتقاتل على حصصنا منه، أما أن نراه كـ”مشروع”، فهذا يعني أننا سنعمل معًا لإنشاء شيء جديد يتجاوزنا جميعًا.
من هذا المنطلق، فإن السودان الذي نقصده ليس ساحة صراع بين قوى متنازعة، ولا مادة خامًا للاستقطاب والغضب والانقسام. إنه ليس مجرد “غنيمة” يُنتصر بها، بل هو الفضاء الذي نتشارك فيه مصيرًا واحدًا لا يتجزأ.
هذا المصير المشترك ليس فكرة نظرية، بل حقيقة ملموسة؛ فالأزمة التي تضرب جزءًا من الجسد الوطني، سرعان ما تنتشر لتصيب الجميع، مهما اختلفت مناطقنا، وتنوعت ثقافاتنا، وتباعدت تجاربنا.
السودان هو تلك الهوية الجامعة التي لا تحتاج إلى خصومة كي تثبت نفسها، ولا إلى حرب كي يُسمع صوتها.

إنها هوية تجد غناها في تعددها، وقوتها في تكاملها، لا في صراعها مع “آخر” داخلي أو خارجي.
السودان… فكرة الوحدة قبل أن يكون دولة
إن الوحدة التي ندعو إليها هنا تتجاوز مفهومها السياسي التقليدي، الذي غالبًا ما يُفرض من الأعلى كشعار جامد أو كهيكل إداري.
الوحدة التي نؤمن بها هي حالة وعي وسلوك يومي، تنبع من قناعة داخلية بأن بقاءنا وازدهارنا يعتمدان على قدرتنا على العيش معًا بكرامة واحترام.
إنها تبدأ من أصغر الوحدات الاجتماعية وتصعد إلى الأعلى، لا العكس.
تبدأ من احترام اختلافاتنا ليس كـ”تسامح” فوقي، بل كـ”اعتراف” أصيل بأن التنوع ليس تهديدًا لهويتنا، بل هو شرط أساسي لغناها ومرونتها.
فالثقافة التي تخشى التنوع هي ثقافة هشة، أما الثقافة الواثقة من نفسها، فهي التي تحتفي بتعدد روافدها.
السودان الذي نريده هو وطن يتسع للجميع، وهذا يعني تفكيك ثقافة الإقصاء التي تجذرت في خطابنا وممارساتنا.
وطن لا يُقصي أحدًا بسبب أصله أو لونه أو ثقافته أو رأيه.
وطن لا يُقدّس أحدًا، فلا يختزل مصيره في فرد مهما كانت مكانته، ولا في جماعة مهما كانت تضحياتها.
فالتقديس هو بداية الاستبداد، سواء كان استبداد الفرد أو الحزب أو القبيلة.
إن الدولة كمؤسسة محايدة هي الضامن الوحيد ضد هذا الاختزال، وهي التي تضمن أن يكون الولاء للوطن كمفهوم، لا للأشخاص كرموز.
هذه الرؤية للوحدة المبنية على المشاركة والمؤسسية تنسجم مع المبادئ الأساسية للخروج من الأزمة الحالية.
أولها هو الابتعاد عن الشخصنة، أي نقد الأفكار والمواقف لا مهاجمة الأشخاص، وتحويل النقاش العام من صراع ذوات إلى حوار أفكار.
وثانيها هو ترسيخ التفكير المؤسسي، فالخلاص لا يأتي على يد “بطل” أو “منقذ”، بل عبر بناء مؤسسات قوية وعادلة وقادرة على الصمود أمام الأهواء السياسية.
وثالثها هو إعادة بناء الخطاب العام على الاحترام والعقلانية، وتطهيره من لغة الكراهية والتخوين التي تسمم العقول والقلوب. وأخيرًا، تحويل الألم الجماعي إلى فرصة للتعلم والإصلاح، فالتجارب القاسية لا يجب أن تكون مجرد ذكريات مؤلمة، بل دروسًا عميقة تدفعنا نحو نضج أكبر، وتجبرنا على مراجعة مسلماتنا الخاطئة حول أنفسنا وحول الآخرين في الوطن.
السودان… محفّز لوقف الحرب لا وقود لها
حين نطرح على أنفسنا سؤال: ماذا يعني لنا السودان؟، فإننا في جوهر الأمر نُعيد تعريف علاقتنا بالوطن في سياق الحرب. هذا السؤال يتحول إلى بوصلة أخلاقية توجه موقفنا من العنف. من خلاله، نرفض بشكل قاطع أن يكون الوطن مجرد خلفية لحرب عبثية، أو مجرد اسم يُستخدم لتبرير الدمار.
نرفض أن يُختطف مفهوم “الوطنية” ليصبح مرادفًا للولاء الأعمى لفئة دون أخرى، أو أن يُمزّق جسد الوطن باسم “الانتصار” الذي لا يخلّف وراءه إلا الخراب.
من هذا المنظور، يصبح السودان هو الدافع الأول والأسمى لوقف الحرب، وليس العكس.
فالحب الحقيقي للوطن لا يظهر في الاستعداد للموت من أجله في معركة ضد إخوتك، بل في الاستعداد للعيش من أجله عبر بناء السلام معهم.
الحرب لا تُنقذ وطنًا، بل تلتهمه قطعة قطعة؛ تلتهم بشره، وحجره، وذاكرته، ومستقبله.
إنها تحوّل المواطنين إلى أعداء، وتجعل من الجار خصمًا، وتزرع ثقافة ثأر تنتقل عبر الأجيال.
لذلك، فإن السودان كفكرة جامعة هو الحافز الأكبر لاستعادة السلام المستدام، وهو سلام يتجاوز الصفقات السياسية المؤقتة أو تقاسم السلطة الهش.
السلام الحقيقي هو عملية بناء عميقة تبدأ من معالجة الجذور التي أنتجت العنف في المقام الأول.
وهذا يتطلب مسارات متوازية وشجاعة:

  • العدالة: ليس كانتقام، بل كاعتراف بمعاناة الضحايا، وجبر ضررهم، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. العدالة هي التي تكسر دائرة الإفلات من العقاب، وتعيد للمجتمع إحساسه بالقيمة الأخلاقية.
  • الإصلاح المؤسسي: بناء جيش وطني واحد بعقيدة جديدة، وإصلاح أجهزة الدولة لتكون في خدمة المواطن لا في مواجهته، وضمان حيادها واستقلاليتها.
  • المصالحة المجتمعية: وهي عملية طويلة تبدأ من الاعتراف المتبادل بالآلام والمظالم، وتمر عبر حوارات مجتمعية صريحة ومؤلمة أحيانًا، وصولًا إلى خلق سردية وطنية جديدة تتسع لكل الروايات.
  • إعادة بناء الثقة: الثقة هي العملة الأساسية لأي مجتمع. إعادة بنائها يتطلب شفافية مطلقة، وصدقًا في النوايا، وتطابقًا بين الأقوال والأفعال من قبل كل الفاعلين في الساحة.
    السودان… مسؤولية مشتركة لبناء مستقبل مختلف
    إن القول بأن “السودان يعني لنا الكثير” يظل عبارة عاطفية فارغة ما لم يتحول إلى فعل وممارسة.
    المعنى الحقيقي للوطنية لا يظهر في قوة الشعارات التي نرفعها، بل في طبيعة السلوك الذي نمارسه يوميًا.
    يظهر في كيف نُسهم، كل من موقعه، في إعادة صياغة الوعي العام، وكيف نُقدّم خطابًا يداوي الجراح النفسية العميقة ولا يزيدها عمقًا، خطابًا يبني جسور الثقة لا يهدم ما تبقى منها. المسؤولية هنا ليست حكرًا على السياسيين أو النخب، بل هي مسؤولية موزعة على كل فرد يتحدث أو يكتب أو يتفاعل في الفضاء العام.
    وهنا تتجلى المبادئ العملية التي يمكن أن تحكم هذا السلوك بوضوح:
  • تحويل الحوار العام إلى مساحة للتعلم لا للتخوين: أن ندخل كل نقاش بقصد أن نفهم، لا أن نُفحِم. أن نستمع إلى حجة الآخر لا لكي نلتقط ثغراتها، بل لكي نلامس حقيقتها الجزئية. هذا يتطلب تواضعًا فكريًا وشجاعة للتخلي عن اليقينيات المطلقة.
  • تصميم أسئلة وسيناريوهات تساعد الناس على التفكير لا على الاصطفاف: بدلاً من طرح أسئلة استقطابية مثل “مع من تقف؟”، يمكننا طرح أسئلة بنائة مثل ما هي رؤيتك لمستقبل هذه المنطقة؟
    أو ” كيف يمكننا ضمان عدم تكرار هذه المأساة؟”.
    الأسئلة هي أدوات لتوجيه الوعي، والأسئلة الصحيحة يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للتفكير المشترك.
  • إعادة تعريف الوطنية كمسؤولية أخلاقية لا كصراع هويات: الوطنية الحقيقية ليست في إثبات تفوق هويتك على هويات الآخرين، بل في تحمّل مسؤولية حماية النسيج الاجتماعي الذي يضم كل هذه الهويات.
    إنها التزام تجاه كرامة وحقوق كل مواطن، بغض النظر عن انتمائه.
  • إحياء الأمل دون إنكار الألم: الأمل ليس تفاؤلاً ساذجًا يتجاهل حجم الكارثة.
    الأمل الحقيقي هو قرار واعٍ بالعمل من أجل مستقبل أفضل، على الرغم من كل الألم والمعاناة في الحاضر.
    إنه إيمان بقدرة الإنسان على تجاوز ذاته، وقدرة المجتمع على شفاء نفسه إذا توفرت الإرادة والصدق.
    ختامًا… السودان هو امتحاننا الأخلاقي الأكبر
    في نهاية المطاف، إن علاقتنا بالسودان ليست مجرد علاقة بالماضي وما ورثناه عنه، بل هي في جوهرها علاقة بالمستقبل وما سنتركه فيه للأجيال القادمة.
    بهذا المعنى، يصبح السودان هو امتحاننا الأخلاقي الأكبر كجيل. إنه المرآة التي تكشف بلا رحمة مدى نضجنا أو طفولتنا السياسية، والمختبر الذي نختبر فيه قدرتنا الحقيقية على تجاوز جراحنا الفردية والجماعية، أم أننا سنظل أسرى لها.
    وهو المساحة التي نثبت فيها للعالم ولأنفسنا أن السلام ليس حلمًا طوباويًا بعيد المنال، بل هو خيار واعٍ وممارسة يومية تتطلب شجاعة وتضحية وصبرًا، تمامًا كالحرب، بل وأكثر.
    وحين نكتب ونتحدث عن السودان بهذه الروح، فإننا لا نصف وطنًا مجردًا أو كيانًا سياسيًا فقط. نحن في الحقيقة نرسم ملامح طريق جديد للوعي الوطني، طريق يبدأ من الذات وينتهي بالوطن، يرى في التنوع ثراءً وفي الاختلاف فرصة للحوار لا للنزاع.
    نحن بذلك نقدّم نموذجًا أوليًا لما يمكن، بل ويجب، أن يكون عليه الخطاب السوداني القادم: خطابٌ يتخلى عن الصخب والضجيج لصالح الهدوء، ويستبدل السطحية والانفعال بـالعمق والتحليل، ويتجاوز الانقسام والتخوين نحو خطاب جامع يحتضن الجميع، ويتحلى بـالمسؤولية الأخلاقية والتاريخية تجاه كل كلمة تُقال وكل موقف يُتخذ.
    هذا هو السودان الذي يليق بآلامنا، ويستحق تضحياتنا، ويفتح أفقًا لمستقبل مختلف

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم