مافي مليشيا بتحكم دولة

لم يخطئ ثوار ديسمبر 2018 حين صدحوا في الشوارع والميادين: “مافي مليشيا بتحكم دولة”، وحين أضافوا: “العسكر للثكنات والجنجويد ينحل”.
كانت الهتافات شعلات في ليل الخرطوم الطويل، تصرخ في وجه ركام البشير وجيشه، وفي وجه ذراعه الطويلة: الجنجويد. كانت تشبه قناديل صيادين في بحر هائج، لا تكتفي بإنارة الطريق، بل تكشف وحش الأعماق.
الحلم كان مكتوباً على الجدران: وطن حر، ديمقراطي، كريم، يتساوى فيه الناس في الخبز والتعليم والصحة. حلم بسيط لكنه محرم على الشعب، مُحتكراً على الكيزان وأبنائهم، مدنيين وعسكريين.
واليوم، بعد أن ابتلعت الحرب مدناً وشوارع، جاء بيان مجلس الأمن وكأنه صدى بعيد لذلك الهتاف القديم. بلغة دبلوماسية باردة، أعاد القول: لا مكان للمليشيات في حكم الدول، ولا مستقبل للسودان إلا بيد المدنيين.
غير أن قيادة الجيش، بزعامة البرهان، قرأت البيان بعين واحدة. أخرجته من صندوقه الدبلوماسي وقدّمته على أنه انتصار سياسي على خصمه اللدود، مليشيا الدعم السريع. تجاهلت السطر الذي يرسم خط النهاية للمؤسسة العسكرية في السياسة، ويؤكد أن زمن تسليم البلاد إلى سلطة مدنية منتخبة آتٍ، مهما طال الطريق أو اشتدت المعارك.
في خطابه بمناسبة مرور مئة عام على تأسيس الجيش، كرر البرهان تعهده بـ”دحر” الدعم السريع، رافعاً شعار “لا مهادنة، لا مصالحة”. لكن البيان الأممي لم يمنح الجيش تفويضاً مفتوحاً للحرب. بل دعا بوضوح إلى وحدة السودان، ورفض أي حكومة موازية، وأوصى بوقف النار والدخول في تسوية سياسية شاملة، يقودها مدنيون.
القوى القريبة من الجيش احتفت بما اعتبرته “إجهاضاً” لمشروع حكومة الدعم السريع في دارفور وكردفان. لكنها غضّت الطرف عن حقيقة أن مجلس الأمن لم ينحز لطرف، بل حذّر من حلول جزئية قد تمهد لتقسيم جديد للسودان. فالممزق لا يُجمع بالسيف، والسيف لا يحمي خرائط تتفتت من الداخل.
هنا، تدخل الفاشر كرمز. مدينة تحولت إلى مرآة لمأزق السودان كله. عام وأكثر من المعارك، ولم يتمكن أحد من حسمها. في شوارعها، تتواجه البنادق وكأنها سجالات قدرية بين الماضي والمستقبل. إذا انتصر الدعم السريع، سيبسط سيطرته على كامل دارفور وأجزاء من كردفان؛ وإذا انتصر الجيش، سيحرم خصمه من موقع جيوستراتيجي بالغ الأهمية. لكن أي نصر في الفاشر قد يكون مجرد وهم، كفوز لاعب في شطرنج فقد نصف القطع على الرقعة.
بيان مجلس الأمن جاء قبل أن تتغير موازين القوى هناك. جاء ليقول للطرفين: توقفا. لا تراهنوا على حرب بلا نهاية، ولا تحلموا بتقسيم يولد من رحم الخراب. فالزمن، وإن بدا ساكناً، يتحرك ضد من يطيل أمد النزيف.
ومع ذلك، يتصرف كل طرف وكأنه المالك الحصري للتأويل: الجيش يراه هزيمة للدعم السريع، والدعم السريع يقدمه كبرهان على أولوية السلام والوحدة في مشروعه. لكن الحقيقة أن كليهما تجاهل الإشارة الجوهرية: المشهد المقبل للسودان، إذا تحقق، سيكون مدنياً بالكامل، بلا أزياء عسكرية ولا رايات مليشياوية.
وسط هذا الانسداد، يطل خيار ثالث. تحالف “صمود” المدني يستطيع، إذا امتلك الجرأة، أن يلتقط خيط البيان الأممي، وأن يخرج من الشرنقة التي كبّلته بها الانحيازات الضيقة. فالتاريخ لا ينتظر، والفرصة لا تمنح مرتين.
المجلس يبحث، ضمناً، عن طرف قادر على حمل مشروع الدولة، بلا أجندات عسكرية، بلا إرث دموي، بلا وهم أن البندقية تبني وطناً.
قد يكون هذا هو الصدى المتأخر لهتافات ديسمبر، وقد يكون اللحظة التي تثبت فيها الشعارات أنها لم تكن حلماً عابراً، بل خريطة طريق لسودان لا يحكمه العسكر ولا تلتهمه المليشيات.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

الناجيان

نزار عثمان السمندل الناجي عبد الله يتحدث بنبرة رجلٍ لم يغادر زمنه الأول.طمأنينة صاحب يقين …