مقدمة
هذه التقدمة هي جزء أصيل من دراستنا غير المنشورة (لماذا تستقوي النُخب الشمالية بالآخر .. لمواجهة إستعصاءها الداخلي ، مُنذ المهدوية إلى قحت ؟).
حين وجدتُ أن معالجة جوانب أبنية ومنطلقات تلك الدراسة لا يمكن إستيعابها في نص واحد.
إنتهت التقدمة.
- كيف جرد حميدتي النُخب الشمالية من كمبرادوريتها؟ إحتكارها الميزة الكمبرادورية؟
محمد حمدان دقلو رغم سلبيات ضعف تكوينه السياسي والمدرسي التعليمي ، هو أول قائد سياسي في الهامش والريف ، من خارج دائرة مايسميها الدكتور علي مزروعي ، في دراسته الأثيرة (نخب أو طبقة المتعلمين في إفريقيا : 1978).
بعد الدكتور جون قرنق (1987) وفشل محاولة سلطان دارفور على دينار (1916) الإرتباط السياسي الإقليمي ، إستطاع أن يحوز على ولاء محور إقليمي مُهم ومُؤثر جيوسياسياً مثل المُؤثر النفطي التجاري والصناعي (دولة الإمارات العربية المتحدة).
تلك الفيدرالية الخليجية التي ولدت من رحم اللاوجود السياسي في السبعينات. وحققت نجاحاً سياسياً مؤثراً وفارقاً تنموياً إقليمياً حجزت به مساحة ومقعد التأثير الإقليمي ، بتحقيق انوجادها السياسي وأنوجادها التنموي ، بالقياس إلى فيدراليات – محميات لديها تاريخ أطول وإرتباط أكثر تاريخية بالدول الغربية التوسعية تعييناً بريطانيا وفرنسا وأمريكا لاحقاً.
كانت النخب والبرجوازيات الصغيرة في الممالك الشمالية العشرة ، منذ القرن التاسع عشر منذ علاقة الملوك التقليديين (صبير وشاويش ونمر بالخديوي إسماعيل باشا) وصولاً إلى نهاية القرن التاسع عشر (الزبير باشا ورابح فضل الله وبرير أم إلياس) إلى بداية القرن العشرين (الثلاثي المهدي و الميرغني والهندي).
إنتهاءاً بستينيات القرن العشرين حتى نهاية السبعينيات منه ، بالمثقفين أو المتعلمين الشماليين الكمبرادوريين في العراق (البعث) و إريتريا (الجبهة الثورية) و إثيوبيا (الوياني) إلى ليبيا (جعفر محمد علي بخيت وبابكر كرار وآخرين).
من الستينيات في بلاط عبدالناصر (عبدالخالق محجوب وبابكر كرار). إلى التسعينيات والألفية الجديدة إلى ظاهرة عبدالوهاب الأفندي في قطر وآخرين.
إنتهاءاً بالمجموعة الشمالية الكمبرادورية المتأخرة في عروش حركات الريف أو الهامش المتحركة ، عرش قرنق (ياسر عرمان ووليد حامد) إلخ وقبلهم الدكتور منصور خالد. عرش خليل ابراهيم الخ.
هناك مجموعة كمبرادورية شمالية (أصغر) ، أيضاً عملت وحاولت العمل مع الثورة الجزائرية في الخمسينات إلى الستينات. وفي اليمن أيضاً في التسعينات ونهاية الثمانينات. أيضاً في سوريا وإيران الخ.
لا أغفل في ذلك أيضاً ، النخب والوكلاء الكمبرادوريين الشماليين في منظمات الأمم المتحدة العديدة والمنظمات الأمريكية لحقوق الإنسان ، في الإعلام الخليجي الذين شاركوا مباشرة ودون مواربة في حرب 15 إبريل 2023.
إستخدموا مواقعهم الوظيفية في الخارج سعياً وراء إستقطاب تجريم الآخر وإدانته لتعويض هزيمتهم العسكرية في الصراع ، بما في ذلك العمل الدؤوب على تبني رواية الدولة الرسمية وحمل الإعلام الخارجي على تبنيها ، كما هو في حالة الصحفية لينا يعقوب التي تشغل مديرة مكتب لإحدى وكالات الأخبار الخارجية الممولة خليجياً مثلاً ، والمدعو فوزي بشري احد المشرفين في قناة الجزيرة القطرية ، دون أية إعتبارات للنزاهة والحياد المهني زاعمين انها حرب -بقاء وطنية – تخصهم ولا يمكنهم فيها ممارسة الحياد بسبب ضغوط مجتمعاتهم.
هنا لم يكونوا مجرد مستشارين ووكلاء كمبرادوريين. بل جواسيس (غواصات) أيضاً لصالح منظومة الهيمنة الشمالية في قاعدة الخرطوم العسكرية المسماة جُزافاً بالقيادة العامة.
ظلت هذه النُخبة المناطقية ، تحتكر الولاء الخارجي Patronage كواحد من أهم نقاط قوتها (المتعدية طائفياً و ثقافياً) إلى جانب إحتكار الولاءات الداخلية Clintelism ، عبر نهج التخويف والترهيب والدسائس. رُغم ضعف بنيتها الإجتماعية الأنثربولوجية وضعف تماسكاتها الداخلية التي لا تستند إلى شبكة تماسك – تعاضد إثني حقيقي ولا تأثير إجتماعي حقيقي.
حملة النُخب والبرجوازيات الصغيرة الشمالية (المسعورة) ، في الهُجوم على (الإمارات) والتدخل الخارجي , حملة غير متسقة اخلاقياً لجماعات إثنية لديها تاريخ من الإرتباط بالأجنبي.
لكنها تمارس الإنحياز الذاتي والتضليل الرمزي ، السرد المخاتل والكتابة التنقيحية التحريفية والتزوير التاريخي لحماية مصالحها غير المشروعة.
(من الصحافي عثمان ميرغني إلى المؤرخ الرسمي يوسف حسن فضل ، رمز مدرسة التحريفيين العشرة من طلاب جامعة الخرطوم الذين قاموا بتزييف التاريخ الوطني للمجتمعات والقوميات الوطنية السودانية المتعددة وإعادة كتابته من خلال تزييف الإرشيف الأنثربولوجي الإستعماري (مجلة رسائل ومدونات) وإهمال الرواية الشفاهية إنطلاقاً من المركزية الإثنية القروية الشمالنيلية للمالك الشمالية النيلية العشرة).
جماعات إثنية مناطقية وصلت إلى السُلطة من خلال إستقبال وحجز مقعد الكمبرادور وإستدعاء التدخل الخارجي لمصلحتها السلطوية ، وصلت إلى السلطة من خلال التدخل الخارجي الإستعماري (1898).
هي أيضاً حملة إبتزاز سياسي إجتماعي (فشلت أورطة قوة الدعم السريع في التصدي لها سياسياً وهزيمتها ، بسبب ضعف خطابها السياسي ومبرراتها السياسية الإجتماعية في الداخل ، وميكانيكية عقليتها الجمعية وتوجُهها الأعمى لتحقيق مشروعها الإجتماعي ، لإنتاج دولة كوربراتية سلطوية عنصرية (مُغايرة) بأي ثمن ، ومهما كانت الخسائر الأساسية والجانبية) تَهدُف أساساً لنزع هذا المقعد .. من التمثيل السياسي والتحالف الإجتماعي لأورطة قوة الدعم السريع وإحتكارُه. أكثر مما هي لوثة عداء حقيقية للتدخل الخارجي.
ذلك بعد أن كان الإقتصاد السياسي للنُخبة الشمالية ، أو السلعة التاريخية التي إرتبطت بها النُخب الإقليمية للممالك الشمالية العشرة في الخارج (خارج دولة السودان التركو مصري) منذ (1820) , هي تصدير المواد الخام المسروقة من الهامش بسخاء. وتصدير السودانيين أنفسهم لذلك الخارج برُخصٍ وإذلال.
أي تصدير السودانيين في الهامش كسلعة ، كرقيق قابل للتصدير ، الجنود السودانيين من الهامش – بدون أي تعويض إجتماعي لمجتمعاته – للخارج كقنانة مسلحة رخيصة ، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
أولئك الذين تمت المشاركة بهم في حروب خارجية ذات طبيعة إرتزاقية في المكسيك وليبيا وإرتريا الخ.
أخيراً تصدير إحتياطي العمالة السودانية غير الماهرة (البطالة المقنعة) في الهامش إلى دول الخليج ، أو السوق الهامشي في الدول الأوربية (حركة المهاجرين غير الشرعيين من مديرية دارفور في ليبيا إلى الشواطيء الأوربية).
- السودان بلد حكامة القواعد العسكرية والكمبرادورات الخارجية
ظل السودان الأنغلو مصري منذ (1899) وبشكل أكثر تحديداً في الخمسينيات خصوصاً بعد (1954) بلد يُحكم من خلال القواعد العسكرية (ثكنات بريطانية مصرية سابقة) , من خلال الظاهرة الكمبرادورية ثم تليها الظاهرة الزبونية.
هذه الثكنات العسكرية (الحاميات العسكرية المركزية والمُتناثرة في الولايات الإقليمية) تحت مسمى الفرقة (01-22) تحولت إلى (كُبانية ، كُبانيات) Companies مثل تلك التي إرتبطت بما يمكن تسميته تاريخ الزبيرلوجيا.
- (الزبيرلوجيا) ، نسبة إلى المُرتزق الشمالي (الأول) في القرن التاسع عشر سيئ السُمعة (الزبير باشا). إرتبطت بتصدير سلعة الجنود السود وحراسة إستغلال الموارد الأولية والركاز (النفط والذهب) ، في الولايات الإقليمية المُختلفة ، لصالح النُخب الإقطاعية الشمالية وشركاؤهم الإجتماعيين.
ما تُسمى قاعدة (القيادة العامة) أو ثكنة القيادة تحولت خلال سبعين عاماً إلى دائرة corporation أكبر من دائرة المهدي في العشرينات ، نشطة في الإستثمار في التجارة وتصدير الجنود. الإنخراط في نزاعات المصالح المحلية.
النخب (المُستأجرة) migrate technocrats والنخب (المُستدخلة) introjected class إلى جانب الأنتلجنتسيا القروية الريفية الشمالية المهاجرة من الممالك الشمالية العشرة ، الموجودة في قاعدة (ثكنة) الخرطوم.
الثكنة التي لم تتحول إلى مدينة ميتروبولية ، إلى مركز تجاري وإنساني حقيقي .. طيلة قرنين ، بالمعنى الذي ينبغي وتوفره الشروط المحلية (شروط الوفرة). وبعد سبعين عاماً من خروج الحكمدار البريطاني من شارع مكتب الحاكم العام الذي يعرف لاحقاً بإسم شارع النيل.
(تاريخ الزبير باشا في بحر الغزال المتكرر مع تاريخ رابح فضل الله في مجتمعات سلطنة البرنو أو برير أم إلياس في شمال كردفان.
- سيسيولوجيا الإرتزاق Mercenarizationof of third world.
- أو تحالف الهمباتة في تعبير صاحبه , أبكر آدم إسماعيل).
من خلال الإرتباطات الأجنبية الهامشية (دون الجيوسياسية) مثل النِفوذ العابر إقليمياً ، الصيني التركي القطري الإيراني.
الإرتباطات الجوهرية الإقليمية (الجيوسياسية) ، أي التدخل أو النفوذ المصري sub-regional satalite.
ذلك الذي لم يكن ينازعه إلا التدخل والنفوذ الإقليمي الليبي (ثورة القذافي الثقافية) والسعودي (الملك فيصل).
- السودان بلد إستقطاب مشاريع الإرتباط الخارجية
أ. مشروع ثورة الترابي الثقافية هو نفسه المشروع الليبي
مشروع ثورة الترابي الثقافية (1969) ، القائم بنيوياً على (تحالف أو دكتاتورية الأقليات الخُلاسية غير المُستقرة زراعياً غير المرتبطة بالأرض غير المالكة لها في الريف) ونظرياً على إستبدال القومية الأصلية (native independence) في العالم الثالث.
في مجال دول غرب إفريقيا التي كانت جمهورية السودان واحدة من جُمهوريات مدارها الفلكي أو رابطتها الجيوسياسية ، إستبدالها بالقومية الإستيطانية (settler independence). من أجل إنتاج نموذج ستاليني إسلامي بهذه الأبعاد الإجتماعية المحددة.
المهدوية , أيدلوجيا مركنتلية لتجار الرقيق الشماليين المنحدر ين من الممالك الشمالية العشرة لتأليب مُجتمعات المناطق المغلقة ضد الإدارة الإستعمارية التركو مصرية (حسب القدال وعبدالله على إبراهيم بالتتابع) ، تحديداً مجتمعات تجارة الرق المركنتيلي المنتفعة منه (من ممارسة الإقطاع الصغير) سلعياً في غرب السودان في نهاية القرن التاسع عشر.
القائم نظرياً على دعوة المجتمعات غير الشمالية من القبائل والإثنيات غير المستقرة زراعياً في حزام السافنا أو حزام إثنيات البقارة ، إلى الإنغلاق السياسي والإنعزال الشامل عن التغريب (النسخة المحلية من بوكو حرام النيجيرية) ، في مواجهة الإنفتاح على الغرب والتحديث من خلال التغريب السياسي الإيجابي (الذي تتبناه الأيدلوجيا التركو عثمانية).
النظرية السياسية لايدلوجيا الزبيرتاريا أو المهدوية ، قائمة أيضاً على تحالف الأقليات الخُلاسية غير المُستقرة زراعياً غير المرتبطة بالأرض غير المالكة لها ، وإخضاع الإثنيات الفلاحية وشبه الفلاحية المالكة للأرض لسيادة وهيمنة هذه الأقليات (المُحاربة) militant nationalism. لثورات الجنود (الزبيرتاريا).
المهدوية كثورة ثقافية للأقليات الخلاسية غير المستقرة زراعياً كثورة جنود ، كانت مقترضة ثقافياً وفكرياً من الدعوة السنوسية في شرق ليبيا ، من الأيدلوجيا العقائدية والسياسية إلى ألوان العلم.
- يمكننا هنا تعريف النزعة الستالينية نفسها ، بأنها نزعة إلى نموذج ثورات الجنود preatorian ، في مواجهة نموذج ثورات المثقفين التي يكون عمادها القنانة والأقنان الحضريين intellectual ، أيضاً في مواجهة نموذج ثورات الفلاحين في الريف peasantry.
حاول الترابي تنفيذ نموذجه الثقافي عام (1976) من خلال هجوم تحالف الجبهة الوطنية الشمالية لإزاحة نظام النميري. وعاد لتنفيذه بعد عشر سنوات (1987).
ب. مشروع ثورة قرنق الثقافية هو نفسه المشروع الإثيوبي في شرق إفريقيا
مشروع ثورة قرنق الثقافية Garangism
أسميها أيضاً تحدي قرنق الثقافي (الكتلة السوداء)أو (الكتلة الفلاحية السوداء) , أو (تحالف الأصليين ضد المستوطنين) , أو (تحالف الأغلبيات الفلاحية المالكة للأرض ضد الأقليات الخُلاسية غير المُستقرة زراعياً غير المرتبطة بالأرض غير المالكة لها) وهم المُهاجرين العرب (نظرياً).
رغم أن تحدي قرنق حاول معالجة نظريته وازمة العالم الأصلي في إفريقيا والعالم الأصلي.
ذلك من منطلقات متعددة نظرياً ثقافياً ، من نيريري إلى البرت ممي في كتابه الأثير (المُستعمِر والمُستعمَر) ونظرية الأصلي والمُستوطن الخ ، إلا أن مشروعه الأصلي مشروع القوميين أو الإنفصاليين الجنوبيين آنذاك ، هو المشروع الإثيوبي في شرق إفريقيا عن (وحدة القوميات الفلاحية). قبل ثورة 1975 وبعدها.
native party in third world , in Africa.
(التحدي التاريخي) الذي سعى لمعالجته جون قرنق وتحديه الثقافي من خلال نظرية متماسكة (خطاب عالم أصلي أو أكثريات فلاحية إفريقية بدون أقليات غير إفريقية) = خطاب القومية الوطنية الخالصة بدون أقليات بدون نزعة كريولية (تحايلية) على مصطلح تصنيف الهوية ، ذلك الذي إصطلح عليه تلامذة قرنق لمناقشة مسألة الهوية (القومية).
pure ethnic composition.
أن (الأقليات) والأقليات الخلاسية تعييناً ، دائماً عبر التاريخ ، كانت مدخلاً وقنطرة ذرائعية ثقافية لإستعمار العالم الثالث (الأصلي) وغزوه من الداخل ، أو ذريعة الغزو الخارجي لذلك التدخل.
إستخلاص إخفاقات مشروع قرنق والإرتباط الإثيوبي
أول تلك الإخفاقات التحررية ، أن ثورة قرنق الثقافية كرست (عرضاً) نازية جنوبية شديدة العدائية ، معادية للأقليات والآخر الخُلاسي (المندكورو) الشمالي. في لحظتها ، أكثر مما حققت التآخي الممكن (الإخاء) بين الجنوبيين والشماليين لظروف صراع ومقاومات مُضادة مفهومة ، في الشمال نفسه للوحدة مع الجنوب.
أ. رغم أن نظام منغستو في إثيوبيا (1975) يُعتبر حجر الزاوية الأحدث بعد تنزانيا نيريري ، للرابطة الإشتراكية في شرق إفريقيا.
ب. إلا أن رابطة الإرتباط الخارجي بالرابطة الإثيوبية Ethiopiphone في الجنوب الكبير ، التي أنتجت وأستولدت ميلاد الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان الثاني بعد صحوة الإستوائيين في الخمسينيات أو ثورة قرنق الثقافية garangism (1983).
ج. لا أنه رغم تمثيلها وحدة وطنية إقليمي تكتيكية في مواجهة الشمال الكبير ، لم توجد نظام الإخاء والتعايش الإجتماعي بين الدينكا النوير (الصدام المسلح الدامي) وبين الدينكا والإستوائيين (الصراع الخامل) بين (1996-2012).
ج. مشروع مُثقفي الممالك الشمالية (الثالث) هو نفسه المشروع المصري الناصري
هناك ثلاثة مشاريع سياسية كبيرة أُنتجت في سبيل تطور النخبة البرجوازية الشمالية ، لإنتاج لدولتها الكوربراتية التسلطية الخاصة بها.
مشروع القومية الشمالية على يد المؤسس عبدالرحمن المهدي (الأب) في (1916) ، مشروع طليعة المثقفين الشماليين المسمى مؤتمر الخريجين (1938) ، مشروع الطبقة الوسطي الشمالية المهاجرين خارج حدود ممالك الشمال النيلي العشرة أو الإقليم الشمالي (1945).
المستمر حتى تاريخه وهو الذي أفرز ما عرف لاحقاً جمهورية (1956) من وحي مساومة سياسية حصلت عام (1954) لعبت فيها القاهرة وضباط عبدالناصر دوراً خفياً في تسليم سلطة الإدارة البريطانية إلى حلفاءها الشماليين ، بدلاً عن الكريول (الملكية) فيما سميت سابقاً ثورة جمعية اللواء الأبيض عام (1924).
مارس المُثقفين الشماليين المنحدرين من خلفية ريفية فقيرة (بروليتاريا ريفية) ، بمساعدة مصر سلوكاً (إنفصالياً) منذ عام (1955) ، لعزل القوميات والأقاليم الأخرى تدريجياً عن السلطة المركزية (فيما يبدو أنه تتبع لمنهج نظرية السور الحديدي لجابتونسكي) التي ذاعت في الأربعينات.
هدفهم النهائي في ذلك إنتاج (بيافرا) إنفصالية شمالية أخرى ، عرفت لاحقاً في نادي إعترافات المسؤولين الشماليين السابقين مثل عبدالرحيم حمدي بمثلث حمدي أو دولة النهر والبحر. الذي رفض ان تمتد خطوط التنمية خارج حدود المناطق الموالية لهيمنة القومية الشمالية.
ظروف الهيمنة والإرتباط بين الإستعمار بين إثنية (الإيغبو) Igbo في شرق جنوب نيجيريا ومسرح خروجهم من السلطة كأقلية منبوذة ، وجغرافيا كما أنتلجنتسيا ممالك القومية الشمالية العشرة ، متشابهة حد التطابق.
سعى الشماليون بمساعدة المصريين منذ (1956) لدفع أقاليم السودان الأخرى بقوة نحو الإنفصال والخروج من الوحدة الوطنية اليونتارية السودانية.
ذلك تدريجياً من خلال الإستراتيجية الإسرائيلية الروسية (جابوتنسكي) المعروفة باسم السور الحديدي ، التي تستغرق وقت طويل لدفع الأطراف غير المرغوب فيها إلى الإنفصال.
الهدف النهائي أو الستراتيجية طويلة الأمد من ذلك توليد جمهورية عزلة أخرى أو دولة (بيافرا) مماثلة.
إذا عدنا إلى تقسيم إفريقيا عام (1885) والقوى الحاضرة المُمثلة فيه ، كان السودان التركو مصري قدصمم أصلاً مثله مثل (ليبيا) كدولة عازلة لمصر bufferzone ، عن الحدود الإفريقية أو عن دول جنوب الصحراء ، تحديداً عن إثيوبيا والعكس حيثُ لم تكن ترغب إثيوبيا في جوار مصري لأسباب تاريخية مفهومة.
عليه قام القوميين الشماليين بهذه المهمة عن اكمل وجه. وهي عزل جمهورية السودان عن محيطها الإفريقي خلال سبعين عاماً ، عن عمقها الإفريقي ، لصالح البوابة المصرية.
وهي نظرية الجدار الأخير في حال إستبدال الأقلية الشمالية أو خروجها من السلطة. هو تشكيل بيافرا شمالية أو جدار عازل بين مصر وكلاً من الجنوب الكبير و مديرية سلطنة دارفور.
السودان التركو مصري او الأنغلو مصري يواجه قدراً جيوسياسياً عصيباً ومأزق تاريخي ، مثله مثل مأزق اليمن الموحد أو مأزق أفغانستان الخ. (النماذج القعيدة) التي لن يسمح لها جيرانها بالإستقرار السياسي أو التطور.
إستخلاص إخفاقات مشروع عبدالناصر في الشمال أو بيافرا الشمالية
من خلال تمويل تجربة نظام مايو (الدعم المخصوص) أو الدعم المُطلق للأنتلجنتسيا الشمالية منذ الخمسينات ، فشل مشروع الإرتباط الخارجي بمصر الناصرية) ، حتى في إيجاد الإخاء بين مكوناته ، مكونات مشروع بيافرا الشمالية. أو مشروع دولة البحر والنهر المزعومة.
وهي القومية الشمالية الأصل في الممالك الخمسة من الجنوب إلى الشمال (من مملكة شندي إلى مملكة الشايقية في مروي). بينها وبين المكونات الأخرى وهي 1/ الشمال النوبي (القومية النوبية) 2/ الشمال التبداوي (قومية البجا) 3/ إثنيات وسط السودان.
- السودان بلد الخُصوصيات المحلية في إستيعاب النماذج المستوردة المُنتجة للتنافُر الإدراكي
إرتبطت التجربة المحلية في السودان ، بما يمكن تسميته (تمحيل وتوطين مشاريع الإرتباط الخارجية). أي عدم الحفاظ على النموذج الأصلي لمشاريع الإرتباط الخارجية ، بل إنتاج نسخة محلية مشوهة ومعطوبة منها.
ربما بسبب العزلة الثقافية الإجتماعية منذ القرن السادس عشر وعدم القدرة على الإتصال الخارجي ، أو التواصل التبادلي مع الخارج.
ثورة الترابي الثقافية (1990) ، مثلا كنُسخة مشوهة عن النموذج الأناركي الليبي بخصوصية محلية (نازية). أو هوية فلاحية عُنصرية ضد القوميات غير الشمالية.
المهدوية (1885) ، نسخة مشوهة من الدعوة والثورة السنوسية بخصوصية محلية أخرى مغايرة أو نازية ثقافية (مناطقية) مضادة لمجموعات ثقافية أخرى.
حُدود المُفارقة بين توجُه الترابي والرابطة الإخوانية Ikhwaniphone من جهة ، بين المهدوية والرابطة السنوسية Sanousiphone ، الموجودة في عدد من أقاليم غرب إفريقيا الأخرى ، مثل دار زغاوة دار مساليت سلطنة وداي سلطنة باقرمي الخ.
أيضاً في أقاليمها الأصلية في شمال الجزائر وجنوبها الخ.
هي أن تلك الإيدلوجيات الأصلية ، تحمل سمت وملامح العقيدة الفاشية (الإحيائية) أو (التجديدية) البسيطة ، لكن التجريب المحلي وتوطينها أنتج خصوصيات مفارقة للمفهوم الأصلي.
مثل تلك النازية العنصرية الفلاحية المعادية للإثنيات غير الشمالية التي أنتجتها ثورة الترابي الثقافية.
النازية شبه الفلاحية المعادية للإثنيات المستقرة زراعياً المسماة في القرن التاسع عشر (وحدة إثنيات العطاوة) pan attawism تلك التي كانت تجسدها بشكل أساسي علاقة إثنية المسيرية الحُمر (مركزية علي الجلة وغيره) بالمهدوية ، كمركز خفي أو هامش وكتلة فلاحية ثقافية لصالح مركز المهدوية.
وهي نازية مبكرة معادية لإثنيات وادي النيل لكن أيضاً معادية لجميع الإثنيات المستقرة زراعياً.
يمكننا القول في ذلك ، أن النازية التي انتجتها ثورة الترابي الثقافية (غرابة فوبيا) desertophobia ، هي نفسها النازية التي أوجدتها المهدوية في القرن التاسع عشر معكوسة (نهروفوبيا) hydrophobia culture أو بالمقلوب والتضاد الهوياتي.
النازية لم تكن موجودة في الشرق الأوسط والعالم العربي (الناصري) إلا في سوريا والعراق واليمن الشمالي.
حيث تقاليد الإضطهاد العِرقي ضد العلويين والكرد والزيدية في أقصى شمال اليمن ، التقاليد العنصرية التي أنتجت نازيات مضادة counter national socialisms (naziates) ، ذات سلوكيات (إنفصالية) Sepratist في داخل السلطة وخارجها ، طويلة الآماد بغاية الإذلال الثقافي اللانهائي من أجل تصحيح الهويات (المَغلوطة) أو الهويات (المُتهمة) حتى تُثبِت أو تَثبُت براءتها وصوابيتها الثقافية الخ. من خلال ثُلاثي الإستيعاب القسري الإستعداء وإحداث الصدمة الإجتماعية الخ.
أعتقدُ مما تقدم إيحازه أن حكومة جمهورية (1956) الطويلة ، أو سبعين عاماً من ثأر الجلابة Jellaba’s vengeance ، هي نازية مضادة لتجربة المهدوية ، لا نازية بسيطة.
لعل ذلك ما يطابق رأي المُعلق السياسي والقانوني (ابوبكر القاضي) في مقالته (2019) ، عما أسماه (محمود ود أحمد فوبيا). وأرى أنا حُسن ترجمتها إلى طائفة (الخائفين من محمود ود أحمد).
الرابطة السنوسية (سنوسي فون) والرابطة الإخوانية (إخواني فون) ، التي هي روابط إرتباط خارجي جيوسياسية بمركز ثقافي في (مصر) أو في (برقة) الليبية الخ.
كانت كروابط أيدلوجية جيوسياسية يمكن أن تكون روابط إخاء brotherhood وتعايش coinhabitant ion ، مُتاحة ومبذولة بين القوميتين في وادي النيل وغرب السودان.
القوميتين اللتين كانت يفترض أن تكون مساحة الحرب والعداء (المشترك) لإثنيات الجنوب الكبير (الزنجية المشاعية – الطوطمية الجذور) ، منذ (1955) حتى (2013) ، فُرصة مثالية لتوحدهما وتأخيهما.
مثلها في ذلك ، مثل الرابطة السوفياتية بين أذربيجان وارمينيا الصغرى ، مثلاً أو جورجيا كما اوكرانيا مع روسيا الصغرى (غير التوسعية) إلخ.
لكنها بدلاً عن ذلك تحولت إلى رابطة تناحرية Antagonist society ، بين هاتيك القوميتين كما حصل داخل ذات (المهدوية) بين الخليفة عبدالله تورشين (التعايشي) و(الأشراف).
داخل ثورة الترابي الثقافية (نظام الجبهة الإسلامية للقوميين الشماليين) ، بين اولاد البحر (بجناحيهم اليساري اليميني حسب التصنيف الثقافي) , وأولاد الغرب (بجناحيهم أيضاً حسب التصنيف الثقافي) ، في مُفاصلات (1999) و(2023) على التوالي.
يمكن النظر أيضاً في فشل مشاريع الإرتباط الخارجي في توحيد إثنيات متنافسة ، أو إيجاد نظام الإخاء والتعايش بينها في حالة السودان.
حيثُ يعتبر نظام مايو (1969) الإشتراكي ، جُزء من الإرتباط الخارجي ، الذي لم يكتب له الإستمرارية في السودان الأنغلو مصري ، مع الرابطة الناصرية والمد الناصري الإفريقياني و العربي معاً.
لقد فشل نظام مايو (1969) ، في توطيد نظام الإخاء بين الجنوبيين والشماليين , على أساس من الرابطة الإقليمية الإشتراكية ، بين الإشتراكية العربية الناصرية (مايو) والإشتراكية الإفريقية (أنتلجنتسيا الجنوب) بحلول (1983).
بل فشل في تحقيق مثل هذا (الإخاء) المنتظر بين الشماليين أنفسهم.
- فشل سيسيولوجيا الإرتزاق أو الوكالة المحلية في إيجاد دولة وطنية
اؤمن أن عملية حل المُؤسسات الكولونيالية في السودان الشمالي (محل النزاع بين القوميات) ، لن تؤدي إلى إيجاد الدولة الوطنية من بين فرث ودم التناحُر العرقي الإجتماعي بين المكونات والتحدي الإثني.
وقد أدت فعلاً سيسيولوجيا الإرتزاق أو ما أسميه نزعة الزبيرلوجيا zubair-logy (تحويل مؤسسات الحكم الكولونيالية الموروثة إلى طابع الإرتزاق لصالح مشاريع خارجية) mercenarization of colonial legacy ، إلى إيجاد مؤسسات بديلة للدولة الوطنية. مؤسسات بداوة سياسية وسلطة سائلة من الفساد والمحسوبية والدمار الذاتي.
أخذتها (تلك الحركات الإجتماعية التي تنحو منحى سيسيولوجيا الإرتزاق) أو الإرتباط بمشاريع خارجية لتحقيق التفوق أو التوازن السياسي الداخلي ، في منحى الكوربراتية التسلطية حتى تضخمت من كونها أورطات (حاميات إقليمية) متمردة إلى جيوش بديلة ومؤسسات بديلة لمفهوم الدولة (مؤسسة الجلابة في الشمال ، مؤسسة الحركة الشعبية في الجنوب المصغر ، مؤسسة أورطة الدعم السريع في غرب السودان والمؤسسات الإجتماعية الأصغر المنافسة له داخلياً).
ذلك بسبب الإستعصاء المنهجي المعرفي السلوكي لإيجاد وتوليد مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية والكتلة الديمقراطية أو التكيُّف معه (في الواقع المحلي) ، في مُواجهة الكتلة الإقطاعية والنيوإقطاعية الباحثة عن تحقيق (الرأسمالية المتأخرة) على حساب الوحدة الوطنية والمساواة بين السودانيين والقوميات الوطنية السودانية.
** كان الترابي يعتقد من خلال نموذجه الكوربراتي السلطوي (الفاشل) ، ومن خلال إعادة إنتاج تحالُف الهمباتة (تحالف مُرتزقة الريف) بين الشماليين وبعض الإثنيات الخُلاسية غير المُستقرة زراعياً غير المرتبطة بالأرض غير المالكة لها في سلطنة دارفور أو غيرها ، يمكنه إنتاج ستالينية وطنية national stalinism أو دولة وطنية (ذات طبيعة ستالينية) من خلال العُنف ومن خلال كلمته في (1987) المقولة (.. إذا كان العنف ضرورياً لإرادتنا الوطنية فلماذا لا نستخدمه؟) إلخ.
ثبت أنه بعدها ، قام بتوليد إنفجار تناحريات عرقي (عظيم). لا دولة ستالينية وطنية.
** مشرُوع ثورة قرنق الثقافية وتحديه التاريخي (1983) , لم يُنتج أيضاً دولة وطنية ستالينية في الجنوب ذاته ، تُوجد رابطة (الإخاء) بين الجنوبيين أنفسهم ، بل نموذج كوربراتي سلطوي مُغاير .. متعالي على الجنوبيين (نموذج الهيمنة المركزية الإثنية القروية للدينكا).
ساهم في تحفيز (العلاقات التناحرية) أو ما يسميها المفكر الكبير الدكتور بيتر أدوك ، (الحرب الدائمة) بين مكونات الجنوب إلى ما لا نهاية.
الخلاص من مسار هذا المأزق (الكوربراتي السلطوي) الذي جعل من تلك النُخب تستبق ولادة وتكوين الدولة الوطنية (الديمقراطية) ، نُخب السُلطة المتنازعة power Elites بتعبير سي. رأيت ميلز في (1956).
بإنشاءها نماذج جنينية إجتماعية (كوربراتية) أو (تضامنية قروية) ، تعرف على أنها أيضاً نظام حرب إجتماعي (نظام إجتماعي تقليدي للحرب في القبيلة) Social order of war , بدلاً عن تنظيم المجتمعات الإثنية والقوميات العرقية (الوطنية) كما هو في نص النظرية الستالينية (الأصلية). وهذا يُظهر التوليد الشائه (الولادة المشوهة) أيضاً للنظرية الستالينية (المستوردة) في التُربة المحلية (السودانية).
أعاقت تكوين الدولة بأن تكون تلك الجماعات المتنافسة إثنياً داخل بنية (نُخبة السلطة) مابعد الإستعمارية الواحدة كما هو في تعبير رايت ميلز ، مُجرد حراس بوابات (حرس أيدلوجي) لمشاريع إرتباط جيوسياسي خارجي مصري أو ليبي أو إثيوبي.
يكون بالتخلُص من النزعات الإنفصالية (الثأر التاريخي للإثنيات). من الخوف من فقدان السلطة والتوزيع العقابي للثروة ، بأطروحات الإندماج الإجتماعي مثل الفيدرالية متعددة القوميات ، بمُراقبة التوجهات النازية الجديدة (الإشتراكيات القومية) ، مُراقبة خطابات الكراهية العرقية والهروب من المساواة ، من فُقدان السلطة ، بمُراقبة صِدام المشاريع العنصرية , أو كما تجسده حرب 15 إبريل 2023.
- مالك مجموعة سودان بريدجز للإستشارات الأمنية والإتصال.
SUDAN BRIDGES ADVISORY GROUP FOR SECURATIC CONSULTING AND COMMUNICATION.
Northernwindpasserby94@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم