ما أكثر العبر وأقل الاعتبار والغنوشي (1) .. بقلم: د. محمد الشريف سليمان / برلين
14 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
22 زيارة
يظهر الواقع المرير ان العوامل الخارجية غدت منذ استقلال السودان هي الحكم الفصل في حل المشاكل التي لازمته كالظل مع خروج المستعمر . وزاد الامر تعقيدا ان النخب التي حكمت البلاد ، ساهمت بفعالية مستوردة في تعميق الاعتماد على العنصر الخارجي في ادارة شئونها الخارجية . نعم لقد جنحت النخب السياسية الحاكمة دائما نحو التوازنات الخارجية على حساب التوازنات الداخلية والمواطنة (اي على حساب الهوية السودانية) ، بل التركيز دائما على كيفية إستمرار القبضة الحديدية لمفاصل الحكم دون مراعاة الاخطار المحدقة بالبلاد ، والتي تنصب في مجرى تقطيع وتمزيق اوصال السودان . هذه السياسات دفعت بالحكومات السودانية المتعاقبة على دست الحكم الى مجرى التدويل لحل أزماتها العالقة مع قبر التوافقية الوطنية الداخلية.
هذه التوافقية الوطنية أي الوفاق الوطني ، نفقدها اليوم في بلدنا السودان ، وذلك بالصراع الدائر (كالساقية) المتجدد بين القابضين على زمام الحكم ومختلف اطياف المعارضة السياسية والعسكرية . وعرف الفيلسوف اليوناني أرسطو هذا المصطلح ، بانه حياة مشتركة وصداقة ، مفترضا ان وحدة المشاعر هو التفاهم القائم داخل المجتمع ، فضلا عن وحدة الاراء . ولذا يعتبر التفاهم توافقا وإنسجاما في نطاق العمل لا في نطاق التفكير . والواقع ان البلاد التي لا تفلح في تحقيق الوفاق الداخلي ، تتحول الى مسرح للانقلابات العسكرية والإنتفاضات الشعبية وما يسبقها من العصيان المدني أو المسلح . وبمعنى أخر فإن الوفاق هو شراكة ترتكز على وحدة المشاعر المتجسدة في مفهوم الوطن والوطنية . ولهذا لا توجد بدون الوطن سلطة ولا عظمة ولا مجد ، بل يتلاشى مفهوم الوفاق الجماهيري للمجتمع.
تعرف المجتمعات البشرية ، ان الحوار حول قضاياهم يمكن ان يصل بهم الى التسوية والى ايجاد المساحة المشتركة بينهم . ويقول احد المثقفين ، والذي ناضل من أجل تحقيق الوفاق الوطني لبلده: ليست التسوية الوفاقية عيب ، ولكن العيب إذا لم يكن هناك تسوية وتسويات ، والدولة تبنى بتراكم التسويات ، لا بغيرها . غياب التسويات يؤدي في كل مجتمع الى تفاقم التشنج ، وهذا يؤدي بدوره الى تعمق الإنقسامات ، وإلى انفجارها في نزاعات أهلية.
ان التشنج السياسي الجاسم اليوم على صدر المجتمع السوداني والمرتكز على غياب التسوية الداخلية والتعول على التسوية الخارجية ، يقود الى تفاقم العجز في الاقتصاد وعجلة الانتاج ، أجهزة الدولة ، والحياة الاجتماعية ، بل يؤدي الى تفكك الدولة الى دويلات (العبرة من إنسلاخ جنوب السودان الى دولة). أن التسوية السياسية دليل على القوة ، على مناقشة القضايا والمشاكل ، القوة على ايجاد الحلول لها . تبعث القوة على الثقة بالنفس ، والواثق من نفسه يناقش ويطرح القضايا على بساط البحث ، يدلي برأيه ، يسمع رأي الآخرين ، يعدل رأيه حسب تبيان الوقائع والحقائق ، ويدفع الأخرين أيضا الى تعديل رأيهم بالحجج العقلانية الناضجة . بالحوار يكشف الجميع ان المساحة المشتركة هي مساحة التعاون ، بالتعاون يكسب المجتمع اسباب القوة والثقة بالنفس . ان قوة الدولة تطمئن في التماسك الإجتماعي وتحرير المجتمع من الفقر والعوز ، إذا ارادت أن تكون دولة المجتمع ، دولة شرعية ، وتحافظ على كيان وجودها . الدولة القوية هي دولة مواطنين شركاء لا دولة رعايا خاضعين.
هذه التوافقية التي نفقدها في وطننا السودان ، هي التي تسود اليوم الدولة التونسية ، وجنبتها بتجربتها
الديمقراطية الوليدة ، الكوارث والعناء والعنف والدماء . هذا الوفاق التونسى ليس من صنع راشد الغنوشي ، زعيم حركة النهضة ، الذي تسلم قبل ايام جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر بالعاصمة الالمانية برلين ، كما حاول الاخ الدبلوماسي خالد موسى دفع الله ان يلبسه ثوب الفكر والتجديد ، والقفز على استاذه الدكتور حسن الترابي ، علما بان الاثنان يظلان عملة واحدة والعبائة للترابي . والمؤسسة ايضا كما قالت: اختير لشخصيتة العربية بمساهمته وكتاباته المؤثرة سياسيا في إنضاج فكرة الإسلام المواكب للحداثة والتنوير ، وكداعم للمجتمع المدني في بناء الدولة العربية الديمقراطية الحديثة ، والكثير من النقاد والعارفين يسلبونه الجائزة ، لان للغنوشي تاريخا مليئا بالمتناقضات السياسية ، وحتي في الفكر الاسلامي اقل حداثة من الترابي(يرجى الرجوع لكتبه وتصريحاته) . ولا انسى الاسهاب المطول في التمجيد للاخ الدكتور حامد فضل اللة ، مقدم حثيثيات الجائزة ، والذي تلقى سيلا عارما من اتصالات ورسائل الاحتجاج والعتاب . ان الوفاق الوطني التونسي وليد مخاض عسير ، شاركت فيه جميع القوى السياسية (22 حزبا ونقابة) ، بل الدور الفاعل للنقابات في تونس(يحرك ويقود الشارع التونسي) ، هو الذي اجبر وانتج هذه التوافقية بالحوار . ومن زاوية اخرى فان مواقف وتمسك راشد الغنوشي بأحادية القرار السياسي ، هي التي ادت بالشعب التونسي حجبه عن الحكم في الاقتراع الانتخابي لهذا العام ، وايضا برفيق دربه حمادي الجبالي بالاستقالة من رئاسة الوزارة ومنصب الامين العام لحركة النهضة في مارس عام 2013 ، كما اعلن قبل ايام انسحابه من الحركة .
يهمني ما يجري اليوم في الساحة التونسية ، والحوار الذي ضم الاحزاب والمنظمات النقابية بأخراج انتخابات برلمانية نزيهة حرة(لم تشهدها الساحة العربية) ، نتيجة للتوافق الوطني . واستنادا على هذا الامر ، اعود الى ما يجري في بلدي من التشنج السياسي ، والازمات العالقة ( من حروب وتدهور اقتصادي واجتماعي) ، التي لا يمكن الوصول لحلها بشكل جذري ، إلا بإشراك جميع قوى الوفاق الوطني للمجتمع(النموذج التونسي) . ان احادية صنع القرار والتمسك به والكنكنة فيه ، تزيد أزمات الوطن حدة ، وتظل مبتورة الاجنحة . ان القوى الحزبية الكبرى ، شاركت بدورها ودون استثناء في صنع وبلورة مشاكل السودان الشائكة العالقة الماثلة اليوم(كما اعترف د. حسن الترابي) ، والحال يستدعي ضرورة اشراكها والحركات المسلحة والمجتمع المدني ومختلف مكونات المجتمع ، في حوار سوداني – سوداني ، دون التدخل الخارجي(دون ان تصبح عواصم عربية أو افريقية أو اوربية منتديات للحوار والوفاق السوداني) .
انطلاقا من المحافظة على وحدة تراب أرض السودان ، هذا الوطن الذي يتهاوى أوصاله بحروب مفتوحة(دارفور ، جنوب كردفان ، والنيل الازرق) ، فان على المركز “المؤتمر الوطني” ، ان يدرك خطورة المرحلة الراهنة ، ويسلك طريق الوفاق الوطني(توحيد الرؤى والاجماع عليه داخليا كما حدث في تونس) لتسوية وحل أزمات البلاد ، ويدرء خطورة التفكك الذي يلوح في الافق . ان التماطل وعدم الإلتزام في تنفيذ الإتفاقيات ، هي التي تقود البلاد الى عواقب وخيمة تنصب في مجري الصوملة.
لنا عودة مع اخواني خالد موسى دفع اللة ود. حامد فضل الله
mohamedelsharif22@yahoo.com