ما أكثر العبر وأقل الاعتبار والغنوشي (1) .. بقلم: د. محمد الشريف سليمان / برلين

يظهر الواقع المرير ان العوامل الخارجية غدت منذ استقلال السودان هي الحكم الفصل في حل المشاكل التي لازمته كالظل مع خروج المستعمر . وزاد الامر تعقيدا ان النخب التي حكمت البلاد ، ساهمت بفعالية مستوردة في تعميق الاعتماد على العنصر الخارجي في ادارة شئونها الخارجية . نعم لقد جنحت النخب السياسية الحاكمة دائما نحو التوازنات الخارجية على حساب التوازنات الداخلية والمواطنة (اي على حساب الهوية السودانية) ، بل التركيز دائما على كيفية إستمرار القبضة الحديدية لمفاصل الحكم دون مراعاة الاخطار المحدقة بالبلاد ، والتي تنصب في مجرى تقطيع وتمزيق اوصال السودان . هذه السياسات دفعت بالحكومات السودانية المتعاقبة على دست الحكم الى مجرى التدويل لحل أزماتها العالقة مع قبر التوافقية الوطنية الداخلية.

هذه التوافقية الوطنية أي الوفاق الوطني ، نفقدها اليوم في بلدنا السودان ، وذلك بالصراع الدائر (كالساقية) المتجدد بين القابضين على زمام الحكم ومختلف اطياف المعارضة السياسية والعسكرية . وعرف الفيلسوف اليوناني أرسطو هذا المصطلح ، بانه حياة مشتركة وصداقة ، مفترضا ان وحدة المشاعر هو التفاهم القائم داخل المجتمع ، فضلا عن وحدة الاراء . ولذا يعتبر التفاهم توافقا وإنسجاما في نطاق العمل لا في نطاق التفكير . والواقع ان البلاد التي لا تفلح في تحقيق الوفاق الداخلي ، تتحول الى مسرح للانقلابات العسكرية والإنتفاضات الشعبية وما يسبقها من العصيان المدني أو المسلح . وبمعنى أخر فإن الوفاق هو شراكة ترتكز على وحدة المشاعر المتجسدة في مفهوم الوطن والوطنية . ولهذا لا توجد بدون الوطن سلطة ولا عظمة ولا مجد ، بل يتلاشى مفهوم الوفاق الجماهيري للمجتمع.

تعرف المجتمعات البشرية ، ان الحوار حول قضاياهم يمكن ان يصل بهم الى التسوية والى ايجاد المساحة المشتركة بينهم . ويقول احد المثقفين ، والذي ناضل من أجل تحقيق الوفاق الوطني لبلده: ليست التسوية الوفاقية عيب ، ولكن العيب إذا لم يكن هناك تسوية وتسويات ، والدولة تبنى بتراكم التسويات ، لا بغيرها . غياب التسويات يؤدي في كل مجتمع الى تفاقم التشنج ، وهذا يؤدي بدوره الى تعمق الإنقسامات ، وإلى انفجارها في نزاعات أهلية.

ان التشنج السياسي الجاسم اليوم على صدر المجتمع السوداني والمرتكز على غياب التسوية الداخلية والتعول على التسوية الخارجية ، يقود الى تفاقم العجز في الاقتصاد وعجلة الانتاج ، أجهزة الدولة ، والحياة الاجتماعية ، بل يؤدي الى تفكك الدولة الى دويلات (العبرة من إنسلاخ جنوب السودان الى دولة). أن التسوية السياسية دليل على القوة ، على مناقشة القضايا والمشاكل ، القوة على ايجاد الحلول لها . تبعث القوة على الثقة بالنفس ، والواثق من نفسه يناقش ويطرح القضايا على بساط البحث ، يدلي برأيه ، يسمع رأي الآخرين ، يعدل رأيه حسب تبيان الوقائع والحقائق ، ويدفع الأخرين أيضا الى تعديل رأيهم بالحجج العقلانية الناضجة . بالحوار يكشف الجميع ان المساحة المشتركة هي مساحة التعاون ، بالتعاون يكسب المجتمع اسباب القوة والثقة بالنفس . ان قوة الدولة تطمئن في التماسك الإجتماعي وتحرير المجتمع من الفقر والعوز ، إذا ارادت أن تكون دولة المجتمع ، دولة شرعية ، وتحافظ على كيان وجودها . الدولة القوية هي دولة مواطنين شركاء لا دولة رعايا خاضعين.

هذه التوافقية التي نفقدها في وطننا السودان ، هي التي تسود اليوم الدولة التونسية ، وجنبتها بتجربتها

الديمقراطية الوليدة ، الكوارث والعناء والعنف والدماء . هذا الوفاق التونسى ليس من صنع راشد الغنوشي ، زعيم حركة النهضة ، الذي تسلم قبل ايام جائزة مؤسسة ابن رشد للفكر الحر بالعاصمة الالمانية برلين ، كما حاول الاخ الدبلوماسي خالد موسى دفع الله ان يلبسه ثوب الفكر والتجديد ، والقفز على استاذه الدكتور حسن الترابي ، علما بان الاثنان يظلان عملة واحدة والعبائة للترابي . والمؤسسة ايضا كما قالت: اختير لشخصيتة العربية بمساهمته وكتاباته المؤثرة سياسيا في إنضاج فكرة الإسلام المواكب للحداثة والتنوير ، وكداعم للمجتمع المدني في بناء الدولة العربية الديمقراطية الحديثة ، والكثير من النقاد والعارفين يسلبونه الجائزة ، لان للغنوشي تاريخا مليئا بالمتناقضات السياسية ، وحتي في الفكر الاسلامي اقل حداثة من الترابي(يرجى الرجوع لكتبه وتصريحاته) . ولا انسى الاسهاب المطول في التمجيد للاخ الدكتور حامد فضل اللة ، مقدم حثيثيات الجائزة ، والذي تلقى سيلا عارما من اتصالات ورسائل الاحتجاج والعتاب . ان الوفاق الوطني التونسي وليد مخاض عسير ، شاركت فيه جميع القوى السياسية (22 حزبا ونقابة) ، بل الدور الفاعل للنقابات في تونس(يحرك ويقود الشارع التونسي) ، هو الذي اجبر وانتج هذه التوافقية بالحوار . ومن زاوية اخرى فان مواقف وتمسك راشد الغنوشي بأحادية القرار السياسي ، هي التي ادت بالشعب التونسي حجبه عن الحكم في الاقتراع الانتخابي لهذا العام ، وايضا برفيق دربه حمادي الجبالي بالاستقالة من رئاسة الوزارة  ومنصب الامين العام لحركة النهضة في مارس عام 2013 ، كما اعلن قبل ايام انسحابه من الحركة .

يهمني ما يجري اليوم في الساحة التونسية ، والحوار الذي ضم الاحزاب والمنظمات النقابية بأخراج انتخابات برلمانية نزيهة حرة(لم تشهدها الساحة العربية) ، نتيجة للتوافق الوطني . واستنادا على هذا الامر ، اعود الى ما يجري في بلدي من التشنج السياسي ، والازمات العالقة ( من حروب وتدهور اقتصادي واجتماعي) ، التي لا يمكن الوصول لحلها بشكل جذري ، إلا بإشراك جميع قوى الوفاق الوطني للمجتمع(النموذج التونسي) . ان احادية صنع القرار والتمسك به والكنكنة فيه ، تزيد أزمات الوطن حدة ، وتظل مبتورة الاجنحة . ان القوى الحزبية الكبرى ، شاركت بدورها ودون استثناء في صنع وبلورة مشاكل السودان الشائكة العالقة الماثلة اليوم(كما اعترف د. حسن الترابي) ، والحال يستدعي ضرورة اشراكها والحركات المسلحة والمجتمع المدني ومختلف مكونات المجتمع ، في حوار سوداني – سوداني ، دون التدخل الخارجي(دون ان تصبح عواصم عربية أو افريقية أو اوربية منتديات للحوار والوفاق السوداني) .

انطلاقا من المحافظة على وحدة تراب أرض السودان ، هذا الوطن الذي يتهاوى أوصاله بحروب مفتوحة(دارفور ، جنوب كردفان ، والنيل الازرق) ، فان على المركز “المؤتمر الوطني” ، ان يدرك خطورة المرحلة الراهنة ، ويسلك طريق الوفاق الوطني(توحيد الرؤى والاجماع عليه داخليا كما حدث في تونس) لتسوية وحل أزمات البلاد ، ويدرء خطورة التفكك الذي يلوح في الافق . ان التماطل وعدم الإلتزام في تنفيذ الإتفاقيات ، هي التي تقود البلاد الى عواقب وخيمة تنصب في مجري الصوملة.

لنا عودة مع اخواني خالد موسى دفع اللة ود. حامد فضل الله

mohamedelsharif22@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً