ما بعد الحروب الكبرى: مراجعة الإسلام السياسي والعلمانية في الفكر الوطني العربي

د. عمرو محمد عباس محجوب

تاريخ الأمم يثبت أن الحروب الكبرى لا تغيّر الخرائط السياسية فحسب، بل تعيد تشكيل الأفكار الكبرى التي حكمت المجتمعات لعقود طويلة. فالحروب تضع الأيديولوجيات أمام اختبار قاسٍ، وتكشف حدودها العملية، كما تفضح تحالفاتها ومآلاتها. وفي العالم العربي والإسلامي، جاءت الحروب والتدخلات الدولية المتتالية في العقود الأخيرة لتفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل الفكر السياسي نفسه: هل ما زالت النماذج الفكرية التي حكمت المنطقة منذ منتصف القرن العشرين صالحة؟ أم أن المرحلة تفرض مراجعة شاملة؟

لقد كان المجال الفكري العربي خلال العقود الماضية محكوماً بثنائية متوترة: الإسلام السياسي مقابل العلمانية. غير أن التجارب العملية لكلا التيارين، في السلطة أو في المعارضة، أظهرت أن هذه الثنائية لم تعد قادرة وحدها على تقديم إجابات كافية عن أسئلة الدولة والهوية والاستقلال.

الحروب الكبرى غالباً ما تُنتج تحولات فكرية عميقة. فالحرب العالمية الأولى أدت إلى انهيار الإمبراطوريات القديمة وصعود الدولة القومية، بينما أفرزت الحرب العالمية الثانية نظاماً دولياً جديداً وأيديولوجيات سياسية مختلفة.

وفي العالم العربي، أدت الهزائم العسكرية والضغوط الخارجية والتدخلات الإقليمية إلى طرح أسئلة جوهرية: ما طبيعة الدولة التي نريد بناءها؟ ما حدود العلاقة بين الدين والسياسة وكيف يمكن تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي في عالم تحكمه قوى كبرى؟

هذه الأسئلة لم تعد نظرية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بواقع الدول التي واجهت الحروب أو التفكك أو التدخل الخارجي.

دخلت الحركات الإسلامية السياسية منذ سبعينيات القرن العشرين مرحلة صعود ملحوظ، مستفيدة من تراجع المشاريع القومية واليسارية بعد هزيمة عام 1967. وقد قدّمت نفسها باعتبارها بديلاً أخلاقياً وسياسياً قادراً على إعادة بناء المجتمع والدولة. غير أن التجربة العملية أظهرت عدداً من الإشكالات منها خلط الدعوي بالسياسي إذ ان كثير من الحركات الإسلامية نشأت في إطار تنظيمي دعوي، لكنها حاولت إدارة الدولة بعقلية التنظيم الحركي، مما خلق صعوبات في إدارة التعددية والمؤسسات. أدت جميعها إلى الاستقطاب المجتمعي ففي بعض التجارب تحوّل الخطاب الديني إلى أداة للصراع السياسي، مما أدى إلى انقسامات حادة داخل المجتمع.
وبرزت أزمة إدارة الدولة الحديثة التي تقوم على مؤسسات معقدة وإدارة اقتصادية وقانونية دقيقة، وهو ما لم تكن بعض الحركات الإسلامية مهيأة له تنظيماً أو فكراً. نتيجة لهذه التحديات بدأت داخل بعض التيارات الإسلامية دعوات لمراجعة العلاقة بين الدين والعمل السياسي، والانتقال من التنظيم الأيديولوجي المغلق إلى الفضاء السياسي المفتوح.

في المقابل، لم تنجح النماذج العلمانية العربية في تقديم نموذج مستقر للدولة الحديثة. فقد ارتبطت في كثير من الأحيان بأنظمة سلطوية، أو بنخب سياسية معزولة عن المجتمع. كما واجهت عدة انتقادات: القطيعة مع الهوية الثقافية كما ان بعض النخب تبنت نماذج فكرية غربية دون تكييفها مع الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي. وفي كثير من الحالات ارتبطت المشاريع العلمانية بالأنظمة الحاكمة أكثر من ارتباطها بالمجتمع. كما فشلت العديد من التيارات العلمانية بناء مشروع اجتماعي واقتصادي جذاب للطبقات الشعبية. وهذا ما أدى إلى تراجع تأثيرها الفكري والسياسي في العديد من البلدان.

تجارب العقود الماضية تشير إلى أن الصراع بين الإسلام السياسي والعلمانية لم ينتج نموذجاً ناجحاً للدولة في العالم العربي. لذلك بدأت تظهر دعوات لإعادة صياغة الفكر الوطني على أسس جديدة، تجمع بين عناصر متعددة: أهمها الهوية الحضارية والاعتراف بالدين كعنصر أساسي في الثقافة والوجدان الاجتماعي. تقوم الدولة الوطنية الحديثة على المؤسسات والقانون والمواطنة.التعددية السياسية
بقبول التنوع الفكري والديني والسياسي داخل المجتمع. الفصل النسبي بين الدعوي والسياسي بحيث لا تتحول المؤسسات الدينية إلى أدوات صراع سياسي.

إذا نظرنا إلى مسار الفكر العربي منذ مشروع محمد علي باشا مروراً بحركات النهضة ثم القومية العربية والإسلام السياسي، نجد أن المنطقة كانت دائماً تبحث عن معادلة تجمع بين ثلاثة عناصر: الاستقلال عن الهيمنة الخارجية
والهوية الحضارية والثقافية وبناء الدولة الحديثة. لكن كل مشروع حاول تحقيق هذه المعادلة واجه تحديات داخلية وخارجية، ما أدى إلى موجات متتالية من الصعود والتراجع.

إن الحروب والتحولات الدولية الجارية اليوم قد تدفع العالم العربي إلى مرحلة جديدة من التفكير السياسي. فالتجارب السابقة، سواء كانت إسلامية أو علمانية، لم تعد قادرة وحدها على تقديم الحلول. لذلك يبدو أن المرحلة المقبلة قد تتجه نحو إعادة تركيب الفكر الوطني على أساس أكثر واقعية، يوازن بين الهوية والدولة الحديثة، وبين القيم الدينية ومتطلبات السياسة، وبين الاستقلال الوطني والانفتاح على العالم.

وفي النهاية، فإن الأمم التي تنجح في تجاوز أزماتها ليست تلك التي تتمسك بأيديولوجيات جامدة، بل تلك التي تمتلك القدرة على المراجعة والتجديد.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …