م. هيثم عثمان إبراهيم
في أعماق كل إنسان يسكن سؤال خافت، يهمس في لحظات السكون ويعلو في لحظات الانهيار: ما الغاية من وجودي؟
هذا السؤال الذي يبدو بسيطًا في الأيام العادية، يتحول في أزمنة الفوضى إلى صرخة وجودية تهزّ الروح، حين تتساقط اليقينيات التي بنينا عليها أعمارنا، وتتشقق الأرض تحت أقدامنا، وتغدو السماء سقفًا من رماد.
والسودان اليوم لا يمر بأزمة عابرة، بل يعيش زلزالًا وجوديًا يعيد طرح الأسئلة الأولى من جديد، ويجبر الإنسان على مواجهة ذاته في مرآة مكسورة.
الحرب في جوهرها، ليست صراعًا على الأرض فقط، بل صراع على المعنى ذاته.
إنها لا تكتفي بهدم البيوت، بل تمتد لتجريف الروح، لتترك الإنسان في مواجهة عالم فقد ملامحه.
كثيرون في بلادنا يشعرون اليوم بأن حياتهم سُرقت منهم، وأن ما نسجوه خيطًا خيطًا من ذكريات وأحلام وأماكن قد انفرط عقده في لحظة عبثية.
هذا ليس حزنًا عابرًا، بل بترٌ وجودي: بترٌ عن الماضي الذي كان، وعن المستقبل الذي كان يمكن أن يكون، وعن الذات التي كانت تتشكل في هدوء.
ومع ذلك، وسط هذا الخراب، تظل هناك حقيقة إنسانية لا تنطفئ:
المعنى لا يموت، بل يغيّر شكله.
إنه كالنهر الذي يشق مجرى جديدًا حين تُغلق الصخور طريقه.
بل إن الأزمات، بقسوتها التي لا تُحتمل، تمنحنا فرصة نادرة لغربلة حياتنا، لنرى ما هو أصيل وما هو زائف، ولنبني معنى لا يخشى العواصف لأنه وُلد في قلبها.
كيف يتصدع المعنى في دواخلنا؟
تتسلل أزمة المعنى حين يفقد الإنسان بوصلته الداخلية، حين تتلاشى الإجابات عن أسئلة “لماذا؟”.
إنها ليست أزمة فكرية، بل شرخ في الكيان، ينشأ من الصدمات التي تحطم إحساسنا بالأمان، ومن الفقد الذي يترك فراغًا باردًا حيث كان الحب والدفء، ومن العجز الذي يوهمنا بأننا بلا أثر.
وتظهر هذه الأزمة في هيئة خواء داخلي، وضياع، وثقل في الخطى، ورغبة في الانسحاب من عالم لم نعد نفهمه.
يرتكز المعنى الذي نبحث عنه على أربعة أعمدة تهتز جميعها في زمن الحرب:
- الغاية: ذلك الأفق الذي يمنح خطواتنا اتجاهًا. وفي الحرب، يصبح هذا الأفق ضبابيًا، وقد يختفي تمامًا.
- القيمة: إحساسنا بأن حياتنا جديرة بأن تُعاش. الحرب، بإحصاءاتها الباردة، تحاول اختزال الإنسان إلى رقم.
- الانتماء: شعورنا بأننا جزء من أسرة أو حي أو وطن. النزوح والشتات يقطعان هذه الجذور ويتركان الإنسان وحيدًا في العراء.
- الأثر: يقيننا بأن أفعالنا تترك بصمة. الفوضى قد تبتلع جهودنا وتجعلنا نشعر باللاجدوى.
هذه الأعمدة لا تُمنح لنا، بل نبنيها يومًا بعد يوم. وحين يتصدع البناء، نُستدعى لإعادة تشييده من جديد.
السودان… حين يصبح الصمود فعلًا وجوديًا
ما يمر به السودان اليوم يتجاوز السياسة والاقتصاد.
إنه امتحان للروح، وتجربة تعيد تعريف الإنسان السوداني لذاته وللعالم.
لقد انتُزعت من الملايين ثوابت حياتهم: ذاكرة المكان، طقوس الصباح، دفء الجيرة، والإحساس البسيط بالأمان.
هذا الفقد الشامل خلق فراغًا هائلًا، لكن الروح السودانية أبت إلا أن تملأه.
من قلب المعاناة، برزت قيم جديدة، أو ربما تجلّت قيم قديمة كانت كامنة:
التكافل، المشاركة، حماية الغريب، الصمود.
لم تعد هذه الأفعال مجرد أخلاق، بل مصادر جديدة للمعنى، وطريقة يقول بها الإنسان لنفسه:
“أنا ما زلت هنا… ما زلت إنسانًا… ما زلت قادرًا على العطاء.”
في السودان اليوم، أصبح البحث عن المعنى مقاومة:
مقاومة لليأس،
مقاومة للوحشية،
مقاومة للنسيان.
كل كوب شاي يُقدَّم لنازح، كل كلمة مواساة، كل محاولة لترميم جدار مهدوم، هي إعلان صغير لكنه عميق عن انتصار المعنى على العبث.
من فيكتور فرانكل إلى شوارعنا… المعنى في وجه الألم
في أحلك فصول التاريخ، يقدم لنا الطبيب النفسي فيكتور فرانكل بوصلة للخروج من التيه.
خلاصته أن الإنسان لا يملك دائمًا تغيير ظروفه، لكنه يملك دائمًا حرية اختيار موقفه منها.
وأن المعنى يمكن أن يُصنع في قلب الألم، عبر عمل نحبه، أو حب نمنحه، أو شجاعة نواجه بها ما لا مفر منه.
هذه الرؤية ليست ترفًا فكريًا، بل استراتيجية بقاء.
وفي السودان، حيث الألم حاضر في كل بيت، يصبح تبني هذا الموقف هو ما يفصل بين الانهيار والصمود.
أن نرى في تضحياتنا معنى، وفي صبرنا غاية، وفي مساعدتنا للآخرين قيمة، هو ما يحول المعاناة من عبء ساحق إلى جسر نحو ذات أقوى.
ختامًا… ما بعد الخراب ليس فراغًا
المعنى ليس كنزًا نبحث عنه، بل بيتًا نبنيه.
نحن من نختار ما نمنحه قيمة، وكيف نفسر قصتنا، وماذا نفعل بالزمن المتاح لنا.
السودان يمر بجرح عميق، لكن المعنى لم يُفقد.
إنه يُعاد تشكيله الآن:
في صمود الأمهات،
في إصرار الشباب،
في حكايات النجاة،
وفي القدرة المدهشة على الحب رغم الخراب.
قد يكون المعنى في ترميم جدار، أو في تعليم طفل، أو في التمسك بالأمل، أو ببساطة في الحفاظ على إنسانيتنا سليمة في وجه كل ما يريد تجريدنا منها.
المعنى موجود هنا… في كل فعل صغير ينبض بالحياة.
ينتظر فقط أن نختاره، ونعيشه، ونحمله كشمعة لا تنطفئ في هذا الليل الطويل.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم