بقلم عمر النعيم
باحث وكاتب في علوم البيانات
التاريخ: 12 أكتوبر 2025
مقدمة: فك شفرة الانقسام التوليدي
في خضم السرديات المتضاربة حول مستقبل العمل، يبرز الذكاء الاصطناعي كقوة تحويلية يكتنفها الغموض. هل نحن على أعتاب ثورة تزيح البشر من المشهد المهني، أم أننا نشهد ولادة أدوات جديدة تعيد تشكيل إنتاجيتها؟ بصفتي عالم بيانات، أرى أن الحقيقة تكمن في منطقة وسطى، بعيدًا عن التفاؤل المفرط أو التشاؤم المطلق. إن قدرات الذكاء الاصطناعي الحالية، رغم براعتها في مهام مثل الصياغة اللغوية وتنظيم البيانات، تظل قاصرة في المجالات التي تتطلب استدلالًا بشريًا عميقًا وتفكيرًا نقديًا.
هذه الفجوة بين الإمكانات والتطبيق الفعلي تتجسد بوضوح في تقرير “الانقسام التوليدي” الصادر عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) لعام 2025. يكشف التقرير أن 95% من المشاريع التجريبية للذكاء الاصطناعي التوليدي في الشركات تفشل في تحقيق عائد مالي ملموس. هذا الإخفاق المذهل لا يعود لضعف النماذج الحسابية، بل لما يسميه التقرير “فجوة التعلم”؛ حيث تفشل الأدوات العامة في التكيف مع السياقات المؤسسية المعقدة وتفتقر إلى القدرة على التعلم من التفاعلات المستمرة. إنها مشكلة تكامل وليست مشكلة تكنولوجيا.
في هذا التحليل، سنتجاوز الضجيج الإعلامي لنقدم رؤية علمية تستند إلى بيانات محكّمة من تقارير MIT، والمنتدى الاقتصادي العالمي، وماكينزي. سنستكشف الحدود العملية للذكاء الاصطناعي، ونحلل الأرقام المتعلقة بإعادة هيكلة الوظائف، ونستعرض التأثيرات القطاعية المتباينة، ونرسم خارطة طريق للتكيف مع هذا الواقع الجديد، لنصل في النهاية إلى استنتاج مفاده أن المستقبل ليس للإنسان أو للآلة، بل للإنسان المعزز بالآلة.
حدود الذكاء الاصطناعي: حينما يصبح السياق هو الملك
يُظهر الذكاء الاصطناعي تفوقًا في المهام المحددة والروتينية، لكنه يتعثر عندما يتطلب الأمر فهمًا للسياق أو التعامل مع مواقف غير متوقعة. في المهام عالية المخاطر، مثل التشخيص الطبي المعقد أو القرارات القانونية الحاسمة، لا يزال البشر مفضلين بفارق كبير (9 إلى 1) على الأنظمة الآلية. هذا يعكس حقيقة جوهرية: الذكاء الاصطناعي الحالي يحاكي الذكاء، لكنه لا يمتلك فهمًا حقيقيًا. إنه يتبع الأنماط في البيانات التي تدرب عليها، ولكنه يفتقر إلى الفطرة السليمة والقدرة على الاستدلال خارج نطاق معرفته المحددة.
في بحثي الشخصي، عند اختبار نماذج اللغة الكبيرة على مسائل رياضية معقدة تتطلب استنتاجًا متعدد الخطوات، لاحظت نمطًا متكررًا: النموذج يقدم خطوات أولية صحيحة ببراعة، لكنه غالبًا ما يرتكب أخطاء تراكمية دقيقة تؤدي إلى نتيجة نهائية خاطئة. هذا يوضح أن النموذج لا “يفهم” الرياضيات، بل “يقلد” الحلول التي رآها سابقًا. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها “الكفاءة الوهمية”، تجعل الاعتماد الأعمى على الذكاء الاصطناعي في المهام الحرجة أمرًا محفوفًا بالمخاطر.
في المقابل، أثبتت هذه التقنيات فعاليتها كأدوات مساعدة قوية. تشير تقديرات ماكينزي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يضيف ما يصل إلى 4.4 تريليون دولار إلى الإنتاجية العالمية سنويًا، ليس عبر استبدال البشر، بل من خلال تعزيز قدراتهم. يمكن لأتمتة المهام الإدارية أن توفر ما بين 30% إلى 40% من وقت الموظفين، مما يتيح لهم التركيز على الأنشطة التي تتطلب إبداعًا وتفاعلًا إنسانيًا. في مجال تطوير البرمجيات، على سبيل المثال، يمكن لأدوات مثل GitHub Copilot أن تزيد من إنتاجية المطورين بنسبة تصل إلى 55%، ليس عن طريق كتابة برامج كاملة بشكل مستقل، بل عبر اقتراح أكواد، وإكمال الجمل البرمجية، وتصحيح الأخطاء البسيطة، مما يحرر المطور للتركيز على التصميم المعماري وحل المشكلات المعقدة.
لعادة هيكلة سوق العمل: أرقام ودلالات
بدلاً من “نهاية الوظائف”، تشير البيانات إلى تحول كبير” في طبيعتها. يتوقع تقرير “مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي إزاحة 92 مليون وظيفة بحلول عام 2030، ولكن في المقابل، سيتم إنشاء 170 مليون وظيفة جديدة، مما ينتج عنه زيادة صافية قدرها 78 مليون وظيفة.
الوظائف التي تشهد تراجعًا هي تلك التي تتسم بالمهام المتكررة والقابلة للأتمتة، مثل إدخال البيانات، وبعض وظائف خدمة العملاء الأساسية، والعمليات المحاسبية الروتينية. أما النمو فيتركز في الأدوار التي تتطلب مهارات متخصصة في تحليل البيانات، وهندسة الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، بالإضافة إلى الوظائف التي تعتمد على التفاعل الإنساني مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والاستشارات الإدارية. الأهم من ذلك، أن المهارات المطلوبة داخل الوظائف القائمة تتغير بسرعة، حيث تشير التقارير إلى أن 66% من المهارات المطلوبة في الوظائف المعرضة للذكاء الاصطناعي تتغير بوتيرة أسرع من غيرها. هذا يعني أن “صلاحية” المهارات التقنية تتقلص، مما يفرض على المهنيين ضرورة التعلم المستمر مدى الحياة.
التأثيرات القطاعية: تباين لا تعميم
من الخطأ الحديث عن تأثير الذكاء الاصطناعي ككتلة واحدة؛ فتأثيره يختلف بشكل جذري من قطاع لآخر.
في قطاع الرعاية الصحية: يعمل الذكاء الاصطناعي على تسريع اكتشاف الأدوية وتحليل الصور الطبية (مثل الأشعة السينية والرنين المغناطيسي) بدقة تفوق أحيانًا العين البشرية. لكنه لا يستطيع استبدال الطبيب الذي يتواصل مع المريض، ويفهم تاريخه الصحي، ويتخذ قرارات أخلاقية معقدة. هنا، الذكاء الاصطناعي هو أداة تشخيصية مساعدة، وليس طبيبًا آليًا.
في القطاع المالي:تقوم الخوارزميات بأتمتة التداول، وتقييم المخاطر، وكشف الاحتيال بكفاءة عالية. ومع ذلك، تظل القرارات الاستثمارية الاستراتيجية الكبرى، وإدارة علاقات العملاء، والتخطيط المالي طويل الأجل مجالات تتطلب حكمة وخبرة بشرية.
في قطاع التعليم:يمكن للذكاء الاصطناعي تخصيص مسارات التعلم للطلاب، وتقديم ملاحظات فورية، وتحرير المعلمين من أعباء التصحيح الروتينية. لكنه لا يمكن أن يحل محل المعلم كمصدر للإلهام والتحفيز والتوجيه الأخلاقي والاجتماعي.
في القطاعات الإبداعية: أثارت أدوات مثل Midjourney وSora جدلاً واسعًا. يمكنها إنتاج صور ونصوص وموسيقى بجودة مذهلة، مما يهدد بعض الأدوار الإبداعية التقليدية. ولكنها في الوقت نفسه تفتح آفاقًا جديدة للفنانين والمصممين لاستخدامها كأدوات لتوسيع خيالهم وتسريع عمليات الإنتاج. يصبح الفنان هنا “مخرجًا” أومنسقًا” للأفكار، بدلاً من كونه مجرد “منفذ
استراتيجيات التكيف: من الفرد إلى المؤسسة
إن التنقل في هذا المشهد المتغير يتطلب استجابة متعددة المستويات:
- على المستوى الفردي لم يعد التخصص في مجال واحد كافيًا. يجب على المهنيين تبني عقلية “التعلم المستمر” واكتساب “محفظة مهارات” متنوعة تجمع بين الخبرة في مجالهم الأساسي ومحو الأمية الرقمية والقدرة على التعامل مع أدوات الذكاء الاصطناعي. المهارات “اللينة” مثل التفكير النقدي، وحل المشكلات المعقدة، والإبداع، والذكاء العاطفي، أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، لأنها تمثل الجوانب التي لا تزال الآلات بعيدة عن إتقانها.
- على المستوى المؤسسي:يجب على الشركات تجاوز مرحلة التجارب العشوائية والانتقال إلى التكامل الاستراتيجي. هذا يعني تحديد العمليات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضيف فيها قيمة حقيقية، والاستثمار في تدريب الموظفين على استخدام هذه الأدوات بفعالية، وإعادة تصميم الأدوار الوظيفية لتشمل مهامًا جديدة تركز على الإشراف والتحقق والابتكار. كما أشار تقرير MIT، فإن شراء حلول متخصصة ومصممة لسير عمل معين غالبًا ما يكون أكثر نجاحًا من محاولة بناء نماذج عامة من الصفر.
- على المستوى الحكومي والتعليمي يقع على عاتق الحكومات والمؤسسات التعليمية العبء الأكبر في تهيئة المجتمع لهذا التحول. يجب تحديث المناهج الدراسية بشكل جذري لتزويد الطلاب بالمهارات اللازمة لاقتصاد المستقبل، وليس لاقتصاد الماضي. كما يجب إنشاء شبكات أمان اجتماعي مرنة، مثل برامج إعادة التأهيل المهني ودعم الدخل المؤقت، لمساعدة المتضررين من التحول الوظيفي.
الخاتمة: نحو مستقبل تكاملي
تكشف البيانات أن السردية السائدة حول استبدال الذكاء الاصطناعي للبشر هي سردية مبسطة ومضللة. إن نسبة الفشل المرتفعة لمشاريع الذكاء الاصطناعي في الشركات، كما وثّقها تقرير MIT، تؤكد أن القيمة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في كيفية دمجها بذكاء في سير العمل البشري.
المستقبل ليس صراعًا بين الإنسان والآلة، بل هو عصر جديد من التعاون يتطلب إعادة تعريف المهارات وتكييف الهياكل التنظيمية. نحن لا نتجه نحو عالم يعمل فيه البشر “ضد” الآلات، بل عالم يعمل فيه البشر “مع” الآلات. إن السباق الحقيقي ليس ضد الآلات، بل هو سباق نحو التكيف والارتقاء بالقدرات البشرية لتسخير هذه الأدوات القوية بفعالية ومسؤولية. النجاح في هذا العصر الجديد لن يكون حليف الأقوى أو الأسرع، بل حليف الأكثر قدرة على التكيف والتعلم.
mazmmoum@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم