بقلم أبشر الحاج
لو أدركت الأمم أن ما تشيده العقول قد تهدمه البنادق، وأن رصاصة واحدة قد تبدد في لحظة ما راكمته أجيال من المعرفة، لاختارت أن تستثمر في العقل قبل أن تدفع ثمن غيابه من دم أبنائها. ولعل مأساة السودان تتجسد في المفارقة الفاجعة بين (الدوسكا والدوشكا)؛ بين أداة كان يمكن أن تسهم في إنتاج الحياة، وأخرى تستمد معناها من قدرتها على حصدها. وليست المأساة أن تتقدم آلة الحرب على آلة الإنتاج فحسب، بل أن يتراجع العقل حتى يصبح الرصاص بديلا عن الفكرة، والقوة بديلا عن الحكمة، والدم بديلا عن الحوار. عندها لا تكون الحرب مجرد صراع على السلطة، بل شهادة دامغة على إفلاس العقل الذي عجز عن إدارة الاختلاف، فلم يجد سوى العنف لغة أخيرة للتفاهم.
فالأمم لا تقاس بما تكدسه من أسلحة، بل بما تنتجه من معرفة، وما تقيمه من مؤسسات، وما تتيحه لعقول أبنائها من فرص للإبداع. وحين تتقدم البندقية على الكتاب، ويحظى حامل السلاح بما لا يحظى به العالم والمعلم، تنقلب موازين الحضارة، ويصبح امتلاك أدوات الهدم أرفع شأنا من امتلاك أسباب البناء. وتلك هي اللحظة التي تبدأ فيها الأمم رحلة التراجع، حتى لو توهمت أنها تنتصر.
إن الدول تبنى بالعقول لا بالعضلات، وبالكفاءة لا بالولاء، وبالمؤسسات الراسخة لا بأهواء الأفراد وتقلبات السياسة. غير أن مأساتنا تكمن في عقلية لم تتعلم من التاريخ إلا إعادة إنتاج إخفاقاته؛ عقلية أسيرة لأوهام القوة ولبتها كانت قوية، ترى في الاعتراف بالخطأ هزيمة، وفي التراجع عن المواقف الخاطئة ضعفا، فتختار المكابرة على المراجعة، والغلبة على الحكمة، والإقصاء على التوافق. وكأن الوطن مختبر لتجاربها الفاشلة، وكأن الإنسان مجرد خسارة جانبية في معادلة السلطة.
وهكذا ندور في حلقة مفرغة، تتغير فيها الوجوه والشعارات، بينما تظل جذور الأزمة عصية على الاقتلاع. لكن السؤال الذي ينبغي أن يؤرقنا ليس: من ينتصر في المعركة؟ بل: ماذا يبقى للوطن بعد انتهائها؟ ما قيمة النصر إذا تحولت المدن إلى أطلال، والبيوت إلى ذاكرة للفقد، والأسر إلى شتات، والأجيال إلى رهائن للخوف والجهل؟ إن بعض الانتصارات ليست سوى هزائم مؤجلة، وإن القوة التي تعجز عن حماية الإنسان لا تصنع مجدا، مهما اتسعت قدرتها على التدمير.
فالوطن ليس ثكنة عسكرية، والدولة ليست غنيمة يتنازعها المتنافسون، بل عقد أخلاقي وحضاري غايته صون كرامة الإنسان وتوفير شروط الحياة الكريمة له. وحين تتحول السلطة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية تبرر كل شيء، يصبح المواطن وقودا لصراعات لم يخترها، ويغدو بقاؤه حيا أقل أهمية لدى المتصارعين من بقائهم في مواقعهم. عندئذ لا تكون الخسارة في خراب المدن وحده، بل في انهيار المعنى الذي يجعل من الوطن وطنا.
ولن يخرج السودان من محنته بتبديل الوجوه وحده، ما لم تتغير العقلية التي تنتج الأزمات وتعيد تدويرها. نحن بحاجة إلى ثورة في ترتيب الأولويات، تعيد للعلم مكانته، وللتعليم اعتباره، وللكفاءة حقها، وتضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. فالأوطان لا تنهض بالشعارات ولا تستعيد عافيتها بتبادل الاتهامات، بل حين تصبح المعرفة أساس القرار، والقانون مرجعية الجميع، والإنسان غاية الدولة لا ضحيتها.
ولو استثمرنا في عقول أبنائنا بقدر ما استنزفنا مواردنا في صراعاتنا، لكان للسودان شأن آخر مع التاريخ. فالعلم ليس وسيلة للإنتاج فحسب، بل حصانة من الأوهام، وتدريب على التفكير النقدي، وقدرة على التمييز بين المصالح الحقيقية وأكاذيب السياسة. وما أحوجنا إلى الانتقال من ثقافة القوة إلى قوة المعرفة، ومن منطق الإقصاء إلى فضاء الحوار، ومن عبث الصراع إلى مشقة البناء.
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من أدوات الموت، بل إلى عقول توقف نزيفه، وإرادات تدرك أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأغلى من كل مكاسب السلطة. فالتاريخ لا يخلد من يوسعون رقعة الخراب، بل من يوسعون أفق الحياة، ولا تقاس عظمة القادة بما يفرضونه من سطوة، وإنما بما يتركونه من عدالة ومؤسسات وفرص للمستقبل.
لو اخترنا الدوسكا بدل الدوشكا، لربما امتلكنا اليوم وطنا أقل وجعا، ومستقبلا أقل غموضا، وأجيالا لا تضطر إلى تعلم أسماء الأسلحة قبل أن تتعلم أسماء العلوم. وما فات لا ينبغي أن يتحول إلى قدر أبدي، بل إلى درس يعيد للعقل مكانته، وللعلم اعتباره، وللإنسان حقه في الحياة والأمان.
فالأمم التي تحترم عقول أبنائها لا تضطر إلى إحراق مستقبلهم لتثبت قوتها. ونهضة السودان لن تبدأ حين يمتلك أدوات حرب أكثر فتكا، بل حين يمتلك من الحكمة ما يجعله يستغني عنها؛ حين يختار العقل بدل الرصاص، والمعرفة بدل الجهل، والحياة بدل الموت.
اللهم احفظ البلاد أرضا وشعبا، واحقن دماء أبنائه، واجبر كسر أهله، وأخرج البلاد من محنتها، وألهم أهلها رشدهم، واهد من بيدهم القرار إلى ما فيه خير العباد والبلاد. اللهم أبدل خوفها أمنا، وخرابها إعمارا، وشتاتها وحدة، واجعل لها من ضيق المحنة سعة الأمل.
