مباني مملكة سبأ في اليمن – حفر الجبال معجزة تاريخية وآية معاصرة

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
منبر بنيان،،،، مقالات من بطون كتب،،،،،
اليوم مقالنا في منبر بنيان راينا ان يكون من جذور تاريخيه من قلب اليمن، حيث تقف آثار مملكة سبأ شاهدة على حضارة ضاربة في عمق التاريخ، متجذرة في العظمة، متفوقة في الفن المعماري، خالدة في سجلات القرآن الكريم. لم تكن سبأ مجرد مملكة مزدهرة، بل كانت مشهدًا حضاريًا فريدًا جمع بين القوة السياسية والثراء الاقتصادي والبراعة الفنية. ولعل أعظم ما يُستوقف فيه الناظر هو تلك المباني المحفورة في الجبال، التي لا تزال تتحدى الزمان، وتدهش العقل، وتثير التساؤل: كيف أبدع الإنسان القديم هذا الجمال النحتي في قلب الصخر؟

الإبداع المعماري لسبأ: الصخر لغة حضارتهم

لم يكن بناء مملكة سبأ يعتمد على الطين أو القش كما في بعض الحضارات المعاصرة لها، بل على الجبال، حيث نقشت قصورهم في الصخور الصلبة، فكانوا (ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين)، في دلالة على الترف والفخامة والقوة.

يقول جواد علي في كتابه المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (الجزء السابع، ص 220):
“إن أهل سبأ برعوا في فن العمارة والنحت الحجري، فأنشؤوا بيوتًا وقصورًا محفورة في الصخور، تشهد بأن هذه الأمة عرفت سر العلاقة بين الصلابة الجيولوجية والوظيفة العمرانية.”

سد مأرب: رمز عبقرية سبأ الهندسية

إلى جانب العمارة الصخرية، كان سد مأرب المعجزة الأخرى التي تميزت بها سبأ. فهو أول مشروع هندسي ضخم لإدارة المياه في العالم القديم. لقد حوَّلت سبأ جغرافيا اليمن من أرض قاحلة إلى أرض (ذات جنات عن يمينٍ وشمال).

يذكر أندريه بارو في كتابه تاريخ فن العمارة القديمة (باريس، 1965، ص 145):
“سد مأرب هو بحق إحدى المعجزات الهندسية في التاريخ القديم، إذ لم يكن مجرد حاجز مائي، بل كان نظامًا معقدًا لتوزيع المياه وتنظيم الزراعة، سبق في فكرته السدود الحديثة بعدة قرون.”

لكن، حينما فسدت القلوب، انهار السد وانهار معه الازدهار، فجاء (سيل العرم) عقابًا إلهيًا.

سبأ في القرآن: الحضارة حين تُنسى رسالتها

خلد القرآن مملكة سبأ في سورة سُمّيت باسمها، حيث قال تعالى:

(لقد كان لسبإٍ في مسكنهم آيةٌ: جنتان عن يمينٍ وشمال. كلوا من رزق ربكم واشكروا له. بلدة طيبة وربٌ غفور. فأعرضوا، فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكلٍ خمط وأثلٍ وشيء من سدرٍ قليل) (سبأ: 15–16).

هذه الآيات ليست سردًا تاريخيًا فحسب، بل موعظة خالدة: أن الحضارة حين تفقد قيم الشكر والعدل، تنهار مهما بلغت من القوة.

تعليق تحليلي معاصر: من هندسة الصخور إلى عصر الرقمنة

اليوم نملك الحواسيب العملاقة، وتقنيات المسح بالليزر، والطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، ولكن قلّ أن نجد مشروعًا زراعيًا هندسيًا مستدامًا في أرض العرب يدير الماء كما فعل أهل سبأ.

فما الذي ميّزهم؟ لم يمتلكوا مختبرات، لكنهم امتلكوا مدرسة الطبيعة. كانوا يتعلمون من السيل والجفاف، من حركة الرياح وتغير التربة. أما نحن، فعلى الرغم من التعليم الجامعي، كثيرًا ما نتعثر بين استيراد التقنية وسوء إدارتها.

ربط حضارة سبأ بالاستدامة الحديثة

اليوم يشكل مفهوم التنمية المستدامة محورًا عالميًا في إدارة الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه. فالعالم يواجه تحديات نقص المياه، والتغير المناخي، وتدهور الأراضي الزراعية. وإذا قارنا ذلك بسبأ، نجد أنهم سبقوا عصرهم بوضع حلول عملية: سد مأرب كان نظامًا لإدارة المخزون المائي، يوزع المياه بعدالة، ويحافظ على خصوبة الأرض.

هذه المبادئ نفسها هي ما تدعو إليه المنظمات الدولية اليوم، من استخدام التقنية لإدارة الموارد، وتحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة.
إذن، حضارة سبأ لم تكن فقط إرثًا تاريخيًا، بل مثالًا مبكرًا على ما نسميه اليوم “الهندسة البيئية” و”الزراعة الذكية”، مما يجعلها مصدر إلهام للحاضر والمستقبل.

خاتمة: دروس من حضارة الجبال

إن مباني مملكة سبأ وسدودها ونظمها الزراعية ليست مجرد أطلال، بل رسائل منحوتة بحكمة الزمن: أن الحضارة الحقة ليست في حجم المشروع، بل في عمق الرؤية، واتصال الإنسان بأرضه، واحترامه لنِعم ربه.

جيل سبأ، جيل الطبيعة، كان أكثر كفاءة لأن البيئة كانت مدرسته، والحاجة كانت دافعه، والإيمان كان ضابطه.
أما جيل اليوم، فهو في مفترق طرق: بين أن يجعل من التقنية عبئًا استهلاكيًا، أو أن يردها إلى أصلها: أداة في يد مبدع صادق، يبني لا يهدم، ويزرع لا يفسد.

إنها ليست مجرد حضارة، بل موعظة حجرية خُطّت في سفر التاريخ، وسُجّلت في القرآن، تُنادي:
(اعقلوا، واشكروا، وعمّروا الأرض كما فعلنا، أو فانتظروا سيل العرم من جديد).

المراجع والإشارات الموسوعية

الموسوعة البريطانية (Encyclopaedia Britannica) – مدخل: Sabaeans.

الموسوعة العربية العالمية – مادة: مملكة سبأ.

جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، الجزء السابع، دار العلم للملايين، بيروت، 1968.

أندريه بارو، تاريخ فن العمارة القديمة، باريس، 1965.،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
اليس في هذا السرد التاريخي لمملكة سبأ موعظه للدول التي تصنف نفسها في عصرنا بالدول العظمى ان سيل العرم يمكن أن يطولها يوما فتبقي اطلالهم ذكرى ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …