على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً في قضايا الحرب والسلام وآثارهما الاقتصادية والسياسية. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً مبسّطاً للقارئ العام، تُنشر تباعاً في عدد من وسائط الإعلام السودانية؛ مساهمةً في حوار وطني قائم على المعرفة والأدلة، ومستفيد من تجارب الأمم ومن التاريخ السوداني.
وتتناول السلسلة أسباب الحروب الأهلية وآثارها، وسبل إنهائها وبناء السلام، وما تخلّفه من دمار اقتصادي وتقويض للدولة، ومتطلبات إعادة الإعمار المستدامة؛ مع استخلاص الدروس ذات الصلة بالسودان.
إبراهيم البدوي عبد الساتر
رابعاً: متطلبات إعادة الإعمار الاقتصادية والسياسية المستدامة بعد الحروب والنزاعات (المقال 13 من 17)
إعادة بناء السودان بعد الحرب: لماذا ينبغي أن يتلازم نهجا “السياسة +” و”السياسات العامة +”؟
قبل نحو خمسة عشر عاماً، كتبتُ فصلاً بعنوان “تنمية أفريقيا بعد انتهاء الحروب”، نُشر في مرجع أكسفورد في اقتصاديات أفريقيا. وانطلق الفصل من سؤال يبدو بسيطاً للوهلة الأولى: لماذا تنجح بعض الدول الأفريقية الخارجة من الحروب الأهلية في الحفاظ على السلام وتحقيق التنمية، بينما تنزلق دول أخرى مجدداً إلى العنف، على الرغم مما تتلقاه من مساعدات دولية سخية؟
خلصتُ آنذاك إلى أن التعافي الناجح بعد الحروب يتطلب أكثر من المساعدات الإنسانية واتفاقيات السلام وتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي؛ فهو يحتاج إلى ركيزتين متكاملتين أطلقتُ عليهما نهجَي “السياسة +” و”السياسات العامة +”. وقد طُوِّرت الفكرتان في سياق دراسة تجارب أفريقيا بعد النزاعات، لكنهما تبدوان اليوم، في ضوء الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب الحالية في السودان، أكثر أهمية وإلحاحاً من أي وقت مضى.
وتتمثل الرسالة الأساسية في أن السلام المستدام يتطلب شرعية ديمقراطية وتحولاً اقتصادياً واسع النطاق؛ فهما ركيزتان متلازمتان لبناء السلام والدولة. وتحتاج المجتمعات الخارجة من الحروب إلى مؤسسات شرعية تدير خلافاتها سلمياً، كما تحتاج هذه المؤسسات إلى قاعدة اقتصادية تخفف الفقر والبطالة والتفاوت التنموي بين الأقاليم، وتوسّع الفرص.
“السياسة +”: بناء ديمقراطية شرعية وشاملة
ينطلق نهج “السياسة +” من أن الديمقراطية شرط لا غنى عنه للسلام المستدام في المجتمعات المنقسمة بعد النزاعات والحروب الأهلية. ولا تعني الديمقراطية هنا تنظيم الانتخابات وحده، بل بناء مؤسسات شاملة وغير إقصائية، لا يحتكرها حزب أو جماعة هوياتية أو مؤسسة عسكرية، وتحظى بشرعية المكونات الأساسية للمجتمع وثقتها. وتبرز أهمية ذلك لأن مفاوضات ما بعد النزاعات تُجرى، في كثير من الأحيان، بصورة شبه حصرية بين الأطراف التي خاضت الحرب. وقد يسعى الوسطاء الدوليون، لأسباب مفهومة، إلى اتفاق سريع بين القوى المتحاربة لإسكات المدافع، مع تأجيل الإصلاحات السياسية الأوسع. لكن تجارب أفريقيا، والسودان بوجه خاص، تشير إلى أن هذا النهج قد يوقف القتال من دون أن يعالج جذور الحرب أو يؤسس لسلام مستدام.
وكان اتفاق السلام الشامل الذي وقّعته حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان عام 2005 من أوضح الأمثلة على هذه المعضلة. فقد أنهى الاتفاق أطول حرب أهلية شهدتها أفريقيا آنذاك، لكن مفاوضاته وترتيباته السياسية ظلت محصورة إلى حد بعيد بين الطرفين العسكريين الرئيسيين، فيما بقيت القوى السياسية المدنية وقطاعات واسعة من المجتمع السوداني خارج العملية أو على هامشها. وقد حذرتُ في ذلك الفصل من ثلاث نتائج محتملة لمثل هذه التسويات: أن تلجأ الجماعات المستبعدة إلى إشعال نزاعات جديدة، أو أن تتواطأ الأطراف المسلحة الموقعة على تعطيل التحول الديمقراطي، أو أن ينهار ترتيب تقاسم السلطة تحت وطأة انعدام الثقة المتبادل. وللأسف، أكدت التطورات اللاحقة وجاهة كثير من هذه المخاوف.
والدرس بالغ الوضوح: قد يكون التفاوض مع الأطراف العسكرية الرئيسية ضرورياً لوقف الحرب، لكن بناء السلام يتطلب إشراك المجتمع بأسره. لذلك، ينبغي أن تتمتع القوى المدنية والمهنية والنسائية والشبابية، وممثلو المجتمعات المتضررة والسلطات الأهلية وقطاع الأعمال والأكاديميون، بمشاركة حقيقية ومؤثرة في عملية السلام. فلا يكون السلام مجرد اتفاق بين الجنرالات وأمراء الحرب، بل ميثاقاً سياسياً وطنياً يعيد تأسيس الدولة وعلاقتها بالمجتمع.
“السياسات العامة +”: بناء اقتصاد ينتج السلام
إذا كانت السياسة وحدها لا تصنع سلاماً مستداماً، فإن النمو الاقتصادي في حد ذاته لا يكفي أيضاً. وهنا تبرز الركيزة الثانية: نهج “السياسات العامة +”، الذي لا يكتفي بتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، على أهميته، بل يستهدف تحولاً هيكلياً مستداماً يبني اقتصاداً منتجاً وقادراً على المنافسة وتوليد الوظائف والثروة.
تشهد دول كثيرة خارجة من النزاعات انتعاشاً اقتصادياً سريعاً في السنوات الأولى بعد توقف القتال: تُفتح الطرق، ويعود النازحون، وتستأنف التجارة نشاطها، وتتدفق المساعدات وأموال إعادة الإعمار. لكن الأدلة المستقاة من تجارب أفريقيا تشير إلى أن هذا الانتعاش الأولي كثيراً ما يفقد زخمه بعد سنوات قليلة، لا بسبب تراجع المساعدات فحسب، بل أساساً لعجز هذه الدول عن بناء اقتصادات إنتاجية وتنافسية تواصل النمو بعد انحسار طفرة إعادة الإعمار. وعندما لا تواكب الإصلاحات المؤسسية والهيكلية وتيرة الانتعاش، يتباطأ النمو، وتتقلص فرص العمل، وتعود التوترات الاجتماعية والسياسية إلى الظهور.
لذلك دعوتُ إلى استراتيجية نمو تركز على القطاعات المنتجة للسلع والخدمات القابلة للتجارة الدولية، لما تتمتع به من قدرة أكبر على خلق فرص العمل، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وجذب الاستثمار، وتعزيز التعلم التكنولوجي، وقيادة التحول الهيكلي للاقتصاد.
كيف يصنع التكامل بين السياسة والاقتصاد دائرة حميدة؟
قد تبدو الديمقراطية والسياسات الاقتصادية، للوهلة الأولى، مجالين منفصلين، لكن كلاً منهما يعزز الآخر. فالمؤسسات الديمقراطية الشاملة توفر الشرعية اللازمة لاتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة وتنفيذ الإصلاحات طويلة الأجل. وعندما يشعر المواطنون بأنهم ممثلون في مؤسسات الدولة، وأن السياسات العامة تُصاغ وفق قواعد عادلة وشفافة، يصبحون أكثر استعداداً لتحمل الكلفة المؤقتة للإصلاح، ولا سيما حين يصاحبه برنامج متوازن للحماية الاجتماعية، كما حدث في إطار برنامج “دعم الأسر” الذي نفذته الحكومة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر. وفي المقابل، يوسع النمو المستدام فرص العمل، ويحد من التفاوتات الهوياتية والجهوية، ويوسع قاعدة المستفيدين من السلام، ويقوي العقد الاجتماعي؛ بما يمنح المواطنين أسباباً ملموسة للتمسك بالمنافسة السياسية السلمية بدلاً من اللجوء إلى العنف.
ومن هذا التفاعل تنشأ دائرة حميدة: تمنح الشرعية السياسية الإصلاحات الاقتصادية القدرة على الاستمرار، بينما يمنح التحول الاقتصادي الديمقراطية قاعدة اجتماعية أوسع وأكثر رسوخاً. فما الذي يقتضيه ذلك في الحالة السودانية؟
ماذا تعني هذه الدروس للسودان؟
تكتسب هذه الدروس أهمية خاصة في ضوء المأساة التي يعيشها السودان. فعندما تنتهي الحرب، سينصب قدر كبير من الاهتمام، لأسباب مفهومة ومشروعة، على الإغاثة الإنسانية وإعادة الإعمار المادي: إعادة بناء الطرق والجسور والمستشفيات والمدارس وشبكات الكهرباء والمياه، واستعادة الخدمات الأساسية، ومساعدة النازحين واللاجئين على العودة. وكل ذلك لا غنى عنه، لكنه غير كاف؛ فالتحدي الأكبر لا يتمثل في إعادة بناء البنية التحتية وحدها، بل في إعادة بناء المؤسسات والدولة والعقد الاجتماعي الذي ينظم العلاقة بين السودانيين.
وعملياً، تقتضي أجندة “السياسة +” ألا تُختزل عملية السلام المقبلة في صفقة لتقاسم السلطة بين القوى المسلحة، بل أن تقود إلى ميثاق وطني تصوغه القوى المدنية الديمقراطية والمجتمعات المتضررة، ويؤسس لنظام دستوري شرعي ومؤسسات انتقالية شاملة. فاتفاق الأطراف العسكرية قد ينهي الحرب الحالية، لكنه لا يكفي لمنع الحرب التالية.
ولا تقل أجندة “السياسات العامة +” أهمية. فالسودان لا يستطيع إعادة بناء اقتصاده بالاعتماد إلى أجل غير مسمى على المساعدات الإنسانية ومنح إعادة الإعمار. ويتطلب الازدهار الدائم تحولاً إنتاجياً يرتكز على الزراعة، والصناعات التحويلية، والخدمات القابلة للتصدير؛ تدعمه إدارة رشيدة للاقتصاد الكلي وسياسة مالية منضبطة، واستثمارات في البنية التحتية ورأس المال البشري، ومؤسسات تعزز الإنتاجية والابتكار وتكافؤ الفرص.
ومن الأدوات المهمة لدعم هذه القطاعات الحفاظ على سعر صرف حقيقي تنافسي في إطار سياسات متسقة للاقتصاد الكلي. وقد استفادت هذه الرؤية من تجارب اقتصادات شرق آسيا سريعة النمو، ولا سيما الصين. فسعر الصرف الحقيقي التنافسي يرفع ربحية الصادرات والأنشطة القابلة للتجارة، ويشجع الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل. وعلى خلاف الإعانات الصناعية الضيقة التي تستهدف منشآت أو قطاعات بعينها، يوفر سعر الصرف التنافسي حافزاً واسع النطاق على مستوى الاقتصاد، تستفيد منه خصوصاً القطاعات الإنتاجية الديناميكية. وبعبارة أخرى، يجب أن تستهدف استراتيجية إعادة إعمار السودان توليد الثروة، لا مجرد استبدال ما دمرته الحرب، وأن تجعل من إعادة الإعمار مدخلاً لبناء اقتصاد جديد بدلاً من إعادة إنتاج الاختلالات القديمة.
والخلاصة أن إنهاء الحرب هو الشرط التأسيسي لأي إعادة إعمار جادة، لكنه غير كاف في حد ذاته. فإعادة بناء السودان تتطلب، في آن واحد، دولة مدنية ديمقراطية تتمتع بشرعية واسعة، واقتصاداً إنتاجياً تنافسياً يوسع فرص العمل ويوزع ثمار السلام بين أقاليم البلاد وفئاتها الاجتماعية. ومن دون هذا التلازم، قد يُعاد بناء ما دمرته الحرب من منشآت، بينما تظل المؤسسات والاختلالات التي أسهمت في إشعالها قائمة؛ بما يمهد لدورة جديدة من النزاع.
المرجع
Ibrahim Elbadawi (2012). “Developing Post-Conflict Africa,” in E. Aryeetey, S. Devarajan, R. Kanbur, and L. Kasekende (eds.), The Oxford Companion to the Economics of Africa. Oxford University Press, pp. 115–123.
