Sudanile-Logo-SQ

متى ينصلح حال بلادنا؟

مختار العوض موسى
mokhtaralawad@gmail.com

السؤال أعلاه يُؤرِّق مضاجع أي مواطن سوداني، سواء أكان المتضرر من نيران الدانات، أو المكتوي بغلاء المعيشة في الداخل دون أن تتوفر لديه السيولة لتأمين ما يقتات به، ولو كان خبزًا جافًا، أو اللاجئ خارج حدود بلاده المنكوبة التي اضطر إلى مغادرتها.

لقد فرض هذا السؤال نفسه بقوة في ظل وجود مؤشرات مفرحة تلوح في الأفق، تنذر بقرب بسط القوات المسلحة السودانية سيطرتها على كامل خارطة البلاد؛ إذ تشير تقارير رسمية ميدانية إلى تقدمات في مواقع متعددة داخل ولايات شمال وجنوب وغرب كردفان، واستعادة السيطرة على قرى ومناطق مثل أم سيالة والدنكوج وميسوت وغيرها، إضافة إلى السيطرة على الطريق الرئيسي الرابط بين وسط البلاد وغربها. كما شهدنا عودة الحكومة للعمل من الخرطوم بعد ما يقارب ثلاث سنوات، وهو ما يمثل رسالة سياسية قوية تؤكد جدية الدولة في استعادة الوجود الرسمي في العاصمة التاريخية، وتعزيز شرعية مؤسساتها من داخل العاصمة نفسها لا من مقر مؤقت.

هذه العودة ليست مجرد نقل إداري، بل خطوة رمزية واستراتيجية تشير إلى رغبة حقيقية في استعادة الحياة الطبيعية والمؤسسية في البلاد، وقد يُنظر إليها كمؤشر على تحسن نسبي في الوضع الأمني بالخرطوم، وتهيئتها لاستقبال المواطنين، وتعزيز الاستقرار بعد سنوات عجاف أكلت الأخضر واليابس.

غير أن هذه العودة لن يكون لها أثرها الفاعل على أرض الواقع ما لم تتواصل الجهود لضمان إعادة الحياة الخدمية والإدارية إلى سابق عهدها أو أفضل مما كانت، وما لم يتم التشغيل الفاعل لأجهزة الدولة من داخل العاصمة، وتحسين التنسيق الإداري، وتيسير الوصول إلى الخدمات الحكومية، وتعزيز الثقة وتشجيع العودة الطوعية. ويتحقق ذلك بجذب الاستثمارات، وتسهيل الإجراءات، والحفاظ على الاستقرار، وتحقيق الأمن والتنمية، وإيواء النازحين من الولايات المتضررة من الحرب، وإكمال مشاريع البنية التحتية من طرق وكباري ومستشفيات وجامعات ومدارس. كما تظل عودة الحكومة مرتبطة بتعهدها بإعادة تأهيل المباني المدمرة كافة. وتمثل هذه العودة تأكيدًا لتعزيز شرعية الدولة ووجودها الفعلي في قلب البلاد، بما يدعم موقفها داخليًا وخارجيًا في أي مفاوضات دبلوماسية للسلام.

لا يمكن إصلاح حال بلادنا إلا بوجود إرادة وطنية قوية، ودعم القطاع الأمني عبر إخراج القوات النظامية من السياسة والاقتصاد، وحصر دورها في بسط الأمن وحماية الوطن، ووضع دستور يضمن الحكم المدني وسيادة القانون، وتوفير عدالة انتقالية حقيقية تعزز مبدأ «لا إفلات من العقاب»، ومحاربة الفساد والتهريب واستعادة الأموال المنهوبة، وترميم النسيج الاجتماعي الذي دمرته الحرب. كما ينبغي لإعلامنا أن يعمل على نبذ الكراهية والعنصرية، وإرساء ثقافة تجاوز الخلافات القبلية ومعالجتها مبكرًا قبل أن تستفحل.

علينا أن نضع في اعتبارنا دائمًا أنه لن ينصلح حال بلادنا ما دمنا غارقين في هذا الجدل البيزنطي والنقاشات العقيمة الخاوية من أي معانٍ سامية. ولن ينصلح حال بلادنا إذا استمررنا في إهدار الوقت في أمور غير مجدية، بينما تتربص بنا المخاطر من كل جانب. ولن ينصلح حال بلادنا إذا واصلنا هذه الهرطقة الجوفاء بتصنيف الناس بين إسلامي وفلولي ويساري ومستقل. إن الواجب يحتم علينا العمل على بناء وطن مستقر مزدهر، ونبذ الحزبية الضيقة، وإرساء مشروع وطني جامع أساسه حب السودان والعمل على رفعته بعيدًا عن الأطماع الذاتية الضيقة.

مشروع وطني جامع يكون فيه الانتماء للوطن هو البوصلة لمسيرتنا التنموية، ويكون فيه التنوع مصدر قوة، والمواطنة هي القاسم المشترك الأعلى بين الجميع. فالمشكلة لا تكمن في التعدد الحزبي، بل في تحول الأحزاب إلى أدوات ولاء أعمى أو محاصصات ضيقة لا تعبأ بمصلحة الوطن. فلنبتعد عن الحزبية الضيقة والجهوية البغيضة التي تقسم المجتمع إلى معسكرات متصارعة، وتقدم الولاء الحزبي على وحدة الوطن ومصلحته.

حريٌّ بنا أن نتذكر أن السودان في مرحلة ما بعد الحرب يقف على مفترق طرق محفوف بالصعاب والمخاطر: إما أن يكون أو لا يكون، إما أن يسلك طريق الوحدة والبناء، أو يغرق مجددًا في مستنقع الانقسام والفتن والتشرذم. ولتفادي ذلك، يجب أن نبتعد عن أي خطاب يحرض على العنف أو التمييز أو الإقصاء ضد الأفراد أو الجماعات بسبب العرق أو الجهة أو القبيلة أو الانتماء السياسي، لأن ذلك يمزق نسيجنا الاجتماعي ويعزز اندلاع الحروب الأهلية.

فليكن هدفنا جميعًا أن نضع الوطن في حدقات عيوننا، وأن تكون مصلحته فوق كل اعتبار، فلنبنه بالعقل والحكمة والعمل، دون الارتهان لأخطاء الماضي. ولننطلق بعنفوان الوطنية، وننأى بأنفسنا عن التراشقات الكلامية التي تربك مسيرتنا نحو التنمية والاستقرار والبناء الوطني.

علينا أن نتذكر دائمًا أن الأخلاق الرفيعة هي القانون الوحيد الذي لا تفرضه المجتمعات، بل تفرضه الضمائر الحية الواعية التي تضع مصلحة الوطن ورفعته فوق كل اعتبار. فليكن سمو أخلاقنا منصفًا وعادلًا في وضع الأمور في نصابها الصحيح من أجل الوطن لا غيره. وحينما ترتقي أخلاقنا، تصبح الحرية مسؤولية، ويغدو العمل المشترك سبيلًا لبناء وطن معافى يسع الجميع.

فلنعمل على بناء سودان موحد، عادل، مزدهر، يحكمه القانون، وتستوعب دولته تنوع شعبه، وتُستثمر ثرواته وموارده لصالح الأجيال الحالية والمقبلة، مع بناء علاقات خارجية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة، وإغلاق الباب أمام أي تدخلات أجنبية ذات أطماع في مقدراتنا ومواردنا.

والله من وراء القصد.

عن مختار العوض موشى

مختار العوض موشى

شاهد أيضاً

المخدرات في السودان: إعادة تموضع لحرب صامتة مدمرة

مختار العوض موسىmokhtaralawad@gmail.com من لم يمت بالسيف مات بغيره. ومن لم تدمره الحرب، يجد نفسه …