مختار العوض موسى
حين يكتسي المشهد السياسي بلون الرماد، وتغيب عنه شمس الوضوح، يصبح الوطن كمن يسير في صحراء يلفها الضباب؛ يسمع وقع الخطى، لكنه لا يرى وجهته، فيتعثر.
وهذا، للأسف، هو حالنا اليوم، حيث تتوارى الحقائق خلف ستائر الغموض، وتتشابك المواقف لدرجة يصبح المواطن فيها عاجزا عن تمييز حدود الواقع من ضجيج التأويلات والتكهنات، فيصبح في دوامة من التوهان، لا يعرف ما تكشفه الأيام من أي مؤشرات إبجابية كانت أو سلبية قد تحدث سواء في المستقبل القريب أو البعيد حتى.
حال المشهد السياسي لا يخف على أحد، ولم يعد كما كان؛ فقد غابت عنه إشراقة الرؤية، حتى بدا وكأن سحابة كثيفة من الضباب قد خيمت على سمائه، تحجب الحقائق، وتؤجل الإجابات، وتترك المواطن حائرًا بين روايات متضاربة، وتحليلات متناقضة، ومستقبل لا تزال ملامحه غائمة.
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية من تاريخ الأمم، يصبح الوضوح قيمة وطنية لا تقل أهمية عن الأمن والاستقرار، فالشعوب لا تخشى الحقيقة مهما كانت قاسية، لكنها تخشى الغموض الذي يفتح أبواب الأقوال المتضاربة، ويغذي الشكوك، ويقوض الثقة بين الدولة ومواطنيها.
لذلك فإن إتاحة المعلومات الصحيحة، ومصارحة الرأي العام بما يجري، ليست ترفًا سياسيًا، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية، في وقت أنهكت فيه الحرب السودانيين، واستنزفت أرواحهم وأحلامهم، وهم اليوم أحوج ما يكونون إلى خطاب إعلامي سياسي يتسم بالوضوح، ويجيب عن الأسئلة المشروعة، ويضع أمامهم رؤية واضحة للمستقبل، بعيدًا عن لغة المناورات والمواقف الملتبسة.
على إعلامنا أن يعي أن الوطن لا يُبنى في العتمة، ولا تُدار الأزمات خلف ستائر الضباب، فكلما اتسعت دائرة الشفافية، ضاقت مساحة الشائعات، وكلما حضرت الحقيقة، انحسر الجدل العقيم، واقترب السودانيون من استعادة ثقتهم في مؤسساتهم، وإيمانهم بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل مما يعيشه الحاضر.
ولعل أعظم ما يحتاجه السودان اليوم هو استعادة وضوح البوصلة الوطنية؛ فالأوطان لا تنهض إلا حين تتلاقى الإرادة السياسية مع حق المواطن في المعرفة، ويتقدم الصدق على الغموض، والمصلحة الوطنية على المصالح الضيقة. وعندها فقط ينقشع الضباب، وتشرق شمس وطن يستحقه جميع السودانيين، ينعمون برخائه وأمنه، فمن خلال هذه البوصلة الوطنية يكون طريقنا واضحا إلى بر الأمان، ونستطيع تبني رؤية تجعل من الشفافية نهجًا، ومن الحوار سبيلًا، ومن وحدة الصف هدفًا. فلنتذكر أنه عندما تسطع شمس الحقيقة، ويلتقي الجميع على كلمة سواء، وحينها يكون السودان قادرا على التصدي لكل التحديات، وفي الوقت ذاته يكون أكبر من خلافات أبنائه، وأبقى من صراعاتهم، وأجدر بأن تُسخَّر كل الجهود من أجل أمنه واستقراره ومستقبله.
فلندرك أن أخطر ما يواجه الأوطان في أوقات الأزمات ليس اختلاف الرؤى السياسية، وإنما غياب الرؤية الجامعة، وافتقاد الشفافية التي تمنح الناس حقهم الأصيل في معرفة ما يجري، وإلى أين تتجه سفينة الوطن، فحين تغيب المعلومة الموثوقة، بسبب غياب الدور الإعلامي الفاعل في كشف بوصلة الواقع الحقيقي لما يدور في دهاليز المجريات السياسية تتكاثر الإشاعات، وتصبح منصات التواصل ساحات مفتوحة للتكهنات الكاذبة والأقوال المتضاربة، ويجد المواطن نفسه أسيرًا للقلق أكثر من كونه شريكًا في صناعة المستقبل.
لقد دفعت الحرب السودانيين إلى أثمان باهظة؛ نزوحًا ولجوءً، وفقدًا للأرواح، وانهيارًا في الخدمات، وتراجعًا في الاقتصاد. ومن حق هذا الشعب، بعد كل هذه التضحيات، أن يسمع خطابًا سياسيًا واضحًا، وأن يرى مشروعًا وطنيًا يبعث الطمأنينة، ويعيد بناء الثقة، ويؤسس لمرحلة تتقدم فيها الحكمة على المناكفات، والحوار على الإقصاء، والمصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات المتضاربة، بقدر حاجته إلى رؤية وطنية واضحة، وخارطة طريق معلنة، وحوار صادق يضع مصلحة الوطن فوق الحسابات الضيقة. فالضباب لا يدوم، لكن انقشاعه يتطلب إرادة سياسية تؤمن بأن الشعوب لا تستعيد ثقتها إلا حين تشعر بأنها شريك في معرفة الحقيقة وصناعة المستقبل.
ولعلنا نشير إلى أنه ليس المقصود بالوضوح كشف كل ما تقتضيه ضرورات الأمن أو التفاوض، وإنما ترسيخ مبدأ الصدق مع الناس، واحترام وعيهم، وإشراكهم في فهم التحديات والخيارات الكبرى، فالشعوب الواعية تستطيع أن تتحمل الحقيقة، لكنها لا تستطيع أن تعيش طويلًا في ….
والله من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
